Search
728 x 90

مراجعة الاداء السياسي التي لم تحصل

مراجعة الاداء السياسي التي لم تحصل

قدمت وزيرة الخارجية الهولندية سيغريد كاغ استقالتها يوم الخميس الماضي بعدما دان نواب البرلمان رسمياً طريقة تعاملها مع أزمة الإجلاء في أفغانستان. وقالت كاغ، في بيان للبرلمان: «يعتبر مجلس النواب أن الحكومة تصرفت بشكل غير مسؤول. لا يمكنني إلا قبول عواقب هذا الحكم بصفتي الوزيرة ذات المسؤولية النهائية». وأضافت: «رؤيتي لنظامنا الديموقراطي ونهج إرادتنا تحتم على الوزير الاستقالة في حال عدم الموافقة على سياسته. لذا سأقدم استقالتي كوزيرة للخارجية إلى جلالة الملك».

لا يملك لبنان قماشة كاغ التي يعرفها الوسط السياسي اللبناني جيداً بعدما شغلت منصب منسق الامم المتحدة في لبنان لمدة ثلاثة اعوام حتى العام 2017 فيما سعى وزراء العهد المؤثرون في بدايته الى التعامل معها باستعلاء وفوقية. ولا يمكن تالياً لأن يستقي هذا الوسط السياسي دروساً من اداء ديموقراطي يحترم الشعب بدلاً من اهانته واذلاله كما يجري منذ اكثر من سنتين.

فالهوة السحيقة بين لبنان كدولة فاشلة لا تسمح بمقارنته بأدنى المقومات في الدول الديموقراطية. اذ حين ” يطمئن ” رئيس الجمهورية الرعايا اللبنانيين الى ان سنته الاخيرة في الحكم ستكون للاصلاح فإن كثراً يتشاءمون بدلاً من ان ان يتفاءلوا اللهمّ باستثناء الفئة المناصرة المؤمنة به وتياره.

فحين يبادر رئيس التيار العوني النائب جبران باسيل الى اعادة استخدام خطاب ولغة لم تغيّر فيها انتفاضة 17 تشرين الاول 2019 اي حرف ليس لما شكّلته هذه الانتفاضة من واقع موجه ضد العهد في شكل اساسي بل لان المراجعة السياسية مفترضة في اداء اي فريق سياسي بناء على الاهتزاز المجتمعي الذي حصل.

فكلام باسيل لم يظهر حصول اي مراجعة فيما ان ادبيات اتهام الخصوم المعارضين لاي امكان لسعي عون توريث صهره رئاسة الجمهورية تستمر وتتصاعد وستزيد في المرحلة المقبلة. اذ بدا لافتاً التعمية من باسيل في الهجوم على بري والحريري وجنبلاط بتهمة تشديد الخناق على “الرئيس القوي ” والعهد القوي كما قال فيما ان حزب الله كان يستعد لاستقبال شاحنات النفط الايراني عبر معابر غير شرعية لم ير فيها باسيل اي ضغط على الرئيس القوي او العهد القوي او انتقاصاً من هيبته وسلطته.
ما يراه مراقبون سياسيون في سنة الاصلاح التي تحدث عنها عون في محاولة مجاراة ما يطلبه المجتمع الدولي اولا هو السعي الى تبرئة نفسه من مسؤولية ما اصاب البلد من انهيار وتدمير لمؤسساته على نقيض كلي لما ذهبت اليه كاغ على سبيل المثال.

فعلى رغم رئاسة مستمرة منذ خمس سنوات واستلم من خلالها عون بلداً سقيماً الا انه لم يفعل اي شيء ليداويه بل على العكس من ذلك فيما ان مسؤوليته تتعدى ذلك منذ مشاركته “المنظومة ” في السلطة منذ ما بعد عودته من فرنسا في 2005. ليس من اوهام لدى المجتمع الدولي حول ارث عون او ازاء تقويم اداء صهره فيما لا يمنع ذلك سعي رئيس الجمهورية الى امكان الحصول على دعمه في ما يريده و هو الاعداد لحملة اقالات وتعيينات جديدة تبدأ من وزارة الخارجية الى سائر المواقع المسيحية في السلطة ومؤسساتها بذريعة امتلاكه شبه الحصرية الكاملة في الحكومة للتمثيل المسيحي كما على خلفية اصلاح مفترض يقضي بتسليم هذه المواقع لمناصرين لجبران باسيل بحيث يطمئن الى امساكه بجوهر السلطة من الداخل حتى لو لم ينجح في الوصول الى الرئاسة الاولى بعد انتهاء ولاية عمه . هذا التغيير الذي يخوضه عون سيطاول محاولة الاطاحة بمواقع خاض في الحكومة السابقة معركة تغييرها والسيطرة عليها من دون نجاح كبير فيما تظهر كل المؤشرات انه لن يستكين حتى ينجح في ذلك .
الاصلاح الذي تحدث عنه عون يفهمه المراقبون السياسيون وانطلاقا من التدقيق الجنائي الذي يعتبره منذ اليوم انجازه وكأنما يحسم مسبقاً نتائجه او يسعى الى توظيف استنتاجاته وخلاصاته كما لو انها واضحة تماماً امامه سعي الى تطويق خصومه السياسيين غير الداعمين لوصول باسيل ومن اجل الضغط عليهم من اجل الاستسلام لهذا الضغط.

يعود هؤلاء بالذاكرة الى الكتاب الشهير الذي اعده النائب ابراهيم كنعان والذي انتهى في غياهب النسيان مع التسوية التي ابرمها عون مع الرئيس سعد الحريري من اجل انتخابه. فهذا الاسلوب نجح كما نجح اسلوب التعطيل على نحو منقطع النظير بحيث لا يتوقع ان تتغير الامور لانه اصبح هناك حكومة فيما ان المعركة الاكبر هي امامنا وليست وراءنا لان الحكومة تألفت وفيما ان احداً لم يفته ان الحكومة اتت من اجل تنفيذ مطالب خارجية لوضع حد للانهيار او لتسارع في حين ان رئيس الجمهورية الذي يقول بتخصيص السنة الاخيرة من عهده للاصابات لم يجمع اي فريق لبناني حوله من اجل بلورة او صياغة مشروع اصلاحي يمكن ان يؤمن التوافق حوله لئلا يستل تياره لاحقا شعار ” ما خلونا ” من اجل مشروع احادي تغلب عليه المصالح الشخصية اكثر من المصالح الوطنية.

وفي اي حال لم يعد شعار الاصلاح يغري اللبنانيين وقد سقطوا ضحيته مراراً من دون نتيجة فيما ان اولوية الاصلاح هي بإعادتهم الى ما يشبه العصر الحديث بعيداً من العصر الحجري الذي يفتقد الى اساسيات العيش الانساني الكريم وضروراته.
وتقول مصادر ديبلوماسية خبيرة في الشأن اللبناني عن المراجعة التي يفترض ان تجريها كل القوى السياسية ربطا بتداعيات الانتفاضة الشعبية ومعانيها الفعلية حتى لو لم تنجح في اطاحة الطبقة السياسية او تغييرها، ان باسيل امتلك لدى وصول عون الى الرئاسة كل عناصر القوة التي تسمح له بـ ” وراثة ” عمّه في الرئاسة على صعيد تمتعه بالوسائل التي تسمح له بتوظيف سياسي هائل لهذه العناصر لولا انه لم يبددها هو بنفسه. اذ انه اخطأ في استحضار تاريخ عون من اجل بناء شخصية سياسية له بحيث يكون المسيحي الاقوى فيما ان عمه لا يزال موجوداً، وهو يفترض انه المسيحي الاقوى نظراً لتاريخه اياً يكن الالتباس حول هذا التاريخ.

كما ان اداءه السياسي لم يترك جسراً قائماً بينه وبين اي فريق سياسي ربما باستثناء “حزب الله” الذي يستمر في احتضانه لاعتباراته الخاصة ولم ينجح في استقطاب اللبنانيين او اقناعهم بشخصه بل شكل عامل استفزاز مستمر لهم . فيما ان اداءه كوزير للخارجية كان سلبياً ولا يقتصر على المواقف المعلنة بل على لقاءات ديبلوماسية اثارت حفيظة ديبلوماسيين لغياب المعايير الديبلوماسية وحتمية اعتماد ميزان الذهب في العلاقات مع الخارج كما في العلاقات الطوائفية والسياسية في لبنان.

فشخصية عون الصدامية كانت لصيقة به كقائد عسكري صعد في ظروف الحرب ولم يكن ذلك صحيحاً في الظروف الراهنة علماً ان اللبنانيين تعبوا من قادة الحرب جميعهم ومن خطاباتهم ان لم يكن اكثر .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات