Search
728 x 90

“هيدا لبنان”

“هيدا لبنان”

أيعقل الا تضم اللغة العربية، او اي لغة أخرى، كلمة يمكنها ان توصّف الوضع السابق والراهن في لبنان او تختصره؟
أيعقل ألا تكون هناك عبارة تصف حياة اللبنانيين – أي حياتنا- في الفترة الأخيرة؟
أهو نضال للبقاء على قيد الحياة؟ أهو الاختباء في حال انكار جماعي حفاظاً على ما تبقى لنا من صحة عقلية؟ أهو انتفاء الأمل، والاقتناع بأن التمرد على الوضع القائم غير ذي جدوى في ظل مخالب زواج منظومة حاكمة ومافيا، يحكمان قبضتهما على العنق؟ أهو اللجوء الى القبول الطوعي بما نعيشه، أم الاستسلام الى شعور عدم الاكتراث للغد خوفاً من جروح جديدة فيما الندوب القديمة لم تشف بعد… لأن ما من بصيص نور في خيار آخر؟

قد تكون عبارة “هيدا لبنان” الوحيدة التي تختصر الدرك المتدني الذي وصل اليه لبنان. عبارة تختصر كل شيئ: من المنظومة السياسية الحاكمة، او التي تنتظر دورها لتحكم، وهي تتحكّم بالأعناق والحاضر والغد من دون ان يكون للناس أي رأي في رسم حاضرهم ومستقبلهم، اللهم الا اذا حملوا حقيبة ذكرياتهم الجميلة بيد وجواز السفر بأخرى.
منظومة غير آبهة بـ “بهدلة” المجتمع الدولي والعربي لها. لا “خجل ايمانويل ماكرون من حكام لبنان” أثّر في تصرفاتها، ولا تهديدات الاتحاد الاوروبي بالعقوبات، ولا تحذيرات واشنطن وعقوباتها، ولا تمنيات الدول العربية، ولا صلوات الفاتيكان.
لا اعلان الأمم المتحدة ان أكثر من نصف سكان لبنان يعيشون تحت خط الفقر، لا انقطاع حليب الأطفال، لا اختفاء الأدوية، لا افتقاد الفيول والمازوت، لا نقص في البنج والأدوية في المستشفيات… لا بل لا يزال التهريب ناشطاً على الحدود، وهو بات “جزءاً لا يتجزأ من عملية المقاومة”، كما افتى به الشيخ صادق النابلسي المقرب من “حزب الله”.
انها منظومة بنت شبكة خيوطها كالعنكبوت. اينما كان وبإحكام. لا يمكن اختراقها. فإما تكون منها وإما تشكل “العدو” بالنسبة اليها. ما من مخطئ فيها، ما من مسؤول يتحمل مسؤولية نكبة، ما من مرجعية رسمية تعترف بـ “دعسة ناقصة”. كلهم ابرياء، كلهم غير مسؤولين، كلهم بلا صلاحيات متى وصلت مرحلة المحاسبة، كلهم عرفوا بـ “نيترات الامونيوم” الذي فجّر قلب بيروت وسكانها الأبرياء… لكن: أرسلنا كتب مراجعة، حذّرنا، لفتنا نظر، كشفنا – يقولون من دون ان يرف لهم جفن – … لكن ما من أحد منهم تابع كتاب مراجعة او رسالة او تحذيراً لأنهم يدركون تماماً انهم سيفلتون من العقاب على قاعدة ما سبق واعلنه الإتحاد الأوروبي “ان لبنان بلد معروف بثقافة الإفلات من العقاب”.
فهنا، لا فصل للسلطات كما يقضي به الدستور، بل قضاة ومحققون عدليون ونواب عام تمييزيون محسبون على هذا الفريق او ذاك.
لكلّ من المسؤولين الطائفيين قضاته ورؤساء اسلاكه العسكرية والمدنية ووزارؤه ومدراؤه العامون وفق تراتبية الأهمية.
فمَن يحاكم مَن؟ وأي “ولي نعمة” سينال عقابه”؟
كلهم عرفوا، نعم.
كلهم تنصلوا من المسؤولية، نعم.
كلهم تحصنوا بحصاناتهم التي يجب ان تسقط حتماً امام ما يشكل “خيانة للوطن”.
قد يكونون “أسفوا” لسقوط 218 ضحية بريئة، ولتهدّم القسم الأكبر من العاصمة، نعم… لكنهم غير مستعدين لدفع “ثمن” تغاضيهم”، إن لم يكن تورطهم، في ما حصل رغم تصريحاتهم وتغريداتهم التي “تفطر القلب”.
ثم هناك دائماً “المهم والأهم”. المهم ليس الحفاظ على شعب فقد كل أمل بالعيش في دولة تحترمه كإنسان، وتحترم سعيه المحق بالعيش في كرامة.
فالأهم اليوم الحفاظ على “حقوق المسيحيين”، وارساء عرف في إسناد وزارة المال لشيعة حركة “أمل”، والصحة لشيعة “حزب الله”، والداخلية للسنّة، والعدل للموارنة، وغيرها وغيرها. المهم تأمين الأكثرية النيابية في الانتخابات المقبلة، ورفع حظوظ فلتان وعلتان للإنتخابات الرئاسية في ما بعدها. فالمنطقة مقبلة على تغييرات جذرية، ولبنان على تنقيب للغاز ان صحت توقعاته، ويجب ان يحفظ كل منهم كرسيه في هذه المرحلة.
ما همّ إن تحقق ذلك على أشلاء ضحايا أقوى انفجار غير نووي في التاريخ، وفي ظل اعلى نسبة هجرة يسجلها تاريخ لبنان القديم والحديث، وفي حضور آلاف الأطفال الذين يتضورون جوعاً ومرضاً وعوزاً.
المهم ان التاريخ لن يسجل ان المسيحيين خسروا هذه الصلاحية، او ان السّنة اكتسبوها، او ان الشيعة حصلوا عليها.
فالوقت هنا، ترف يملكه كل مسؤولي الدولة.
والشعب هنا اعتاد على تلقي الضربات من دون ردة فعل جذرية. ألم تنقله الحروب السابقة من ضفة الى أخرى من دون اي سؤال؟ ألم تجعل حليف الأمس عدوّ اليوم من دون اي تساؤل؟
هو استسهل الرضوخ فيما يعتبر نفسه الأكثر ذكاء وثقافة وعلماً ودراية وطموحاً وتدبيراً، لكنه اختار تصديق أسطورة هرباً من واقع يقتله في أبسط حقوقه المفقودة. انه يتغنى بأنه ينبعث من الرماد مثل طائر الفينيق.
يثور صحيح. يتعاضد للملمة جراحه، يبكي كالطفل الصغير امام رؤية الأشلاء والدماء والعاهات. المسيحي يعانق المسلم، والأرثوذكسي الدرزي… لكن “القوتجي” يضرب الشيوعي، والشيوعي يعتدي على “القوتجي”، وعنصر “امل” يلاحق الكتائبي، وابن “حزب الله” يطلق النار على ابن “عرب خلدة” الذي سبق وبادله بالمثل، والاشتراكي يكمن للشيعي والعكس صحيح للجميع.
في لحظة واحدة، ينقلب مشهد “المأساة تجمعنا” الى حرب سنية- شيعية، او شيعية- مسيحية، او درزية- سنية تحصد “ضحية” من هنا، و”شهيداً” من هناك… وفق الجهة التي يقف فيها كل فريق.
“لبنان الرسالة” و”لبنان التعايش”، كذبة كبيرة هدفها بعث الأمل في جسم مات من زمان. فهل طائر الفينيق يعيد الكسندرا الصغيرة، ابنة السنوات الثلاث، وهل يبعث الحياة في سحر لتتمم زفافها، وهل هو يستعيد غمرة ابن، ورائحة والد، وقبلة حبيب… هل يعيد عقارب الساعة الى الوراء جزءاً واحداً من الثانية في السادسة وسبع دقائق من ذلك الرابع من آب كي تبقى كذبة “لبنان الجميل” في الأذهان؟
انه – اننا- شعب يسهر حتى ساعات الفجر كي ينسى ظلمة النهارات التي تليه. يرقص حتى الثمالة لينسى النعوش التي رقصّها على الأكتاف قبل ساعات. يصدّق ان “لبنان رسالة التعايش بين طوائفه الـ 18” ويستميت للدفاع عن زعيم الطائفة مهما فعل او قال.
وهو ايضاً شعب يطلق النار فرحاً وحزناً ونجاحاً في “السرتيفيكا”… واحتجاجاً ايضاً على سقوط طفلة برصاصة طائشة فيما كانت تلعب في حديقة منزلها.
شعب يقف في الطوابير امام محطات الوقود والأفران والصيدليات ويستقدم “زفّة” متى حصل على 10 ليتر بنزين او ربطة خبز او علبة “بنادول”. يستنبط النكتة على تعاسته بسرعة البرق ربما لأنه يشاطر المهاتما غاندي قوله ” لو لم يكن لدي أي حس فكاهة، لكنت قد انتحرت منذ فترة طويلة”… او ربما لأنه يحقق قول ابن خلدون في مقدمته: “إذا رأيت الناس تكثر الكلام المضحك وقت الكوارث فاعلم أن الفقر قد أقبع عليهم وهم قوم بهم غفلة واستعباد ومهانة كمن يساق للموت وهو مخمور”.
هذا الشعب تثور غالبيته وتنتفض وتحاسب وتتضامن وتقاضي … على وسائل التواصل الاجتماعي فقط. تنادي بالتجرد و”العفة” وتدين الفساد والفاسدين لكنها تدفع رشوة من الف دولار للتهرب من دفع ضرائب مستحقة بالآلاف. تقف في الصف وتتبع القانون بحذافيره في بلاد الاغتراب… لكنها تعتبر التحايل على النظام في لبنان “شطارة” و”القوطبة” على القانون حسن تدبير وذكاء.
شعب يموت الف ميتة في اليوم لكنه سيختار الزعيم والنائب نفسه، والقلّة القليلة القليلة منه، إما تحجم عن الاقتراع، وإما تختار من لا يشبه “الزعيم التقليدي”.
فـ “هيدا لبنان”، و”هيدا كان سويسرا الشرق”…. الذي تحول اليوم “جهنماً” على الأرض.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات