Search
728 x 90

13 نيسان و17 تشرين بين لحظتَين!

13 نيسان و17 تشرين بين لحظتَين!

إرتحل العلاّمة السيّد محمد حسن الأمين عنّا في لحظةٍ حرِجة. قبله بسنواتٍ أربع، وفي اليوم نفسه، إرتحل سمير فرنجيه. ليس صدفة أن يتلاقى حكيمان من لبنان على النّضال من أجل تحرُّره، وصَون العيش الواحد، ويترُكاننا في رمزيّة تاريخيّة تحتمل الكثير من القراءة المُعمّقة في معنى هذا الوطن الرسالة.

زياد الصَّائغ
خبير في السياسات العامة

إلتصاق إرتحال العلاّمة الأمين وسمير بيك، كما كان يحلو لي دوماً مخاطبته، بذكرى 13 نيسان كثيف الدّلالات. قاما معاً بمراجعةٍ نقديّة وجدانيّة وعلميّة للحرب التي دمّرت لبنان ولَم تزَل. عناهما تشييدٌ في العدالة الانتقاليّة للذّاكرة الجماعيّة. بحَثَا في التذكّر للعِبرة والنّسيان للبِناء. كانت هذه المعادلة شائكة شاقّة. طويُ صفحاتٍ من ارتباكاتٍ بحقّ هويّة لبنان، وكيانه، وسيادته، وإنسانه، ونموذجه الحضاريّ الحاضن للتنوّع، لم يقبلاه من باب اللّامحاسبة، بل من باب ترسيخ المحاسبة في بُعدها الثقافيّ التراكميّ، إذ في تلك العشيّة من 13 نيسان 2006، وفي المنبر الثقافي لمؤسّسة المونسينيور قرطباوي / راهبات القلبين الأقدسين – أدما، وفي ندوة عن ذكرى الحربِ المقيت، أصغَيتُ إليهما معاً في تألقّهما المنوِّر يتطلّعان إلى لبنان الجديد يولَد من التحرّر المكتمِل من موبقات الاستباحات. منذ حينها، وقالاها بالفَم الملآن،بدا أنّ معركة السيادة تتلازم مع معركة مكافحة الفساد، ومنذ حينها فهِمت أنّ رجال الفِكر عندنا هم رجال دولة، أمّا أولئك الذين في السُّلطة فتَجهَدُ لتجِد بينهم قلّة من العاملين للخير العام.
إرتحَل العلّامة السيّد محمّد حسن الأمين بعد سنواتٍ أربعة من الكبير سمير فرنجيه، وحمّلنا إرتحالهما هَمّ حراسة القِيَم في الفضاءات العامة. في تلك الندوة التي أسلفت استعادتها، أكّدا على أنَّ عمق الأزمة في لبنان أخلاقيّ – ثقافيّ، وبالتالي هنا المواجهة الأساسيّة قائمةٌ مع اغتيال الأخلاق وتدمير الثقافة.
كانت 13 نيسان حائطاً صلباً في وجه بلورةٍ سلميّة لتطوير صيغة النّظام اللبنانيّ بميثاقيته الهشّة. الحائط الصُّلب الدّاكن هذا شكّل لحظتَين متكاملتَين. إحداهما آنيّة من فِعل دمارٍ بشِع. وثانيهما تاريخيّة في تأسيسيّة فَهم المعطوبيّة الهوياتيّة بمعنى ترهّل الإنتماء المُطلق للوطن. لَم يتجرّأ أحدهم حتى الساعة على اقتحام الأبعاد البنيويّة لهاتين اللّحظتين بمعناهما الأخلاقيّ – الثقافيّ مربوطين بامتداداتهما السّوسيولوجيّة. التحوّل الاجتماعي في هذين المعنيَين لم يُحوَّل إلى تحليلٍ في الصِّلة الوثيقة التي تجمعه بالعدالة والسيادة والانتماء الوطنيّ. هذه الإحالة مُهمّة نبيلة يقع على قوى 17 تشرين الاضطلاع بها، إذ ما نحن فيه موصولٌ بكلّ ما سبق.
ليس القول بالوَصل هنا افتعاليّاً أو يوتوبيّاً، بل يستند إلى واقع أنّ الشعب اللبنانيّ كان شديد المسامحة مع من أسهَمَ في تدمير الصّيغة والميثاق بنقائهما المفاهيميّ. نُبل هذه المسامحة لم يُؤخَذ على قاعدة استنفاريّة، لعدَم تكرار موبقات التقاتل العبثيّ والارتهانات الكارثيّة، بل استخدمته المنظومة، تلك التاريخيّة كما المستجدّة، في تجذير معوّقات تنقية الهويّة اللبنانيّة من ناحية، وبعثرةِ تدعيم أسُس بناء الدولة المدنيّة في المواطنة الحاضنة للتنوّع، والحوكمة السليمة، والسّيادة الناجِزة، الحياد الإيجابيّ من ناحية أخرى. المعوّقات تتفاقم والقوى المجتمعيّة الحيّة معنيّة بتفكيكها بتؤدة لكن بصلابة.
هذا كُلّه يضع ثورة 17 تشرين في لحظتين متشابهتي السِّمة مع 13 نيسان. الأولى آنيّة في تزخيم مسارات المواجهة مع المنظومة ميدانيّاً وفكريّاً وإعلاميّاً وحتى ديبلوماسيّاً. والثّانية تأسيسيّة في فَهم بُنية الحاجة إلى تغييرٍ ثقافيّ – اجتماعيّ يُعيد الأخلاق إلى الشأن العام. هنا يمكن التحدّي في بناء استبلشمنت بنيويّ، قبل الانخراط الظرفيّ في مُربّع إعادة تكوين السُّلطة.
الفولكلور الشعبويّ، والاستعراض الشوفينيّ، والانفعال الأوّليّ، والأجندات الخبيثة، والتشتيت العفويّ، والتفتيت الاختراقيّ، والتموضع اللامنهجيّ، مقتلةٌ للّحظتَين.
حمى الله لبنان واللبنانيّين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات