Search
728 x 90

وقف تمويل المحكمة: لا اسف على غياب العدالة الدولية !

وقف تمويل المحكمة: لا اسف على غياب العدالة الدولية !

دقت المحكمة الدولية الخاصة باغتيال الرئيس رفيق الحريري ناقوس الخطر ازاء نقص تمويلها لبنانياً وحتى دولياً على نحو ينذر بتوقفها عن العمل في نهاية تموز المقبل في حال لم تتم معالجة ذلك قبل هذا الموعد.

وكانت غرفة الدرجة الاولى لدى المحكمة اعلنت عن الغاء جلسات المحاكمة في ثلاث جرائم مرتبطة باغتيال الحريري في الوقت الذي باتت فيه المحكمة في وضع غير مسبوق نتيجة توقف لبنان عن دفع حصته في موازنتها لكن ايضاً نتيجة امتناع معظم الدول المانحة عن تسديد تعهداتها للسنة الحالية. اذ اصدرت قراراً ألغت بموجبه بدء المحاكمة في قضية سليم عياش المتهم باغتيال الحريري بعدما كانت مقررة في 16 حزيران 2021، كما علّقت كل القرارات المتعلقة بالمستندات المودعة حالياً أمامها، وبأي مستندات تودع مستقبلاً، وذلك حتى إشعار آخر.
وجاء قرار غرفة الدرجة الأولى عقب إيداع رئيس قلم المحكمة مستنداً في الاول من حزيران 2021، أبلغ فيه الغرفة بالوضع المالي الحاد الذي تواجهه المحكمة حالياً. فنفاد الأموال الوشيك سيؤثر في قدرة المحكمة على تمويل استمرار الإجراءات القضائية وإنجاز ولايتها، ما لم ترد مساهمات إضافية هذا الشهر.
والمعروف ان قضية سليم عياش ترتبط باعتداءات ثلاثة اخرى الى جانب اغتيال الحريري كانت استهدفت الوزير والنائب اللبناني السابق مروان حماده، والأمين العام السابق للحزب الشيوعي اللبناني جورج حاوي، ووزير الدفاع السابق إلياس المر. وقد اعتبرت المحكمة، أنّ هذه الاعتداءات متلازمة مع الاعتداء الذي أودى بحياة الحريري في 14 شباط من العام 2005.
وكان لبنان تبلغ قبل اشهر من بريطانيا التي ترأس لجنة الدول المانحة انها في صدد وقف مساهمتها في تمويل المحكمة متذرعة بوضع اقتصادي صعب بسبب تداعيات جائحة كورونا . ولذلك لا يمكن اعتبار ان قرار وقف المحكمة يعتبر مفاجئاً بأي شكل من الاشكال. ولكن اذا كان لبنان يتذرع بدوره بانهيار وضعه المالي في اكبر ازمة مالية واقتصادية يواجهها منذ نشوئه علماً ان اموالاً طائلة للدعم تذهب هدراً عبر التهريب الى سوريا على نحو مفضوح بحيث انه لو صفت النيات كان يمكن الابقاء على تمويل المحكمة، الا ان المفاجىء هو تراجع الدول المانحة، ما يخشى انه يعكس قراراً او بالاحرى يرسم علامات استفهام كبيرة اذا كانت هذه الدول لا تزال تود استمرار المحكمة او وقفها.
وكانت رئيسة المحكمة الدولية الخاصة بلبنان القاضية التشيكية إيفانا هردليشكوفا حذرت من أن إقفال المحكمة التي تنظر في قضية اغتيال الحريري وجرائم أخرى “سابقة شديدة الخطورة للعدالة الجنائية الدولية”. ونقلت صحيفة الشرق الأوسط عنها قولها إن الإقفال في حال حصوله بسبب نقص التمويل “سيبعث برسالة مدمرة للشعب اللبناني وذوي الضحايا”.
لكن في مقابل غياب اي موقف حاسم دولياً انعقدت في نيويورك جلسة للجنة الادارة حيث قالت بريطانيا انها اجبرت على القرار الصعب بوقف التمويل. وقال المتحدث باسم بريطانيا في بيروت أن “المملكة المتحدة تدافع، كقوّة تعمل للخير، عن العدالة والمحاسبة حول العالم” مضيفاً “لقد دعمنا المحكمة الدولية الخاصة بلبنان منذ تأسيسها عام 2007، ولطالما طالبنا بمحاسبة مرتكبي التفجير المرعب الذي اغتال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري و25 شخصاً من المارّة الأبرياء عام 2005، ولهذا السبب، رحّبنا بالحكم الذي صدر عن المحكمة في شهر آب من العام الماضي”.
ولكن التفاعلات بقيت محدودة في الواقع بحيث اقتصرت عملانياً على ثلاثة مواقف في لبنان غير المتحدث باسم بريطانيا. احدها لرئيس الحكومة المكلف سعد الحريري، نجل الرئيس رفيق الحريري الذي اصدر بياناً اعتبر فيه وقف المحاكمة في قضايا اغتيال جورج حاوي ومروان حماده والياس المر بأنه قرار محزن داعياً المجتمع الدولي الى تحمل مسؤوليته والوفاء بالتزاماته في هذه القضايا الانسانية للعدالة الدولية، وآخر لرئيس حكومة تصريف الاعمال حسان دياب الذي ليس من الواضح اذا كان يعبّر عن قرار رسمي او نتيجة اعتبارات اخرى. واجرى اجتماعاً افتراضياً برئاسة المحكمة القاضية إيفانا هردليشكوفا كما بعث برسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش داعياً لاستكشاف الوسائل البديلة لتمويل المحكمة معتبرا “إنّ مثّل هذا الأمر له تبعات خطيرة للغاية، ولن تقتصر تداعياته فقط على لبنان وضحايا الهجوم الهمجي والشائن على رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري وعوائلهم، ناهيك بالقضايا الأخرى التي تقع ضمن صلاحية المحكمة، بل أيضاً على قدرة المؤسسات القضائية الدولية في خدمة العدالة بشكل تام”.
اما الموقف الثالث فصدر عن اهلي ضحايا التفجيرات في اغتيال حاوي ومحاولتي اغتيال حماده والمر فنددوا بـ” نفض المجتمع الدولي يده من المحكمة، وسط عدم اكتراث الحكومة والقيادات السياسية اللبنانية”، معلنين اننا “طلبنا من الأمين العام للأمم المتحدة إعفاء لبنان من مساهمته بسبب الوضع الاقتصادي، وطالبناه باللجوء إلى تمويل حصة لبنان عبر سلفة تقررها الجمعية العمومية للأمم المتحدة، وكان قد تجاوب لطلبنا لكن السلفة التي أُقرت لم تكن كافية، كما أنه لم يتم إعفاء الدولة اللبنانية، والظاهر أن الدولة عاجزة دبلوماسياً عن حل هذه المعضلة، إضافةً إلى عدم اكتراثها بقضايا شهدائنا”.
وينبغي الاقرار بأن السلطة الحالية في لبنان لا تأبه بالمحكمة في ظل استمرارها في ” محاكمة ” مرحلة حكم الرئيس رفيق الحريري وتحميله مسؤولية ” الانهيار ” في البلد، ما خلق رأياً عاماً مناهضاً لاستمرار المحكمة علماً ان هذه الاخيرة لم تساعد كثيراً في الحكم الذي اصدرته في جريمة اغتيال الحريري، بحيث كان الحكم الذي اقتصر على متّهم وحيد وهو قيادي في “حزب الله” محبطاً جداً للبنانيين عموماً ولفريق كبير منهم عوّل على ” العدالة الدولية” من اجل وقف مسلسل اغتيالات مستمر منذ عقود في لبنان، انما من دون قدرة القضاء اللبناني او اتاحة السلطة السياسية على كشف الجناة وراء كل الاغتيالات التي حصلت.
وابتلعت عائلة الحريري ومعها جميع اللبنانيين مرارة حكم المحكمة والاحباط الذي اثاره حكمها بصعوبة على رغم ان حيثيات الحكم كانت تقود الى تجريم جماعات ودول لم يبرأها ولكنه لم يدنها كذلك.
وفي الاقتناع العميق لدى اللبنانيين ان وراء ذلك اعتبارات سياسية ودولية تماماً كما تم ابعاد اي تجريم للنظام السوري المسؤول عملانياً عن جريمة الاغتيال في نظر اللبنانيين في قرار اقرار المحكمة في مجلس الامن الدولي بالذات بدفع وفيتو من روسيا. ولذلك اعتبرت الاموال التي دفعت للمحكمة بمثابة هدر في مقابل حكم غير مكتمل العناصر وغير قابل للتنفيذ كذلك نظراً لحماية ” حزب الله” القيادي المتّهم وعجز الدولة اللبنانية عن تنفيذ الحكم او توقيف المتهم. ولذلك فإن الاحباط اكبر بحكم منتقص من محكمة دولية علّق اللبنانيون آمالهم على احقاق العدالة لهم، ولم يحصل ذلك اكثر من وقف تمويل المحكمة بحد ذاته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات