Search
728 x 90

هل ترغب القوى السياسية في الاصلاح فعلاً؟

هل ترغب القوى السياسية في الاصلاح فعلاً؟

حين تحدث رئيس الوزراء اللبناني نجيب ميقاتي في 22 شباط الماضي عن خطة التعافي المرتقب ان تطرحها حكومته كبرنامج سيصار الى الاتفاق حوله من اجل تأمين امداد لبنان من الصندوق بـ 3 مليارات دولار على مدى اربع سنوات، لم يكن يتوقع ان يكون اقرارها سهلا وقال آنذاك ” انها عملية كاميكاز نقوم بها اي انها عملية انتحارية .”

 وقد قاربت حكومته هذا الواقع نتيجة التزامات قطعها هو مع كل من رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري على قاعدة التعهد لصندوق النقد الدولي الذي ابرم مع لبنان اتفاقاً مبدئياً حصل نتيجة ضغوط متعددة .

هذه الضغوط حصلت على صندوق النقد بالذات من اجل اعطاء زخم للبنان الرسمي ومده بصلة وصل او ربط نزاع بين مرحلة ما قبل الانتخابات النيابية وما بعدها وذلك نظراً الى مخاوف كبيرة من ان استحالة الانتخابات النيابية عن احداث اي تغيير في السلطة السياسية تبعا ًلقانون انتخابي مفصل على قياسها، قد يدفع المزيد من دول الخارج كما من اللبنانيين الى اليأس. ومحصلة ذلك احتمال تسارع البلد الى انهيار بدأ الخارج يتعارف على تسميته بالانهيار الكبير، وهو امر لا يريده ولا سيما انه لا يرغب بتحمل تبعاته الاقتصادية وربما الامنية ما يهدد استقرار لبنان والمنطقة.

الضغوط حصلت ايضاً على اركان السلطة في لبنان على قاعدة ان الاتفاق مع الصندوق كان المفتاح الذي ساهم في اعادة سفراء دول الخارج الى لبنان بعد مرحلة انقطاع كدليل على اصرار اهل السلطة على اصلاح العلاقات مع الدول العربية وعلى المضي بالاصلاح كذلك . ولكن الخطة التي تم تسريبها الى الاعلام ربطا بحماسة الحكومة لاقرار قانون الكابيتال كونترول في مجلس النواب قبل موعد الانتخابات وكدليل حسن نية على التزام الحكومة اللبنانية تعهداتها بدت كارثية بكل المعاني وارتدت على الحكومة وعلى رئيسها فيما انها قدمت خدمة جلى لعدد من الكتل النيابية والنواب لخوض معركتهم الانتخابية على حساب رفض مضمونها .
اكثر ما اثار الضجة في خطة التعافي وسرق الاضواء من بنودها الكثيرة كان اقتراحها شطب ما يوازي 60 مليار دولار من التزامات البنك المركزي إزاء البنوك التجارية، ومن ثم المساهمة بإعادة الرسملة جزئياً عبر إصدار سندات سيادية بقيمة مليارين ونصف مليار دولار قابلة للزيادة لاحقاً، على أن يجري تذويب الرصيد الباقي للخسائر خلال فترة 5 سنوات. هذا يعني عملانيا شطب ودائع المودعين وتحميلهم الخسارة من باب اعادة هيكلة النظام المصرفي كاحد ابرز البنود المطلوبة من صندوق النقد . فالامران اللافتان ان لا مسؤولية للدولة في تحمل الخسارة المالية انطلاقاً من ان الصندوق لا يحمّل الدولة هذه المسؤولية علما ان المصرف المركزي كان يقدم الديون للدولة التي كانت تستنزف الاموال من دون اي حذر . وهذا ما يشكل احدى ابرز الثغر في ظل غياب المساءلة والمحاسبة للسلطة السياسية التي ستكون معفاة تبعا لذلك من مسؤولية الهدر والفساد والانفاق غير المجدي .

والامر الاخر هو تحميل القطاع المصرفي العبء الضخم مع المودعين على خلفية إعادة رسملة البنوك التجارية القابلة للاستمرار وحل المتعثرة منها، بهدف إيجاد نظام مصرفي يتوافق مع اقتصاد قوي ويدعم تعافيه. وتقترح الخطة ان يصل خط حماية صغار المودعين كما يطالب صندوق النقد إلى 100 ألف دولار بالحد الأعلى. مع اشتراط ألا تشمل هذه الحماية أي زيادة طرأت على حساب المودع بعد تاريخ 31 آذار من العام الحالي. بينما ستكون الشرائح التي تتعدى خط الحماية خاضعة لسقوف السيولة بحيث يمكن السداد بالدولار والليرة أو كليهما وفق سعر السوق.
وتتضمن المرحلة المكملة من إعادة رسملة البنوك ضمناً شرائح الودائع التي تتخطى سقف الحماية، بحيث يتم تحويلها إلى حصص ملكية أو حذف جزء منها، وتحويل جزء من الودائع المحررة بالعملات الأجنبية إلى الليرة، إنما بأسعار صرف ليست تبعاً لسعر سوق القطع، ما يعني تلقائياً تطبيق نسبة اقتطاع في عمليات التصريف من الدولار إلى الليرة.
وبهدف تحديد حجم متطلبات الرسملة تكون الحكومة قد شرعت في تقييم الخسائر وبنية الودائع عن طريق لجنة الرقابة على المصارف لكل بنك على حدة من مجموع أكبر 14 مصرفاً تحوز 83 في المائة من إجمالي أصول القطاع، على أن يتم استخلاص النتائج بنهاية شهر أيلول المقبل.
وسوف يتم الطلب من المساهمين السابقين أو الجدد أو كليهما الالتزام بضخ رأس مال جديد في البنوك التي سيتم تصنيفها «قابلة للاستمرار» بناءً على التحليل الرقابي لخطط العمل، فيما يجري حل البنوك غير القابلة للاستمرار عن طريق الإجراءات الفورية التي سوف تطبق بمقتضى القانون الطارئ لإعادة هيكلة البنوك.
وقد سارع القطاع المصرفي الى رفض الخطة مهددا باجراءات قضائية في حق الدولة اللبنانية والمصرف المركزي فيما ان هذه الخطة بدت مهددة بقوة على خلفية فقدان دعم الرأي العام لها وكذلك القطاع المصرفي والنقابات في حين ان وحدة الموقف هي ابرز الشروط من صندوق النقد . وبدا غريباً ان تعتمد حكومة ميقاتي خطة بدت ضعيفة جدا ومربكة ازاء الخطة المماثلة التي اعتمدتها الحكومة السابقة برئاسة حسان دياب فيما ان الاخيرة اعلنت خط حماية لودائع الناس عند حدود 500 الف دولار وطالبت بإنشاء صندوق تتحمل الدولة بموجبه المسؤولية حيث توظف موجوداتها لمصلحة اعادة ودائع المودعين وتعزيز خزينتها ولم تتحدث اطلاقا بهذه الفجاجة عن شطب او هيركات لودائع الناس.

وهو امر مستهجن ولم يحصل في اي بلد في العالم لا سيما ان لبنان يملك قدرات من بينها على الاقل ترسيم الحدود البحرية مع اسرائيل والتنقيب عن الغاز والذي يمكن ان يدر اموالا طائلة يمكن ان تنهض الدولة من خلاله ولكن ايضا اعادة اموال المودعين ولو بعد حين . فهذا ما يأخذه الرأي العام على الرئيس ميقاتي انطلاقا من انه في الامكان وضع خطة بعيدة المدى لاعادة الاموال ان لم يكن لاصحاب الودائع مباشرة فلاولادهم ربما ولو انها ستخسر قيمتها ، باعتبار انها حق يدفعه الناس لثقتهم بالدولة وحمايتها لهم ولمصالحهم من حيث المبدأ. وذلك فيما انه يتنصل من ذلك .
ويخشى ان تكون نكسة الحكومة قاتلة من حيث ان فشلها في اقرار اي بنود يطلبها الصندوق قبل الانتخابات سيرحل القدرة على وضعها موضع التنفيذ قبل انتخاب رئيس جديد للجمهورية وتأليف حكومة جديدة اذ ان هذه النقطة الاخيرة شبه مستحيلة قبل موعد انتخاب رئيس جديد في نهاية تشرين الاول المقبل. مما يترك لبنان في مرحلة فراغ في وقت تضاءلت احتياطات المصرف المركزي وذلك في حال التسليم جدلا بأن هناك نية سليمة في القيام باصلاحات تلبي طلبات صندوق النقد وشروط المجتمع الدولي لمساعدة لبنان مجددا. وهذا ما يشكك به اللبنانيون في شكل خاص على قاعدة ان الزبائنية والطائفية وتمتع الاحزاب بالسلطة في غياب الدولة قد يعمق ازمة لبنان الاقتصادية والمالية فيما ان الاندفاع الاعلامي والسياسي للموافقة على الاصلاحات ليس اكثر من تبرئة ذمة ورمي الكرة من جانب كل طرف في ملعب الاخرين .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات