Search
728 x 90

مفاصِل تاريخيّة وكُتلة حرِجة!

مفاصِل تاريخيّة وكُتلة حرِجة!

كان إريك هوفر فيلسوف الأخلاقيّة الاجتماعيّة الأميركي (1898 – 1983) شديد العُمق حين استنتج في كتابه الشهير “محنة التغيير” أنَّ المفاصل التاريخيّة تحتاج كُتلة حرِجة تقود مسارات رفض الظلم والقمع والاغتيال والانقضاض على الهويّة الثقافيّة – الديموقراطيّة لأيّ مجتمع، لكنّه كان دقيقاً أيضاً في اعتبار أنَّ مسألة الانبهار بالمدّ الجماهيريّ يضاهيه أهميّة ذاك الانتماء الصُّلب إلى حركةٍ مُندفعةٍ نشِطة، تأخذ على عاتقها استقطاب الجماعة الصّامتة أو اليائسة من إمكان إحداث تبدُّل تاريخيّ جذريّ على المستوى المجتمعيّ أو الوطنيّ. المُفاضلة بين المدّ الجماهيريّ والحركة المُندفِعة هنا غير قائمة على الإطلاق في مُربَّع التناقض، بل هي تتموضع في مسارٍ تكامليّ من باب فَهم ديناميّات التّغيير المُعقّدة.

زياد الصائغ

خبير في السياسات العامة

مفادُ استعادة هوفر، قد أعادني إلى مرتكزاته الفذّة في حوارٍ نبيلٍ نقيّ أخٌ عربيّ يحبّ لبنان وأهله من نبض قلبه، مفاد هذه الاستعادة قائمٌ على إشكاليّات ثلاثة. أوّلها مناقشة مقولة الحاجة إلى مركزيّة للثورة. وثانيها مقاربة انكفاء الطّبقة المتوسطة أو هجرتها. وثالثها سيناريو التحوّل الديموقراطيّ الآتي في لبنان من بوّابة إعادة تكوين السُلطة في انتخابات بلديّة / إختياريّة، ونيابيّة، ورئاسيّة.

1–  مركزيّة الثورة
ليست مركزيّة الثورة قيادة واحدة سِوى نتيجة لوِحدة في الرؤية والبرنامج وخارطة الطريق العملانيّة. هذه الوِحدة، وفي تعقيدات السوسيولوجيا اللبنانيّة وبعضٍ من أيديولوجيّاتها، تتبدّى على كثيرٍ من اليوتوبيا. المركزيّة هنا تقوم في قرارٍ تتّخذه قوى مجتمعيّة حيّة لتكون رأس حربة في مخاطبة الرأي العام، وتحريك الميدان، وبلورة السياسة العامة، وإنفاذ تأثير على مستوى أصدقاء لبنان العرب والدولييّن بالتنسيق مع الدياسبورا اللبنانيّة بُغية تأكيد أنَّ البديل عن المنظومة موجود، وقادرٌ على طرح مشروع لبنان الجديد. المركزيّة لا تعني الأحاديّة أو الصوت الواحِد، بل تلاقي الأصوات والأيادي والذهنيّات والإرادات على مفاهيم موحِّدة. ثمّة في العقل الغربي، والذي يُمثّل إريك هوفر أحد تعبيراته العبقريّة، ثمّة ما يٌعنى بتكوين الائتلافات والتّحالفات المتّسقة في برامج متكاملة، لا في مسارات ظرفيّة. هذه هي المركزيّة المتوخّاة، تنسيقاً لا تذويباً، في مرحلةٍ انتقاليّة، على أن يُقرِّر بعض التشكّلات الثورية أن يكونوا رأس حربة بدل الاسترسال في النقاش على الفاصلة والنقطة، رأس حربةٍ في وضع خيار الدولة متقدِّماً على طموح السُلطة في تحدِّ أوّل. بعدها تأتي المواءمة بين خيار الدولة وطموح السُلطة مشروعةً.

2– إنكفاء الطّبقة المتوسطة وهجرتها
نواة أيّ تغيير مجتمعيّ وطنيّ، وثُبتُ ذلك في معاينةٍ لخبراتٍ تاريخيّة، تبقى الطبقة المتوسطة. من هنا لا بُدّ من تساؤلٍ عن أيّ تغيير مُرتجى نبحث، في حين أنَّ هذه الطبقة، إمّا تحوَّلت فقيرة، أو هاجرت، أو هي قيد الاستعداد للمغادرة. الحقيقة أنَّ هذه السِمات تَطرَح مأزِق صلابة الصّمود من باب تماسك الهويّة، والاستعداد للنضال الطويل المدى مع حدٍّ أدنى من مقوّمات الحياة. ليس هذا الاستعداد سهلاً، لكن من المُلِح إنتاج ديناميّة صمود مُبدِعة تُنهي مأساة تفريغ البلد من بناته وأبنائه، على أنَّ هذه الدّيناميّة يجب أن تكون مرتبطةً بصَون هويّة لبنان الحضاريّة أكثر منه التنعُّم برَغد العيش أقلّه في المدى القريب، على أن يتوفّر ذلك. الصّمود والنّضال تحدٍّ ثانِ.
3– سيناريو التحوّل الديموقراطيّ الآتي
إصرار ثورة 17 تشرين بقِواها المجتمعيّة الحيّة على استرداد الدولة بإعادة تكوين السُلطة، يقابله فجورُ المنظومة على ما يبدو بالاستشراس في تطيير مواعيد الاستحقاقات الدّستوريّة، ولهذا التّطيير فبركاته وخُزعبلاته. وبالتّالي تتجلّى مساحة المواجهة الديموقراطيّة غير المتكافِئة في موازين القِوى، لكن واعِدة إن تفادى الحُكماء في الثورة والقِوى المجتمعيّة الحيّة الانزلاق في سجالٍ قانونيّ دستوريّ. المنازلة هُنا كيانيّة، والعمل يجب أن ينصبّ على تحفيز الكُتلة الصّامتة على أن تقترِع للتغيير بِغض النظر عن هذا التنظير القانونيّ أو ذاك. المنظومة خائفة والفرصة سانحة لإحداث انتظامٍ جديد في الشأن العامّ ربطاً بالخير العامّ. إنّه تحدٍ ثالث.

ما سبقَ بعضٌ من غَوصٍ في ما نحن في صميمه نتوجّع، لكنّ القيامة آتية لا محالة، ولبنان الرسالة سينتصر.

حمى الله لبنان واللبنانيّين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات