Search
728 x 90

مسار تاريخي يطوى مع انتهاء ولاية عون

مسار تاريخي يطوى مع انتهاء ولاية عون

انتهى العهد العوني بخروج الرئيس ميشال عون من قصر بعبدا مختتماً ست سنوات صعبة طبعتها تطورات كارثية كان ابرزها انفجار مرفأ بيروت وانهيار مالي قضى على قدرات لبنان وقطاعاته المختلفة.

عون الذي يخرج من السلطة بات على مشارف التسعين من العمر ومع انه تعهد في احاديث وخطاب مغادرته النضال والمقاومة كما قال، فإنه تخلى منذ زمن بعيد عن رئاسة تياره الى صهره جبران باسيل الذي يعتبر كثيرون انه كان رئيس الظل ابان ولاية عون فيما ان زمن التيار العوني سينتقل على الارجح الى الزمن الباسيلي نسبة الى باسيل ولكن مظللة بالعونية من اجل حماية التيار من الانقسامات الخطيرة المتوقعة نتيجة لرفض كبير داخل التيار لزعامة صهره.

يصعب على عون الذي حافظ على اسلوبه المشاكس والمواجه ان يواصل ما اعلن انه سيقوم به ولكنه يرغب في ان يسلم تحفيز تياره ومناصريه لصهره فيما كان يوصي هؤلاء في الاسابيع الاخيرة باحتضان باسيل ودعمه كما دعموه هو. فعون يخرج بحرقة انه لم يستطع تأمين وصول وريثه السياسي الى الرئاسة الاولى لخلافته ولا يزال يأمل بذلك على رغم عقوبات اميركية على الاخير وفقا لقانون ماغنتسكي بسبب الفساد فيما انه يكاد يكون مستحيلاً في المعطيات الداخلية والخارجية انتخاب رئيس تيار عون. ففي الحد الادنى انهكت رئاسة عون اللبنانيين لا بل زعامته كذلك ومن غير المرجح تكرار الزعماء اللبنانيين تجربة مرّة على لبنان. وهو كان يودّ لو يبقى حتى تأمين الظروف المناسبة لذلك اي انتظار الفرصة الملائمة لرفع العقوبات الاميركية من اجل ضمان باسيل اذ قال قبل عام تماما ” ساغادر قصر بعيدا عند انتهاء ولايتي ولكنني سابقى لو قرر مجلس النواب ذلك” . ولكنه ما لبث ان عاد عن ذلك لإبلاغه بصعوبة ذلك .
خرج ميشال عون من السلطة وعلى الارجح يخرج من الحياة السياسية كذلك يساوره حزن بالغ لبقاء كل خصومه في السلطة وعدم قدرته على ازاحتهم ولا على اقناعهم بدعمه فيما يختبئ وراء شعار “ما خلوني” لتبرير عدم القيام بأي انجازات فعلية اللهمّ باستثناء ترسيم الحدود البحرية مع اسرائيل. وهو انجاز مهم لن يتمكن عون من استثماره فيما انه يعول على حليفه “حزب الله” من اجل ضمان ان يقطف تياره نتائجه لاحقاً. وفي الوقت الذي نظم له احتفال ضخم لتياره من اجل مواكبة خروجه من قصر بعبدا، فإن هذا المشهد كان لمقابلة حال انتظار قوية من خصومه لمغادرته نهائياً موقع الرئاسة.
ومسار ميشال عون الطويل خلال 40 سنة حفل بمتناقضات وانقسامات شديدة حين استطاع في العام 1988 ان يحصل على زعامة غير مسبوقة ولا سيما لدى المسيحيين في اعلانه الحرب على المحتل السوري من اجل اخراجه من لبنان قبل ان يعود في 2005 باتفاق مع النظام السوري الذي كان اخرجه من قصر بعبدا عبر قصف جوي ادى الى نفيه الى فرنسا لمدة 15 عاماً.

بعد عودته من منفاه الفرنسي، انقلب على كل مبادئه السابقة وشعاراته السيادية بتحالف مع النظام السوري وعقد تفاهم مار مخايل مع “حزب الله” في ما اسس عملانياً استكمالاً لحلف الاقليات في لبنان والمنطقة والذي ادى لاحقاً الى وصوله الى الرئاسة الاولى. ومع انه عقد تسويات من اجل انتخابه مع كل من زعيم الطائفة السنية سعد الحريري ورئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، فإنه لم يطل به المقام حتى انقلب عليهما واستمر على تحالف وحيد مع “حزب الله” وحده في مقابل اقامة خصومات مع كل الافرقاء السياسيين الذين تلاقوا ولا سيما بعد نشوء انتفاضة 17 تشرين الاول 2019 على منع تنفيذ اهدافه لكي ينتقم من حاكم المصرف المركزي او ان يعطى ما يريده على صعيد تمكين سلطته من ضمان تأمين وريثه السياسي الى الرئاسة من بعده. وكانت ذروة الصدمات له فرض الخزانة الاميركية عقوبات على صهره بتهمة الفساد وفقا لقانون ماغنتسكي الذي يصعب التراجع عنها الا بموجب محاكمة علنية امتنع باسيل عن خوضها لما يمكن ان تكشفه من علانية صفقات الفساد التي تمت معاقبته على اساسها.
الانجاز الاهم ويكاد يكون الوحيد لولاية عون هو توقيع اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع اسرائيل قبل بضعة ايام من مغادرته القصر الجمهوري وفي ظل عجز عن فرض استثماره من فريقه بوصول رئيس جديد للجمهورية. ولذلك سعى الى رفع مستوى المواجهة والتهديد بالفوضى الدستورية في اللحظة الاخيرة بتوقيعه مرسوم استقالة الحكومة من اجل نزع تكليف نجيب ميقاتي رئاسة الحكومة ووجه كتاباً الى المجلس النيابي بالمعنى نفسه. ومع ان لا قيمة دستورية لأي من الخطوتين، بأنه يمهد لمواجهة دستورية في المرحلة المقبلة لافتعال صدام يود ان يؤدي الى تسوية تنتهي بانتخاب صهره الى رئاسة الجمهورية او من يرشحه على الاقل فيكون الحاكم من حلف او رئيس الظل كما كان في عهد عمه.
صفحة من التاريخ تطوى مع ميشال عون. واذا كان اورث تياره الاسلوب الشعبوي الغوغائي نفسه، فإن كثراً يعتقدون بأن الدينامية ستختلف لأن تياره لن يكون هو نفسه مع خليفته الذي يفتقد الى اي كاريزما ويواجه كرهاً كبيراً لدى اللبنانيين عبّروا عنه ابان الانتفاضة الشعبية ولم يتراجعوا عنه بعد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات