Search
728 x 90

    “منع انهيار لبنان” : مؤشرات واقعية ام وهمية ؟

    “منع انهيار لبنان” : مؤشرات واقعية ام وهمية ؟

  ثمة صورة نمطية سائدة عن اللبنانيين منذ اندلاع شرارة الحرب الاهلية او حرب الآخرين على ارضهم ، باعتبار ان تعريف الحرب لا يزال حتى الان عرضة للانقسام بين هذين التعريفين ، بأنهم يؤخذون بأساطير سياسية سرعان ما تصبح لديهم بمثابة حقائق غير قابلة للجدل .

 هذا البعد ساد لمدة طويلة حيال مفهوم “المؤامرة” مثلاً او لبنان الساحة المفتوحة لصراعات الخارج او سواها من المفردات المألوفة وصولاً الى الزمن المأزوم الحالي .

كان ثمة الكثير سابقاً مما يبرر للبنانيين الهرب من تحميل انفسهم وقواهم السياسية وطوائفهم تبعات العجز والقصور والتخلف عن إقامة دولة قوية قادرة على اسقاط كل هذه الأساطير وتغليب منطق الدولة الحامية، ولكن السقوط الدراماتيكي المتجدد للدولة هذه المرة تحت وطأة الانهيارات السياسية الاقتصادية والافلاس المالي والانفجار الاجتماعي أعاد الى الواجهة بقوة هذا النوع من الاستسلام للهروب نحو اسقاط مبررات غالباً غير واقعية على أسباب الازمات الداخلية .

 مناسبة هذا العودة التاريخية لهذه الظاهرة اللبنانية تأتي الآن من بوابة الخوف العام المتصاعد من تداعيات الانسداد السياسي الذي منع تشكيل الحكومة الجديدة منذ ستة اشهر فيما تقترب البلاد من استحقاق بالغ الخطورة يتمثل في احتمال رفع الدعم المالي الرسمي عن المواد الاستهلاكية الاستراتيجية مثل الوقود والأدوية والمواد الغذائية الرئيسية بعدما اقترب الاحتياطي المالي لمصرف لبنان المركزي من حافة الخط الأحمر بالنسبة الى مخزون العملات الأجنبية لديه. هذا الهاجس يشكل نقطة حاسمة في التوقعات والتقديرات المرتبطة بمسار الازمة اللبنانية راهناً .

ولكن ثمة العديد من الأوساط والقوى اللبنانية المعنية تبدو كأنها تراهن على مفهوم يقول ان الانهيار التام للبنان “ممنوع” دولياً ، وسيكون هناك ما يترجم هذا المنع على المستوى الخارجي بطبيعة الحال . يصعب الجزم بطبيعة الحال سلباً او إيجاباً بصدقية هذا المفهوم وما اذا كان مستنداً الى معطيات وحقائق سياسية موثوقة ام الى تقديرات وتحليلات، ولو اتسمت بالكثير من المنطق خصوصاً مع انهيار ثقة الرأي العام الداخلي بمعظم طروحات القوى السياسية على اختلافها بعد أسوأ مصير بلغه لبنان في السنتين الأخيرتين . ومع ذلك لا يمكن تجاهل النسبة العالية من الأهمية والجدّية في بعض المؤشرات التي برزت في الآونة الأخيرة ومن شأنها الإضاءة على إرادات دولية في محاولة تجنب تحول لبنان الى بؤرة خطيرة في المنطقة تحت وطأة انهيار عارم،  ان لم نأخذ بمقولة ممنوع سقوط لبنان بحرفيتها. والحال ان ثمة عوامل عدة تزامنت تباعاً في الفترة الأخيرة تبدو في مكان ما كأنها مؤشرات خارجية الى مساعدة لبنان على تجنب تطورات دراماتيكية إضافية ومن ابرزها:

أولا ، تحرك الولايات المتحدة بسرعة غير متوقعة لإعادة تحريك المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية غير المباشرة حول ترسيم الحدود البحرية الجنوبية للبنان مع إسرائيل بعد طول تعليق وتوقف لهذه المفاوضات في مقر القوة الدولية في الناقورة بسبب التخبط الذي طبع موقف لبنان الرسمي حيال تبديل خرائط التفاوض والخطوط البحرية للحقوق اللبنانية، الامر الذي ارتد عليه سلباً . ولكن واشنطن تجاوزت التخبط اللبناني وذهبت في الاتجاه الآخر واقنعت إسرائيل ولبنان بجدوى العودة الى التفاوض كأفضل مسار يحول دون تفاقم النزاع . وهو امر يعد في مصلحة ترسيخ الاستقرار على الحدود ومنع ايران وحزب الله وإسرائيل نفسها من توظيف التخبط الرسمي اللبناني في موضوع الخطوط الحدودية .

ثانيا ، عودة فرنسا الى تحريك وساطتها مباشرة حول ازمة تشكيل الحكومة من خلال الزيارة التي قرر وزير الخارجية الفرنسية جان ايف لودريان القيام بها لبيروت في الخامس والسادس من أيار حاملاً معه هذه المرة العصا الغليظة المتمثّلة بسلاح العقوبات على من تحددهم فرنسا مسؤولين متورطين في تعطيل الحل الحكومي. مع ان آلية العقوبات لا تزال غامضة الى حد بعيد لكن معاودة الضغط الفرنسي المؤيد أوروبياً واميركياً وروسياً ومصرياً يعكس بلا شك إرادة دولية واسعة في الحؤول دون انزلاق لبنان الى متاهات نزاعات طويلة الأمد تحت وطأة انهيارات اجتماعية الامر الذي يهدد بزعزعة الاستقرار في لبنان .

  ثالثا ، موافقة البنك الدولي في اجتماع خصصه للبنان على مد لبنان بدعم يتجاوز الخمسين مليون دولار يخصص لدعم الاسر الأكثر فقراً والمؤسسات الإنتاجية الصغيرة في مؤشر من هذه المالية الدولية الكبرى على عدم ترك لبنان يتخبط بعجزه وفقره وأزمته ولو من باب جرعات صغيرة يكون لها تأثير مباشر على الصمود الأهلي والمجتمعي، وليس دعماً لسلطة ينظر اليها العالم بأنها تركيبة فاسدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات