Search
728 x 90

يقترعون او يُمنعون؟

يقترعون او يُمنعون؟

لم يكن غريباً ان ينتقل اهتمام المجتمع الغربي في الآونة الأخيرة من المطالبة بتشكيل حكومة تتولى القيام بالإصلاحات الى التأكيد في شبه إجماع على وجوب اجراء الانتخابات النيابية في موعدها وكأن هذا الاستحقاق الدستوري بات الهدف في بلد تنهشه الأزمات بكل انواعها. فحتى المبادرة الفرنسية تراجعت الى المرتبة الثانية لتركز باريس على اولوية الاستحقاق البرلماني في ايار 2022.

التسريبات الاعلامية التي بدأت تتصاعد على الساحتين السياسية والاعلامية منذ أكثر من شهر عن نيّة في تأجيل الانتخابات، والتصريحات السياسية المقابلة التي كانت تؤكد على وجوب اجرائها في موعدها، كانت تشي بأن شيئاً ما يُحضّر في الكواليس، اذ لا حاجة للتأكيد على وجوب اجراء الانتخابات اذا لم تكن هناك نيّة اساساً في “تطييرها”.
وبالفعل كشفت العملية التمويهية ان العمل يجري على شقين: تأجيل الانتخابات او الغاؤها، والغاء انتخابات المغتربين تارة بحجة ان 6 نواب يشكلون اجحافاً في حقهم، وطوراً ان الدستور يضمن مساواتهم مع المقيمين لينتخبوا النواب الـ 128 في البرلمان، اسوة بكل ديمقراطيات العالم تقريباً، ناهيك عن الأزمة المالية التي يعاني منها لبنان وتحول دون تمويل هذه الاقتراع في الخارج.
وما اعلان نائب رئيس المجلس أيلي الفرزلي، رئيس اللجنة النيابية المكلفة دراسة ملف الانتخابات اواخر ايلول، ان الاتفاق لم يتم على قانون كتلة التنمية والتحرير حول اجراء الاستحقاق على اساس النسبية ولبنان دائرة واحدة، سوى مقدمة لما اعلنه في ما بعد، اي تقديم موعد الاستحقاق من الاحد 8 أيار الى 27 اذار لتقاطع الموعد المحدد مع شهر رمضان، اضافة الى عدم اجراء انتخابات المغتربين لاسباب لوجستية ومالية والغاء المادة القائلة بتخصيص المقاعد الستة لهم.
علماً ان العذر الذي قدمته اللجنة النيابية تنقضه حقيقة ان شهر رمضان السنة المقبلة يبدأ مبدئياً من 2 نيسان 2022 وينتهي في 1 ايار 2022 ، اي انه لا يتضارب مع موعد الانتخابات المقرر في 8 ايار.
وقد التقت مواقف حزب الله مع توصية الفرزلي لجهة تقريب موعد الانتخابات، لا بل ذهب حزب الله الى ابعد من ذلك موزعاً الأدوار بين مسؤوليه. فرئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد اكد “ان هناك شبه إجماع بين الكتل النيابية على موعد الانتخابات في 27 آذار المقبل، بسبب تزامن نيسان مع شهر رمضان”. واضاف” ماذا يريدون من هذه الإنتخابات؟ يريدون الحصول على الأكثرية النيابية. وكيف يحصلون على الاكثرية النيابية؟ سنشهد ضغوطا كبيرة على المرشحين من الذين يؤيدون نهج المقاومة، إما بالتهديد بمصالحهم خارج البلاد أو بتهديدهم بعقوبات ستفرض عليهم، وبخاصة إذا كانوا يعملون ولهم مصالح خارج البلاد”. وختم “يتوهمون أن بإمكانهم تغيير المسار السياسي في البلد”.
فالأكثرية النيابية بالذات هي التي تقلق راحة من يصبو لتأجيل الانتخابات، املاً في تطورات اقليمية تقلب الموازين… او حتى الغائها.
من هنا قول رئيس المجلس التنفيذي في “حزب الله” هاشم صفي الدين “طموحهم أن يحصلوا على 30 مقعداً من الـ “أن جي أوز” أي من عملاء أميركا ولا يتبعون لأي أحد، كي يصبحوا في المجلس النيابي بما يعرف ببيضة القبان”.
اما المفتي الجعفري الممتاز احمد قبلان فكان موقفه الأقسى، اذ قال “ان الهدف من الانتخابات قلب الموازين الداخلية بخلفية الصراع الإقليمي… ومن يعتقد أن جهنم لبنان ستنقذه جنّة الوعود الدولية سيستيقظ في قعر الجحيم”.
وإذا اكد رئيس الحكومة نجيب ميقاتي من عين التينة، بعد لقائه رئيس المجلس النيابي نبيه بري “إن لا نية لإلغاء الانتخابات النيابية “، بدا ان بري يعمل على نقل المعركة الى المقلب الآخر عبر التأكيد في آن – عبر لسان عضو كتلة التنمية والتحرير النائب انور الخليل – على ضرورة اجراء الانتخابات النيابية وعلى التمسك بقانون بري الانتخابي الذي يعتمد لبنان دائرة انتخابية واحدة على قاعدة النسبية إلى أبعد مدى… وإلا ستسعى كتلة التنمية والتحرير لإجراء تعديلات اساسية على القانون الحالي”… وهذا يعني حتماً تطيير الانتخابات قبل سبعة اشهر من موعدها، وفي توقيت بات ضيقاً.
صحيح ان الهيئة العامة في المجلس النيابي تستطيع إقرار التعديلات على قانون الانتخاب بعد الخامس عشر من تشرين الأول الحالي، الا ان هذا الإقرار – ان تمّ – يفترض درساً واعادة درس، ومعارضة من اكثر من جهة… والجميع يعلم ان اللجان هي مقبرة القوانين.
من هنا اعلان وزير الخارجية عبد الله بو حبيب ان “اي تغيير في القانون الحالي هو قرار سياسي”، مستبقاً بذلك كل التجاذب الكلامي في الموضوع.
فالخوف بالنسبة الى الساعين الى الغاء الانتخابات يكمن في قلب الموازين في المجلس النيابي الحالي، ولا سيما بعد انتفاضة 17 تشرين 2019، كما بعد انفجار مرفأ بيروت في 4 آب وتدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية والمالية بشكل غير مسبوق، ناهيك عن فقدان الثقة بمنظومة سياسية تتكتل فوق كل صراعاتها السياسية لتبقى متشبثة بمواقعها ونفوذها… وإن لم يكن الغاء للإنتخابات فإلغاء لاقتراع المغتربين الذي قد يشكلون حقاً تهديداً للتوازنات السياسية القائمة في ساحة النجمة. وما التظاهرات التي انتشرت في العديد من دول الانتشار سوى مؤشر الى حجم القوى المعارضة الموجودة في الخارج والتي لا تخضع لإيحاءات الأحزاب.
اما ان تكون الانتخابات على طراز انتخابات 2018، اي ان يقترع المغتربون لـ 128 نائباً وليس 6 نواب للمغتربين حصراً (1) عبر مساواة المنتشرين بالمقيمين، فيشكل تهديداً ايضاً لحزب الله وحلفائه، اذ ستحجم غالبية المنتشرين – ان لم يكن كلهم- عن انتخابهم خوفاً من شمولهم بالعقوبات في البلدان التي ينتشرون فيها.
ورغم أهمية اقتراع المغتربين الا ان القانون الحالي يحرمهم مبدأ المساواة مع المقيمين بحيث انهم يقترعون لستة نواب في دائرة انتخابية واحدة تشمل القارات الست – وليس وفق دوائر قيدهم – فيما المقيمون يقترعون في 15 دائرة، مع الاشارة الى ان العدد الاكبر من المغتربين موجود في أستراليا وكندا ودول الخليج وبعض الدول الأوروبية والإفريقية. وقد كشفت احصاءات غير رسمية العام 2018 ان نحو مليون و327 ألف مغترب يعيشون في الخارج، بينهم ما بين 600 و700 ألف في سن الاقتراع.
ثم ان اشكالية تظهر حيال عدد المراكز الانتخابية المحدود بالنسبة الى هذه المساحات الجغرافية الشاسعة بحيث تبرز صعوبة التعرف الى مرشحين من اماكن جغرافية غير متجانسة، كما الانتقال الى مراكز الاقتراع المبعثرة في الدول الكبرى، ناهيك عن ضرورة حماية بيانات المقترعين الشخصية التي قد تستغل لأكثر من مأرب سياسي. ثم ان مجرد تسجيلهم للإقتراع في الخارج يحرمهم من امكان اقتراعهم في لبنان في حال قرروا ذلك.
يضاف الى ذلك ضمان سلامة صناديق الاقتراع بانتقالها الى لبنان للفرز. وما الكلام الذي اثير بالتلاعب بها في انتخابات 2018 سوى ابرز دليل على هذه المخاوف.
وفي المقلب الآخر تسقط مقولة الاطاحة بانتخابات المغتربين في حال تم تقريب موعد الانتخابات في لبنان، اذ ان القانون ينص على ان يتم اقتراع الخارج قبل 15 يوماً على الأكثر من الموعد المعيّن في لبنان، من دون تحديد تاريخ محدد لذلك، مع الاشارة الى صعوبة اتمام لوائح الناخبين في هذه الحال.
وهذا ما أشار اليه وزير الداخلية بسام مولوي اواخر ايلول 2021 حين قال: «في حال إجراء الانتخابات قبل 30 آذار تكون قوائم الناخبين غير مجمدة وستضعنا أمام صعوبة قيام المغتربين بالانتخاب».
ولن تتم الاطاحة بأي عملية اقتراع في مركز انتخابي ما الا بشرط وحيد نصّت عليه المادة 114 المتعلقة بالقوائم الانتخابية للمغتربين “إذا قل عدد المسجلين في المركز الانتخابي الواحد عن 200 ناخب عندها توضع إشارة تحول دون إمكانهم الاقتراع في محل إقامتهم الأصلي إضافة إلى ذكر مكان التسجيل في الخارج”.
وهذا ربما ما قد يعوّل عليه المعارضون، اذ في انتخابات 2018 ، لم يتعدّ عدد المسجلين التسعين ألفا، ولم تتجاوز نسبة الاقتراع الـ 62% من أصل الناخبين المسجّلين فيما يُقدَر عدد اللبنانيين في الخارج والمنحدرين من أصول لبنانية بالملايين.
ثم ان انتخابات المغتربين ستلغي عملية “السياحة الانتخابية” التي كانت تلجأ اليها الماكينات الانتخابية المحلية لشراء الأصوات عبر تأمين بطاقات سفر للمغتربين.
صحيح ان وزارة الخارجية اصدرت تعميماً إلى كل البعثات الدبلوماسية والقنصلية اللبنانية في الخارج في 26 تموز 2021 للتحضير للانتخابات النيابية للعام 2022، تطالب فيها بتزويدها بتقييم عن أوضاع الانتخابات التي حصلت العام 2018، والعقبات التي واجهتها بهدف تجنبها هذه المرة، مع الاشارة إلى الضائقة المالية التي تعيشها الخزينة اللبنانية، وصحيح ايضاً ان وزير الخارجية الجديد عبد الله بو حبيب حدد في تعميم موعد تسجيل اللبنانيين غير المقيمين على الأراضي اللبنانية للاقتراع في انتخابات 2022 ابتداء من الاول من تشرين الاول المقبل ولغاية العشرين من تشرين الثاني 2021، الا ان العملية تبقى مرتبطة بالنوايا وبالظروف الاقليمية التي ستفرض الغاء العملية الديمقراطية بطريقة او بأخرى… او السير بها وفق المتوافر.

(1) نص قانون الانتخابات 44/2017 على حق اقتراع كل مواطن غير مقيم في انتخابات العام 2018 في الدائرة الانتخابية حسب مكان قيده في لبنان، على أن تتم إضافة 6 مقاعد لتمثيل غير المقيمين في انتخابات العام 2022، ليرتفع عدد المقاعد إلى 134، على أن يخفض ستة مقاعد من عدد أعضاء مجلس النواب الـ 128 من نفس الطوائف التي خصصت لغير المقيمين ابتداء من انتخابات العام 2026. كما نص القانون على أن توزع هذه المقاعد بالتساوي على القارات الست وعلى المسيحيين والمسلمين. ونصت المادة 112 على اعطاء مقعد واحد لكل من الموارنة، والروم الأرثوذكس، والروم الكاثوليك، والسنّة، والشيعة، والدروز. ويتم الاقتراع في الخارج على أساس النظام النسبي ودائرة انتخابية واحدة قبل 15 يوماً على الأكثر من الموعد المعيّن للانتخابات في لبنان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات