Search
728 x 90

ما وراء غادة عون

ما وراء غادة عون

إنقسام عمودي أثارته قضية مدعي عام جبل لبنان القاضية غادة عون التي، وبسابقة فريدة، دهمت شخصياً، بمؤازرة مناصرين للتيار الوطني الحر وحماية جهاز امن الدولة، مكاتب “مكتّف للصيرفة” في عوكر ثلاث مرات، طالبة الحصول على بيانات تحويلات مالية في إطار التحقيق حول تهريب الأموال خارج البلاد بين العامين 2019 و2020، رافضة بذلك الانصياع لقرار مدعي عام التمييز القاضي غسان عويدات الذي كف يدها عن عدد من الملفات، وهي جرائم المخدرات والقتل والملفات المالية.
فأصدر عويدات قراراً بتعديل قرار توزيع الأعمال لدى النيابة العامة الاستئنافية في جبل لبنان وحصرها بثلاثة محامين عامين فقط، من دون أن يلحظ القرار اسم القاضية عون التي حضرت للتحقيق امام مجلس القضاء الأعلى الذي طلب بدوره، من عويدات ومن رئيس هيئة التفتيش القضائي القاضي بركان سعد، اتخاذ الإجراءات بحق القاضية عون، وذلك ضمن اختصاص كل منهما.
قراءة قانونية وسياسية قام بها نقيب المحامين السابق في الشمال رشيد درباس انطلاقاً من كلام نائب رئيس المجلس النيابي ايلي الفرزلي عن ان “الحل باستلام الجيش اللبناني كل السلطات”، وما موقف بكركي مما يجري؟

من حيث أنهى نائب رئيس المجلس النيابي ايلي الفرزلي تصريحاته الى أكثر من وسيلة إعلامية، يبدأ نقيب محامي الشمال الوزير السابق رشيد درباس حديثه. الأول قال ” الحل باستلام الجيش كل السلطات، وإلّا… الإنهيار الكبير بانتظار لبنان”. وقال أيضاً “لا يمكن أن أكون منفصلاً عن الواقع المنهار المرشّح للتعاظم، حكومة مستقيلة ومشاورات متوقفة لتأليف حكومة جديدة إلى أجل غير مسمّى، مجلس نواب مستهدف ونواب استقالوا من دون أي نية لإجراء انتخابات نيابية فرعية وبالتالي انقلاب على الدستور، قد يكون مقدّمة لعدم إجراء انتخابات النيابية العام المقبل وبالتالي الانتخابات البلدية ومن ثم الانتخابات الرئاسية ليصبح الفراغ سيّد الموقف، وقد يأتي من هو في السلطة اليوم ليتحجج بالبقاء تحت عنوان استمرار المرافق العامة” . ثم أضاف ان “التاريخ يعيد نفسه، لأن رئيس الجمهورية يعتمد خطة الأرض المحروقة لإسقاط المؤسسات، ما سيؤدي إلى فراغ وفوضى، حتى الوصول إلى الاستحقاق الرئاسي. وأمام هذا الواقع سيكون هناك 3 خيارات: الفوضى، الفراغ، أو انتخاب جبران باسيل رئيسا للجمهورية”.
اما الثاني فيؤكد ان ما يجري ليس قصة قانونية ولا قضائية على الاطلاق، ولا يمت الى الاجراءات القضائية بصلة، انما هي سياسة مقصودة بذاتها ليذهب لبنان الى الانهيار والخراب الكلي تنفيذاً لسياسة محددة. فيأتي من يستطيع ملء هذا الفراغ: من هو اكثر تنظيماً واكثر تسليحاً واكثر تمويلاً.”


درباس يؤكد ان ما حدث ليس حركة قضائية بتاتاُ، لا بل تم استغلال القاضية غادة عون لمآرب سياسية، اذ ان الجهة السياسية التي تنتمي اليها غادة عون رمتها هناك من دون حساب خط الرجعة.
مصادر قريبة من بكركي تلاقي درباس في موقفه، رافضة ما وصفه كثيرون بأنه تكرار لمشهدية 1989، يوم بات الإنقسام جذرياً بين الصرح البطريركي برئاسة البطريرك مار نصر الله بطرس صفير والعماد ميشال عون الذي كان رئيساً للحكومة العسكرية الإنتقالية في بعبدا.
ورغم الحملات الالكترونية العنيفة على بكركي، إن مجرد زيارة رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل الى بكركي هي خطوة ايجابية تنقض هذه المقولة، تؤكد هذه المصادر، علماً ان اجتماع البطريرك مار بشارة بطرس الراعي – باسيل لم يغيّر قيد أنملة بالمعطيات الموجودة على الأرض، الا انه كان هادئاً ولم يتخلله اي تشنج حول اختلاف الرأي بين الطرفين.
صحيح ان بكركي فوق الجميع ولا خطوط حمر لديها، تقول المصادر المقربة منها، إلا ان رؤيتها للوضع تنطلق من شمولية الصورة الكاملة محلياً وإقليمياً، وما المواقف السياسية الصادرة إلا نتيجة مباشرة لها، إنطلاقاً من صراع اقليمي يتمحور اليوم بين النفوذين الايراني والسوري على أرض لبنان، وبين من يمثل كل منهما من أطراف سياسية هنا.
فالمطلوب تؤكد هذه المصادر البحث دائماً عن بديل الطروحات التي تصدر من هذا الطرف او ذاك. فما هو البديل عن رئيس الجمهورية مثلاً في حال تحقق طلب البعض بتقصير ولايته؟ لقد سبق وحذر البطريرك الراعي من تأثير الوضع الإقليمي والدولي على لبنان، متخوفاً من حالة انقلابية يواجهها البلد معتبراً في آخر حديث متلفز له إن حزب الله هو “قوّة عسكرية إيرانية في لبنان، ولافتاً الى ان “حل مشكلة السلاح، هو موضوع أكبر من لبنان ويقتضي حله على المستوى الدولي”.
إن المسألة تقول المصادر نفسها هي أبعد من غادة عون ومن اهتزاز المرجعية القضائية، انها عوامل اقليمية تفعل فعلها في آخر التطورات المحلية، ولا سيما منها صراع نفوذ ايراني- سوري يدفع لبنان ثمنه من استقراره واقتصاده وماله وأمنه. علماً ان بكركي تعتبر ان القضاء لم يُضرب مع القاضية عون فقط، لا بل لأنه قضاء مترددّ وانتقائي لم يذهب بأي ملف فساد الى نهايته. فهل رأينا مهرّب او مصرفي او صاحب مناقصات او فاسد او مسؤول عن هدر المال العام وراء القضبان؟
فهل القاضية غادة عون على حق في “الجوهر” وإن تكن أخطأت في “الشكل”؟
الوزير السابق رشيد درباس يؤكد ان الجوهر والشكل لا ينفصلان، لأن الشكل هو سياج الجوهر. والخطورة تكمن في أن يصبح لكل قاض جمهوره. فمن نادى “ليعش غسان عويدات او غادة عون” ينادي بالعودة الى عصر الميليشيات. انها اساءة مباشرة للقضاء.
فالقاضية غادة عون خرجت عن التراتبية القضائية، إذ ان النيابة العامة جهاز ذات تراتبية ورئيسه هو النائب العام التمييزي، اي هناك رئيس ومرؤوس و”مش شغلة المرؤوس يناقش قرارات رئيسه، بل عليه ان ينفذ ويعترض بطريقة ما في ما بعد”، يؤكد درباس.
فالمادة 13 من قانون أصول المحاكمات الجزائية اعلنت استقلال النيابة العامة التمييزية عن وزارة العدل ونصّت على:
” تشمل سلطة النائب العام لدى محكمة التمييز جميع القضاة النيابة العامة بمن فيهم مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية. وله ان يوجه الى كل منهم تعليمات خطية أو شفهية في تسيير دعوى الحق العام. انما يبقى لهم حرية الكلام في جلسات المحاكمة. يحيل على كل منهم, حسب اختصاصه, التقارير والمحاضر التي ترده بصدد جريمة ما ويطلب اليه تحريك دعوى الحق العام فيها. مع مراعاة احكام المادة 79 من قانون تنظيم مهنة المحاماة وفي جميع الحالات التي تقتضي فيها الملاحقة الجزائية ترخيصاً او موافقة من اي مرجع غير قضائي، وفي حال الخلاف بين هذا المرجع وبين النيابة العامة الاستئنافية او النيابة العامة المالية او مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية، يكون لمحكمة الاستئناف المدنية المتخصصة في غرفة المذاكرة، خلافاً لأي نص عام أو خاص، أمر البتّ نهائياً في هذا الموضوع.”
فالمادة هذه يؤكد درباس تنص على ” تعليمات خطية أو شفهية” يعطيها النائب العام التمييزي. وهو سبق وكفّ يدها عن الملفات التي بحوزتها والتي تتعلق بجرائم المال والتجارة بالمخدرات والقتل، أي ان تحركات القاضية غادة عون خارج اطار تعليمات القاضي غسان عويدات هي خارجة على القانون، لأن المدعي العام يمكنه ان يعطي اشارة على الهاتف. فذهابها الى مكان ما (عوكر) من دون صلاحية بات يسمى اقتحاماً واعتداءً على الاملاك الخاصة ويشكل جرماً جزائياً، ولا سيما في المرة الثانية بعدما بلّغها مجلس القضاء الاعلى وجهاً لوجه بالقرار، مما ينقض تصريحها في 21 نيسان 2021 بأن “ما صدر عن مجلس القضاء الاعلى بيان لا قرار ولم اتبلغ به بعد”، علماً ان مجلس القضاء طلب من “النائب العام لدى محكمة التمييز ومن رئيس هيئة التفتيش القضائي، كلّ ضمن نطاق اختصاصه، إتخاذ اللازم”.
لذا، يعتبر درباس ان كل قرارات القاضية عون ليس لها اي مفاعيل قضائية، بعدما تم تحويلها الى التفتيش القضائي، ناهيك عن ان سلطة النائب العام التمييزي كاملة، باستثناء حالة واحدة تكمن في مرافعته على القوس في المحكمة، اذ لا يكون لأحد سلطة عليه. وهذا ما نصّت عليه المادة 13 بقولها: ” يبقى لجميع القضاة النيابة العامة بمن فيهم مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية حرية الكلام في جلسات المحاكمة”.
أضف الى ذلك، يقول درباس ان القاضية غادة عون توجهت الى مكاتب “مكتف للصيرفة” من دون ضابطة عدلية ، لا بل ذهبت برفقة جمهرة من المؤيدين المدنيين حوّلت العملية الى شعبوية صرف.
فالموضوع القضائي انتهى هنا، يعتبر درباس، و” الأمر ليس انقساماً قضائياً كما قالت وزيرة العدل”، انما دفعت القاضية عون ثمن الصراع السياسي الذي جعلها وقوداً له، لأن قرار مجلس القضاء الاعلى نافذ.
اما وضع القضاء اليوم في ظل اقتراب انتهاء ولاية مجلس القضاء الاعلى نهاية نيسان 2021، والعجز في تعيين 8 اعضاء جدد من قبل حكومة غير موجودة… فهو يشبه الوضع برمته، اذ ان مرفقاً آخر سينضم الى “نادي تصريف الأعمال” في ظل غياب التشكيلات القضائية، يؤكد درباس مستدركاً “حتى لو تم تعطيل مجلس القضاء الاعلى. هناك ثلاثة لن يتغيروا: رئيس مجلس القضاء الاعلى، نائبه مدعي عام التمييز، ورئيس هيئة التفتيش القضائي. سيسيّرون المرفق قدر الامكان حتى لو تعذّر على مجلس القضاء اتخاذ القرارات”.
انها مرحلة “تصريف الأعمال” اينما كان في انتظار تطور اقليمي ما يخلط الأوراق مجدداً، علماً ان مرحلة ما بعد 17 تشرين ليست كما قبلها، يؤكد درباس، إذ انها اثبتت ان البوق الطائفي لم يعد مجدياً النفخ فيه. فالودائع في المصارف طارت على المسيحيين والمسلمين معاً، والمسلمون التفوا حول البطريرك الراعي قبل المسيحيين. ثم ان رسالة البابا فرنسيس الأخيرة جاءت قبل يومين لدى استقباله رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري، اذ أكد بيان الفاتيكان “ان البابا فرنسيس أعرب عن أمله في أن يتمكن لبنان، بمساعدة المجتمع الدولي، من أن يجسّد مرة أخرى قوة الأرز، والتنوع الذي يتحول من ضعف إلى قوة لدى شعب متصالح مع دعوته الى أن يكون أرض اللقاء والتعايش والتعددية”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات