Search
728 x 90

هل انتهت مرحلة الانهيار في لبنان؟

هل انتهت مرحلة الانهيار في لبنان؟

يقارب اللبنانيون من الاقتصاديين والسياسيين على حد سواء بحذر شديد قدرة الحكومة الجديدة برئاسة نجيب ميقاتي على قيادة مرحلة تغيير الاوضاع في لبنان . اذ انه وعلى رغم المطالبات المصرة على تأليف الحكومة لما يزيد على السنة والاقرار بأن وجودها ضروري وملح فإن مقاربة المهام الملقاة على عاتقها امر مختلف كلياً.

ولا اوهام ازاء مسارعة ميقاتي الى زيارة فرنسا واستقباله من الرئيس ايمانويل ماكرون كخطوة اولى يدشن بها مرحلة اعادة لبنان الى سابق عهده. اذ ان زيارة فرنسا والتي استبق بها ميقاتي حتى اولى جلسات الحكومة تتصل بحاجته هو الى اعطاء هذا الفضل لفرنسا والتغطي بغطائها تفادياً للاستمرار في تمادي الغطاء الايراني الموغل في الانخراط في لبنان في موازاة الافراج عن الحكومة التي افرج عنها باتصال هاتفي بين الرئيس الفرنسي ونظيره الايراني. اذ تحدى “حزب الله” هيبة الحكومة وسيادة الدولة اللبنانية باستقدام سفن ايرانية حملت نفطاً اليه عبر سوريا ومررها الى لبنان عبر معابر غير شرعية يستخدمها هو بين البلدين متجاوزاً مؤسسات الدولة من الجمارك ودفع الضريبة المتوجبة على استيراده للنفط الى الرقابة على مواصفات المحروقات التي اتى بها.

وهذا الامر كان بالغ الاحراج لنجيب ميقاتي الى جانب السجال بينه وبين الخارجية الايرانية التي اعلنت ان تصدير النفط تم بناء لطلب السلطات الللبنانية ورد عليها رئيس الحكومة بنفي ذلك تجنباً لعقوبات اميركية على لبنان.

والتغطي بالغطاء الفرنسي يساهم في ابعاد هذا الانطباع ويؤدي الى خلق انطباع آخر لا ينفر انفتاحه على الدول العربية باعتباره يرهن امكان نهوض لبنان بمساعدة الدول الخليجية التي تقاطع الاخير بسبب خضوعه لسيطرة ” حزب الله”. فهذه الدول في حال شاءت اعادة الانفتاح فإنها لن تستطيع ذلك في ظل ما اصطبغت به الحكومة حتى الان على هذا الصعيد.

الا ان توقيت الزيارة الذي اتى في عز الغضب الفرنسي مما اعتبرته طعنة في الظهر من الولايات المتحدة وبريطانيا واستراليا في صفقة الغواصات التي تراجعت فيها هذه الاخيرة عن صفقة القرن مع باريس الموقعة العام 2016 من اجل تزويدها بغواصات متطورة ، من شأنه ان يشكل ترضية ما للرئيس الفرنسي من اجل اظهار نجاحه في تأليف حكومة في لبنان.

فالرجل الذي يخوض راهنا حملات انتخابية من اجل اعادة انتخابه في الربيع المقبل اصيب بانتكاسة كبيرة على خلفية الصفعة التي وُجّهت لفرنسا فيما ان الضجة السياسية التي اثارتها، لم تكن لتقود الى اجراءات متاحة امامها مما يحرجها ويصيب هيبتها الخارجية في العمق. وتغطي ميقاتي بالغطاء الفرنسي ايضاً يسعى من خلاله الى طمأنة اللبنانيين ان الحكومة مدعومة من الخارج وهي ستلقى المزيد من الدعم العملاني متى بدأت تنفيذ المهام الملقاة على عاتقها، مما يفترض ان يسهل الافرقاء السياسيون ذلك من اجل الحصول على الدعم .
ولكن ومع ما خبره الرأي العام اللبناني من تجربة خلال العامين المنصرمين من عجز خارجي عن تأمين تأليف الحكومة لا بل نجاح الافرقاء السياسيين في فرض اجندتهم التي خلصت الى حكومة لا تتمتع بالمواصفات المطلوبة من الخارج لجهة ابعاد الافرقاء السياسيين عن توزع الحصص فيها في ما بينهم، فإن الثقة بهذه الخطوات ليست سهلة ولا بان هؤلاء الافرقاء المقبلين مبدئياً على خوض الانتخابات النيابية في اذار المقبل سيتساهلون في شروط انقاذه وليس انقاذ انفسهم فحسب. اذ ان هؤلاء امام تحدي اعادة تعويم انفسهم واعادة تثبيت امساكهم بالبلد وبحصصهم بحيث انه تم التسليم بحكومة ميقاتي من اجل فرملة الانهيار المتمادي الذي غدا يهدد استمراريتهم في حد ذاتها.

ومن هنا فإن توافقهم على الحكومة يتركز على حل بعض اوجه الازمة معيشياً واجتماعياً كتأمين المحروقات والدواء والخبز من خلال تنظيمها ولو اتت على حساب المواطنين كلفة في الدرجة الاولى. وهذا غدا جلّ ما يطمح اليه الناس بعدما تضاءل طموحهم الى الحصول على المحروقات لسياراتهم من دون اذلال الطوابير او الحصول على الدواء في احسن الاحوال. وتنظيم ذلك سيتيح الذهاب الى الانتخابات بالحد المقبول من الاستقرار الداخلي بالنسبة الى الافرقاء السياسيين فيما ان التفاوض مع صندوق النقد من اجل بدء لبنان خطة التعافي باعتبار هذا التفاوض هو الشرط الضروري لبعض الاصلاح المطلوب وتالياً لا مكان المساعدة من الخارج فهو امر محفوف بالصعوبات والعقبات.

وقد تبدأ به الحكومة ولكن موعد الانتخابات سيداهمها فيما ان المرحلة المقبلة المتعلقة بها هي في كباش حقيقي بين الافرقاء السياسيين الذين قادوا الى انهيار البلد لا بل دفعوا اليه دفاعاً عن مواقعهم وبين اللبنانيين ومعهم دول عدة في الخارج من اجل احداث تغيير نوعي في طبيعة الطبقة السياسية واركانها. وقياساً الى تجربة تأليف الحكومة فإنه يصعب القول جداً بإمكان فوز الخارج ومعهم اللبنانيين الراغبين في التغيير.

وباشر “حزب الله” رفع الصوت صراحة على هذا الصعيد مستهلاً الحملات الانتخابية. فقال رئيس كتلته محمد رعد ” يتوهمون بأنهم يستطيعون أن يغيّروا المسار السياسي في هذا البلد ويأخذوه الى حيث أخذوا بعض دول الخليج لمصالحة العدو الاسرائيلي وتطبيع العلاقات معه. سنواجه هذا الاستحقاق بكل ما يتاح لنا قانوناً وسنخوض هذه المعارك الانتخابية وثقتنا كبيرة بشعبنا وبوعي أبناء البيئة المقاومة “.
انها مرحلة هدنة قياساً الى تجربة الحرب الاهلية التي عرفها لبنان والموكلة بها هذه الحكومة في الواقع لأن الخارج كله سينتظر ما ستسفر عنه الانتخابات النيابية ومن ثم الانتخابات الرئاسية فيما ان الحكومة التي يفترض استقالتها بعد الانتخابات النيابية يرجح ان تبقى في المدة الفاصلة عن انتخابات الرئاسة في الخريف المقبل نظراً لصعوبة تأليف الحكومات في لبنان. وهذه المدة الفاصلة التي تمتد على بضعة اشهر ستمدد الهدنة فيما ان مهلة السنة ستكون فرصة ايضاً لبلورة الوضع الاقليمي وتداعياته على لبنان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات