Search
728 x 90

واشنطن ولبنان: لا إنقاذ بل عدم انهيار

واشنطن ولبنان: لا إنقاذ بل عدم انهيار

ما الذي أثار حماسة واشنطن لتهتم بالملف الاقتصادي اللبناني بعد تحليلات كثيرة سابقة انتزعت لبنان من جدول اهتمامات الادارة الأميركية؟
فالولايات المتحدة اعلنت على الملء انها لن تلجأ الى مفاعيل “قانون قيصر” الذي يشمل بالعقوبات كل من يتعاون مع النظام السوري، وذلك من اجل تمرير الغاز والنفط المصري والأردني عبر الأراضي السورية الى لبنان. وهي استقبلت قائد الجيش العماد جوزيف عون، ولا تنبري تقدم المساعدات العينية للجيش اللبناني.
فهل واشنطن هبّت لانتشال لبنان من ضائقته المميتة، ام ان هناك حسابات أخرى؟
السفير اللبناني السابق في واشنطن د. رياض طبارة يقرأ هذا التحول الاميركي لموقع beirutinsights.

“مخطئ من يعتقد ان الولايات المتحدة الاميركية تركت او ستترك الشرق الأوسط، ومن ضمنه لبنان، لأنها لن تكرر خطأها مرتين”.
الكلام لسفير لبنان السابق في واشنطن الدكتور رياض طبارة الذي يؤكد لموقع beirutinsights ان كلاماً كثيراً غير مرتبط بأسباب واقعية قيل عن ادارة الرئيس الاميركي جو بايدن عن عدم ادراج الشرق الأوسط عموماً ولبنان خصوصاً من ضمن اولويات سياستها الخارجية، بحيث تكون الأفضلية للإهتمام بالملف الصيني وخطر توسعه في آسيا الشرقية.
صحيح ان واشنطن تتمنى الا يشكل الشرق الأوسط هاجساً بالنسبة اليها نظراً الى ان اهتمامها الأول اليوم يتجه الى الملف الصيني في آسيا الشرقية، الا ان المعطيات على الأرض مختلفة تماماً.
فبالنسبة الى الشرق الأوسط، يقول طبارة، تنتشر القواعد العسكرية الاميركية بالعشرات في البلاد العربية، وما من نيّة علنية او ضمنية للإنسحاب منها، اذ انها تؤمن سلامة منابع النفط الحيوية بالنسبة الى واشنطن، ناهيك عن انها تسمح لها بإبقاء الوضع تحت مرأى من سياستها المباشرة.
اما لبنان، فإنه على حدود مباشرة مع اسرائيل التي لن ترضى بأي انسحاب اميركي يتركها وحيدة ومن دون حماية في المنطقة. ويشكل استقراره عنصراً اساسياً بالنسبة الى الأمن القومي الأميركي، اذ ان زعزعة امنه ستعرض مصالح واشنطن وحلفائها في المنطقة للخطر. كما ان هذه الأخيرة غير مستعدة لتكرار تجربة العام 1982 حيث فقدت السيطرة كلياً على الوضع، مما ادى الى تكبدها خسائر فادحة. فالكل يتذكر تفجير مقري “المارينز” والقوات الفرنسية من القوى المتعددة الجنسيات في 23 تشرين الأول 1983، حيث خسرت اميركا 241 جندياً ، كما قتل 52 عسكرياً فرنسياً وستة مدنيين.


وهذا، يؤكد طبارة، ما لا تريد تكراره واشنطن التي تضع اسرائيل وامنها في سلم اولوياتها، بحيث ستعمل كل ما في وسعها لمنع اي حرب محتملة على تل ابيب. وهذا ما سيشكل احتمالاً قوياً اذا انهار لبنان كلياً، بحيث ان الانهيار الاقتصادي قد يؤدي الى انهيار امني سيشرّع الباب لكل الاحتمالات العسكرية.
وهنا يقول اكثر من محلل سياسي، ان الخطر يكمن في انزلاق الوضع الامني الى حرب اهلية شاملة قد تؤدي إلى فراغات أمنية قد تستغلها جهات متطرفة مثل داعش والجماعات الجهادية السنية الأخرى، ناهيك عن احتمال شن حزب الله الذي تتزايد قوته، عمليات عسكرية ضد اسرائيل لشد عصب بيئته فيما الانتخابات النيابية على الأبواب.
يضاف الى ذلك ان الفوضى اللبنانية ستمتد كبقعة الزيت انعداماً للإستقرار يشمل سوريا والعراق مع انعكاسات سلبية تطاول إسرائيل والأردن والخليج وتركيا.
وهذا بالضبط ما تعمل واشنطن على تفاديه، وفق السفير طبارة. فهي هرعت الى المساعدة عندما شعرت ان وضع لبنان بات على شفير الانهيار. فعملت على تسهيل مدّه بالغاز والنفط للحفاظ على حد ادنى من الاستقرار يحول دون الانهيار الشامل. كما سعت الى تنشيط المفاوضات مع صندوق النقد الدولي الذي يشكل المخرج الوحيد للوضع اللبناني في الوقت الحاضر.
فالولايات المتحدة يؤكد طبارة ليس لديها خطة او نيّه لإنقاذ لبنان وجعله مزدهراً… لا بل هي تعمل فقط على ضمان عدم انهياره.
من هنا، الاهتمام بتقديم المساعدات الى الجيش اللبناني الذي يشكل كفة الميزان الأخرى في وجه حزب الله، وفق اكثر من مصدر امني، بحيث انه سيكون الضامن لإستقرار البلد. ثم ان واشنطن لا تسعى ابداً الى تعويم المنظومة السياسية المسؤولة عن تسريع الانهيار بسبب عدم مسؤوليتها وانكبابها على كباشات سياسية شخصية سترتفع حدتها حتماً مع اقتراب موعد الانتخابات النيابية، لا بل هي عملت على تقديم المساعدات عبر المؤسسات غير الحكومية. وما رسالة الرئيس الاميركي جو بايدن الى رئيس الجمهورية العماد ميشال عون لمناسبة عيد الاستقلال سوى ابرز دليل على ذلك، اذ اكد “الوقوف الى جانب الشعب اللبناني، ولا سيما في الوقت الذي يواجه تحديات معاصرة”.
ثم يجب عدم اغفال ان مساحة لبنان تضم اكبر عدد من اللاجئين بالنسبة للفرد في العالم، بحيث ان اي زعزعة امنية جدّية ستؤدي الى موجة هجرة عارمة الى اوروبا، وليس فقط من السوريين، انما من اللبنانيين ايضاً ولا سيما “هجرة الأدمغة” التي تجرّد المجتمع اللبناني من سمة تنوعّه الفريدة. وما نسبة الهجرة الشبابية المرتفعة في السنة الأخيرة سوى مؤشر كبير على ما قد يحصل في حال تحوّل لبنان الى دولة مارقة.
اذاً، هل عادت واشنطن لتستلم زمام الأمور بعدما كانت فرنسا تولّت الأمر بعد انفجار مرفأ بيروت، وإن من دون نتيجة فعالة؟
يؤكد السفير طبارة ان باريس وواشنطن ليستا بعيدتين عن بعضهما حيال لبنان، وإن كانت اولويات كل منهما تختلف عن الأخرى. وهذا ما تظهّر في مفاوضات ترسيم الحدود البحرية مع اسرائيل حيث كان لأميركا موقف متمايز عن موقف الادارة الفرنسية.
الا ان اكثر من جهة سياسية تتمنى ان تملك واشنطن “الخطة ب” في حال فشل مخرج مفاوضات صندوق النقد الدولي. فتفعّل مجموعة “أصدقاء لبنان” (فرنسا وبريطانيا وألمانيا ودول الخليج العربي) لدفع الحكومة اللبنانية الى اعتماد الاصلاحات الضرورية الى جانب تنفيذ الشروط القاسية التي سيفرضها صندوق النقد.
هذا علماً ان اكثر من دراسة تؤكد ان الغرب لم يفهم ما فهمته ايران وحزب الله منذ زمن، اي ان المساعدة التقليدية عبر مساندة المعارضة والمجتمع المدني ومساعدة الجيش اللبناني، لا تأتي بالأهمية والنتيجة نفسها التي يشكلها الاهتمام المباشر بالشارع، عبر لعب دور “الدولة البديلة” أكان بتمويل البنى التحتية او فتح المستوصفات والمدارس وتأمين الخدمات والوظائف… وحتى الجمعيات الترفيهية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات