Search
728 x 90

من أوكرانيا إلى لبنان الهويّات الوطنيّة ومناعتها!

من أوكرانيا إلى لبنان الهويّات الوطنيّة ومناعتها!

الإعتداء البوتينيّ على أوكرانيا لن يكونَ عابراً في مسار النظام العالميّ. لا يمكن شَمل روسيا في كلُّيتها بهذه المغامرة الكارثيّة.

زياد الصّائغ

خبير في السياسات العامة

ثمّة من نقاشٍ عميقٍ في الاستبلشمنت الرّوسي السياسيّ، والثقافيّ، والدّينيّ، والاقتصاديّ، والديبلوماسي، وحتى العسكريّ، والحديث عن غير ذاك الاستبلشمنت المؤدلج، ثمّة من نقاشِ عميقٍ يتفاقم حول كلفة هذه المغامرة الكارثيّة على الهويّة الروسيّة، وتحديداً في علاقتها مع الانتظام القانونيّ الدَّوليّ، خصوصاً وأنَّ روسيا لطالما عيَّرت الولايات الأميركيّة وحلفاءها، بخرقهم هذا الانتظام. من هنا لا تعود المسألة في تعادل الخَرقَين، بل في منظومة المُخرجات المتوقَّعة من كلٍّ منهما، فهَل هُما يتماثلان في خيار إلغاء الهويّات الوطنيّة، واستباحة السيادة، أم إنَّ البَون هائلٌ بين مَن افتكر بتسييد نمطٍ غربيّ من الديموقراطيّة، وكان هذا الافتكار على كثيرٍ من التبسيط والخلل، وكلَّف دماراً هائلاً من ناحية، وبين من يحمِل في جيناته خيار الأرض المحروقة والقبضات الحديديّة من ناحيةٍ أُخرى. من هنا ليس الاعتداء البوتينيّ تفصيلاً، بل هو فرضَ إيقاع تحوّلاتٍ جيو-سياسيّة لها علاقة بمفاهيم الهويّة والسيادة والمناعة الوطنيّة.

في كلِّ هذا يتوفّر للبنان سانِحة تاريخيّة، إذ في حين يطمح المنضوون في ألويةِ التهليل لتفتيت الهويّات الوطنيّة، واستباحة السّيادات، إلى استتباب ميزان قِوى طابشٍ لناحية البوتينيّة وحلفائها، من الواضح أنَّ البحث الدائر في كواليس القِوى المؤثِّرة في صناعة القرار في العالم الغربيّ، بات أدنى قاب قوسين من إنهاء مفهومَين مؤسِّسَين في علم التسوية السياسيّة، واقتسام مواقع النفوذ العالميّ، تفوَّقا على مدى عقودٍ منذ انتهاء الحرب الكونيّة الثانية، وهما “التّأقلم” و”التّطبيع” مع آلة الاستبداد والتطرّف، وبالتالي فإنَّ الاعتداء البوتينيّ سيُحَتِّم تغييراً داخل روسيا على المدى الطويل حتماً، خصوصاً وأنّه حتى على المستوى العسكريّ، من الواضح أنَّ حلف شمال الأطلسي، وبتدعيمه قوّاته في شرق أوروبا وشمالها أمسى في حُكم المستعِد للهجوم، أكثر منه الاستمرار في خطّ الدفاع. الحربُ قذِرة. ضحاياها الكرامة، الإنسانيّة، والسلام المجتمعيّ، والعدالة. الحرب قذِرة، وهي فِعل تلاقٍ بين الاستبداد والتطرّف، والرَعونة والخُبث. ولكلّ هذا للبنان اليوم سانِحة هو الذي اختبرَ قذارة الحرب وإجرامها وتداعياتها. كذلك خَبِر مرارة التسوية مع فِعليّ “التّأقلم” و”التّطبيع”. وبالتّالي فإنّ سقوط التسوية مع هذين الفِعلَين مؤدّاهما افتتاح خيار بناء مناعةٍ لبنانيّة وطنيّة تقي شعبه الاستدراجات الانتحاريّة للارتهان لخياراتٍ من وراء الحدود، وممّا فوق المصلحة العامة، غامرت بها قِوى غير دولتيّة (Non State Actors)، إلى حدّ تفجير الهويّة والصّيغة والميثاق.

في هذا السّياق قد يتبدّى سؤالٌ مشروع، أن ماذا لَو سُلَّم لبنان في مفاوضات فيينّا في فِعل مقايضةٍ غير محسوب النتائج على غِرار ما جرى في العام 1991، والحقيقة أنَّ ما سمحَ بتجذير هذه المقايضة حينها على المستوى العملانيّ، كان انهيار المناعة الوطنيّة، إلى تحطيم الثوابت الديموقراطيّة التي قام عليها لبنان، وذلك من خلال تكريس منطق الخضوع أو الاغتيال، وبالتّالي ونحن في العام 2022، نحتاج قيام كتلةٍ وازِنة مقاوِمة لهذا المنطِق، وبالتّالي تسقط إتاحات المقايضة، التي من الواضح، وبحسب كلِّ المؤشِّرات أنّها غير مُتاحة، لِذا يستشرس مريدوها في بروباغندا تسويقها تعويضاً عن قناعتهم بأنَّ ما يقومون به نقيض الاختبار التاريخيّ للبنان، ولو أنّ الاحتمال يبقى وارِداً مع موجب الحذر والمراكمة في النّضال، بروحيّة السّياسات العامّة لا التكتيك الانتهازيّ أو الانهزاميّ.

حمى الله لبنان واللبنانيّين!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات