Search
728 x 90

ميركل غيّرت المانيا .. و”اوكوس” تغيّر العالم !

ميركل غيّرت المانيا .. و”اوكوس” تغيّر العالم !

حدثان اساسيان اخذا الاضواء العالمية في الايام العشرة الاخيرة بحيث ان افتتاح اعمال الجمعية العمومية للامم المتحدة هذه السنة بمشاركة حضورية لزعماء كثر من انحاء العالم بعدما كانت جائحة كورونا عطلت اعمال الجمعية العام الماضي، وبخطب تحمل ابعاداً سياسية واستراتيجية عدة كما كان خطاب الرئيس الاميركي جو بايدن، لم يستطع حجب اي منهما.

فالحدث الاول تمثل في انفجار ازمة ديبلوماسية بين الولايات المتحدة وفرنسا على خلفية نقض اوستراليا صفقة تاريخية لشراء 12 غواصة متطورة من فرنسا وعقد اتفاق على شراء 9 غواصات بدفع نووي من اميركا من ضمن اعلان شراكة تشكل بريطانيا ايضاً احد اطرافه.

والحدث الثاني تمثّل في الانتخابات الالمانية التي كان عنوانها في الواقع مغادرة المستشارة الالمانية انجيلا ميركل منصبها بعد 16 عاما في قيادة المانيا على نحو يثير المخاوف مما سيأتي بعدها. غيّرت تلك المرأة التاريخية العملية غير المصطنعة في اطلالاتها المانيا . فأعطت معنى مختلفاً لمفهوم حديث لقيادة المرأة دولة عظمى كإلمانيا وتميّزت ليس فقط بإرساء الاستقرار وتأمين الازدهار الاقتصادي في المانيا بل ايضاً في قيادة اتجاهات الاتحاد الاوروبي بحكمة وبعيداً من الصدامات ولا سيما في ظل رؤساء من الذكور يسعون الى الظهور الى العالم بهذه الخلفية ليس الا. فميركل رافقت بحكمة ودور حاسم انقاذ منطقة اليورو وادارات مع فرنسا مرحلة انفصال بريطانيا عن الاتحاد الاوروبي بأقل الخسائر لدول الاتحاد الاوروبي كما ابحرت في علاقات صعبة مع الولايات المتحدة في زمن التقلب بين الادارتين الديموقراطية والجمهورية والانسحاب الاميركي اخيراً من افغانستان.

كما انها وفي كسرها للنمطية التي كانت تطبع السياسة الالمانية ساهمت في تجاوز ازمتين كبيرتين احداهما هي الازمة المالية العالمية وازمة الديون في منطقة اليورو في 2008 و2009 وكان دورها حاسماً في انقاذ اليونان من ازمة انهيارها المالي الكارثي حماية منها لاوروبا في حال انهيار اليونان. ولكنها فتحت حواراً مع كل من الولايات المتحدة كما مع روسيا والصين من خلال تمسكها بالتحالف العابر للاطلسي وتبعاً للمصالح المشتركة من دون التخلي عن الثوابت الديموقراطية والحوارية.

ومغادرة ميركل قد تكون من اكثر الاحداث التي تثير الاعلام العالمي كما ردود الفعل المثمنة لمرحلة قيادتها المانيا فيما هي تغادر منصبها بملء ارادتها علماً ان لا مهلة محددة لبقاء المستشار الالماني في منصبه. ولكن خطوة تخلّيها عن منصبها وهي نادرة في معجم الديموقراطيات حتى، كما حصل مع الرئيس الاميركي السابق دونالد ترامب الذي رفض الاعتراف بنتائج الانتخابات الرئاسية التي اوصلت خصمه جو بايدن ، تشكل مفارقة مهمة في حد ذاتها، وكذلك الامر بالنسبة الى الوجه الانساني الذي اسبغته ليس على المانيا وحدها بل على اوروبا في عملية استقبال كم هائل من اللاجئين في المانيا، ما ادى الى ردود فعل سلبية في الداخل ازائها كانت لا تزال تجرجر حتى الامس في مسارها السياسي نتيجة انتقادات حادة لتساهلها على هذا الصعيد.

ولم تشفع براغماتيتها ومساهمتها على نحو حاسم في استقرار المانيا وازدهارها الاقتصادي دون تصاعد هذه الانتقادات علماً ان المخاوف من البديل منها يترجم ضمناً مدى الخسارة التي يستشعرها كثر بمغادرتها. وليس ادل على ذلك من حجم ردود الفعل الدولية التي قلما كرّمت رئيساً او زعيماً مغادراً على هذا النحو ولا سيما انها تغادر منصبها وهي في كامل طاقتها وعطائها. يضاف الى ذلك ان حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الذي عرف عصره الذهبي مع ميركل يخشى ان تخبو الثقة به بعد مغادرتها ولا سيما لجهة ما ضخّته في الشرايين السياسية والاقتصادية في المانيا، اذ اظهرت استطلاعات الرأي أن نسبة كبيرة من الالمان يعتريهم الخوف على مستقبل البلاد من بعدها.
الحدث الآخر تمثل في انفجار خلاف علني بين الحليفين الاميركي والفرنسي على خلفية اتفاق جديد عقدته واشنطن مع استراليا من اجل تزويدها بغواصات تعمل بالطاقة النووية وتراجع العاصمة الاسترالية عن صفقة مع فرنسا للحصول على 12 غواصة متطورة بقيمة تزيد على 55 مليار دولار. الامر الذي شكل نكسة كبيرة لفرنسا وللرئيس ايمانويل ماكرون ولا سيما في عزّ خوضه حملات انتخابية لإعادة انتخابه في الربيع المقبل، ما ساهم في تفجير غضب فرنسي تميّز بحدة الكلام واتهامات بالخيانة والطعن بالظهر من الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا الشريكة ايضاً في الصفقة الجديدة باسم “اوكوس”.

ولكن ما لبثت هذه الحدّة ان تراجعت مع الولايات المتحدة بعد اتصال هاتفي بين ماكرون ونظيره الاميركي فيما ان هذه الضجة حجبت الى حد ما الاتفاق الجديد الذي يتضمن في الواقع اتفاقية امنية بين اميركا وبريطانيا واستراليا ينظر اليها في ضوء منح الولايات المتحدة وبريطانيا لاول مرة استراليا التكنولوجيا الضرورية من خلال غواصات تعمل بالطاقة النووية بأنها مسعى اميركي متقدم من اجل مواجهة النفوذ الصيني في بحر الصين الجنوبي الذي يُعدّ بؤرة ساخنة للتوترات على مدار سنوات.

وقد نددت الصين بهذه الاتفاقية فيما اعتبرت ان التحالف ” يُخاطر بإلحاق أضرار جسيمة بالسلام الإقليمي … وتكثيف سباق التسلح” كما انها “حرب باردة جديدة” حاول بايدن التخفيف من وقعها كعبارة وكفعل من منصة الجمعية العومية للامم المتحدة. الاتفاقية من حيث توقيتها واهميتها نقلت الانظار العالمية سريعاً من الانسحاب الاميركي الفوضوي من افغانستان والذي استدرج انتقادات كبيرة لادارة بايدن في داخل اميركا وعلى المستوى الدولي الى مسرح صراع مستقبلي آخر.

فأميركا المنسحبة من حروب كانت تشارك فيها بقواتها على نحو مباشر تتحضر منذ زمن الرئيس الاميركي السابق دونالد ترامب الى مواجهة توسع النفوذ الصيني اقتصادياً على مستوى العالم فترجمت الاتفاقية مع استراليا وبريطانيا جزءاً منها وكذلك بالنسبة الى ترؤس بايدن اجتماعاً رباعياً للحوار الامني في منطقة المحيطي الهندي والهادىء يضم اليها اليابان والهند واستراليا في اطار الالتفاف او تطويق الصين ايضاً. وهي مرحلة جديدة لا تدخلها الولايات المتحدة وحدها بل تدخل العالم معها مع التداعيات المتعددة لذلك في مناطق اخرى بعيدة حتى من الصين كما من الولايات المتحدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات