Search
728 x 90

ما هي أبعاد زيارة ديفيد هيل الى بيروت؟

ما هي أبعاد زيارة ديفيد هيل الى بيروت؟

ما هي أهمية زيارة وكيل وزارة الخارجية الاميركية للشؤون السياسية ديفيد هيل لبيروت في ضوء اشتداد الازمات حول عنق لبنان؟
سفير لبنان السابق في واشنطن د. رياض طبارة يقرأ لموقع beirutinsights الزيارة شكلاً ومضموناً، مستنداً الى خبرته الدبلوماسية لقراءة ما بين سطور البيان المكتوب الذي تلاه هيل من القصر الجمهوري.

ليس من باب الصدفة ان يزور وكيل وزارة الخارجية الاميركية للشؤون السياسية ديفيد هيل لبنان الذي يتخبط في أكثر من أزمة، بدءاً بتعذر تشكيل الحكومة في المدى المنظور، مروراً بأزمتيه المالية والاقتصادية المجهولتي الأفق، وصولاً الى مفاوضات ترسيم الحدود البحرية مع اسرائيل التي باتت في عنق الزجاجة بعد السعي لتعديل المرسوم 6433 الذي وقعه وزيري الأشغال العامة والدفاع ورئيس الحكومة… وامتنع عن توقيعه رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الذي كان اول من سعى لتعديله، لأن المرسوم الموقّع يفترض “موافقة مجلس الوزراء مجتمعاً” كما قالت رئاسة الجمهورية.
في الشكل، يؤكد سفير لبنان السابق في واشنطن د. رياض طبارة حرص الولايات المتحدة ان تكون الزيارة ذات أهمية بإيفادها “الرقم 3″ في وزارة خارجيتها الى لبنان – حتى لو كان تاركاً منصبه- خصوصاً ان مسؤوليات مساعد وزير الخارجية للشؤون السياسية تشمل كل دول العالم، من روسيا والصين وافغانستان وغيرهما، الى لبنان.
فالبيان استهله هيل بالقول: ” لقد أتيت إلى لبنان بناءً على طلب الوزير بلينكن للتأكيد على التزام إدارة بايدن المستمر تجاه الشعب اللبناني ورغبتنا المشتركة في الاستقرار والازدهار في لبنان.”
ولمّا حرص هيل على قراءة بيان مكتوب من القصر الجمهوري، فهو قصد ان يأتي البيان تتويجاً للمواقف الاميركية السابقة، على ان تُوثّق المواقف التي تتضمنه باستبعاد ما يمكن اعتباره اي “زلّة لسان” من الدبلوماسي الاميركي.
لذا اكد بيان هيل على ” على مدى الأيام الثلاثة الماضية، التقيت العديد من القادة اللبنانيين لمناقشة الأزمة السياسية التي طال أمدها وتدهور الأوضاع الاقتصادية.”
فالزيارة، برأي طبارة، تتركز في مضمونها على شقّين متكاملين: الحكومة العتيدة العاجزة عن رؤية النور ومفاوضات ترسيم الحدود، علماً ان الشقين مرتبطين بشكل مباشر وغير مباشر بالأزمة الاقتصادية التي استهل بها هيل بيانه قائلاً :” الشعب اللبناني يعاني. إنه يعاني لأن القادة اللبنانيين فشلوا في الاضطلاع بمسؤوليتهم في وضع مصلحة البلد في المقام الأول ومعالجة المشاكل الاجتماعية والاقتصادية المتصاعدة. فالناس فقدوا جنى عمرهم، ولم يعد بإمكانهم الوصول إلى الرعاية الصحية الأساسية، وهم يكافحون من أجل إطعام أسرهم.”
وهنا، يعلّق طبارة على عبارة “الناس فقدوا جنى عمرهم” متسائلاً عن القصد منها خصوصاً انه لا يمكن اعتبارها “زلة لسان” طالما ان البيان مكتوب، لا بل هي مقصودة وقد تعني تبخّر اموال المودعين وان لا عودة الى الوراء بالوضع المالي”.
وفي سياق مرتبط، لفت اكثر من مراقب تلبية هيل دعوة حاكم مصرف لبنان الى الغداء في ما يشبه التأكيد عن استمرار دعم الحاكم مهما كانت الحملات الداخلية والخارجية ضده.
وبإشارته الى فشل المسؤولين في الاضطلاع بمسؤوليتهم، يرى طبارة ان هيل يمهّد للموقف التصعيدي الذي سيلي، حيث بدت لهجته شديدة وقوية تبتعد عن الدبلوماسية والسياسة، علماً انه سبق واستعمل عبارات اقسى حيال السياسيين اللبنانيين في تصريحات سابقة.
فهو قال :” كنت قد زرت لبنان في كانون الأول من العام 2019 ومرة أخرى في آب 2020. وسمعت حينها دعوة للتغيير، لا لبس فيها، من قبل لبنانيين من جميع الخلفيات. هذه المطالب هي عالمية: كالشفافية، والمساءلة، ووضع حدّ للفساد المستشري، وسوء الإدارة الذي تسبب في مثل هذه الصعوبات. لو تمت تلبية هذه المطالب، لكان لبنان اليوم على طريق تحقيق إمكاناته الهائلة. ومع ذلك، لم يُحرز حتى الآن سوى تقدّم ضئيل للغاية. الأوان لم يفت بعد.”
وإذ شدد هيل على أهمية تشكيل الحكومة بقوله ” لطالما طالبنا قادة لبنان بإبداء مرونة كافية وتشكيل حكومة مستعدّة، وقادرة على العمل على عكس مسار الانهيار الجاري. لقد حان الوقت الآن لتشكيل حكومة وليس عرقلة قيامها، الآن هو وقت الإصلاح الشامل. فأميركا والمجتمع الدولي هم على استعداد للمساعدة. لكن لا يمكن المساعدة دون الشريك اللبناني”، فهو يؤكد جدّية واشنطن في توصل السياسيين اللبنانيين الى اتفاق لتشكيل الحكومة.
التمهيد هذا لأهمية الحكومة اعقبه هيل بالتأكيد على صرامة الموقف الاميركي برأي طبارة، اذ حرص على التأكيد على العقوبات لمن يعرقل التشكيل فيما “المسهلّون” سيحظون بالدعم الاميركي. فهيل قال ” وأولئك الذين يواصلون عرقلة تقدّم أجندة الإصلاح، يغامرون بعلاقتهم مع الولايات المتحدة وشركائها ويعرّضون أنفسهم للإجراءات العقابية. أما الذين يعملون على تسهيل التقدّم، فيمكنهم الاطمئنان لدعمنا القوي”. علماً ان هيل سبق وأكد في اكثر من تصريح من بيروت دعم واشنطن “غير المشروط “للجيش اللبناني، في إشارة واضحة الى استمرار الدعم مهما كانت العقوبات التي تستهدف السياسيين اللبنانيين.
وبالإنتقال الى الشق المتعلق بحزب الله في بيان هيل الذي قال “إن تكديس حزب الله للأسلحة الخطرة والتهريب والأنشطة غير المشروعة والفاسدة الأخرى يقوّض مؤسسات الدولة الشرعية. إنه يسلب من اللبنانيين القدرة على بناء بلد مسالم ومزدهر. وإيران هي التي تغذّي وتموّل هذا التحدي للدولة وهذا التشويه للحياة السياسية اللبنانية”، يعتبر طبارة ان ما قاله الدبلوماسي الاميركي عن حزب الله كلام عادي، ولزوم ما لا يلزم، اذ ان سقفه بقي دون السقوف الاميركية السابقة في هذا الاطار. فالبيان لم يتضمن اي اشارة الى رفض واشنطن ان يكون حزب الله من ضمن الحكومة او ان تتعامل مع الوزراء الذين يسميهم الحزب، او حتى ان “يسيطر الحزب على الحكومة” كما سبق واشارت اليه مواقف اميركية سابقاً. لا بل يبدو الموقف الاميركي هنا، وكأنه تنازل من واشنطن التي لا تصبو لعرقلة تشكيل الحكومة، لا بل على العكس تسعى لتذليل العقبات ومعاقبة المعرقلين كي يرتدعوا.
وكما الكلام على حزب الله، جاء الكلام على الاتفاق النووي الايراني ليقول ان العودة اليه تأتي من الجهتين اللتين تعتبران انه امر مرغوب به، وليتضمن طمأنة لأصدقاء واشنطن انها لن تتخلى عنهم مهما كانت نتيجة المفاوضات الدولية حول الاتفاق في إشارة واضحة لعلاقة ايران بدول الجوار، وللتأكيد ان هذه النتيجة لن تؤثر على الموقف الاميركي من حزب الله في لبنان، برأي طبارة الذي استند بتأكيده على قول بيان هيل ان ” العودة المتبادلة إلى الامتثال للاتفاق النووي مع إيران تصبّ في مصلحتنا وفي مصلحة الاستقرار الإقليمي، لكنها لن تكون سوى بداية عملنا. فيما نتطرّق إلى العناصر الأخرى لسلوك إيران المزعزع للاستقرار، لن تتخلى أميركا عن مصالحها وأصدقائها في لبنان.”
اما الجزء الثاني من بيان هيل فتركز على مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين لبنان واسرائيل، مع إشارته الواضحة الى عدم موافقة واشنطن على الموقف اللبناني لترسيم الحدود لجهة تأكيد البيان ان ” أميركا تقف على أهبة الاستعداد لتسهيل المفاوضات بشأن الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل على الأسس التي بدأناها في هذه المباحثات. هذه المفاوضات لديها امكانية فتح الابواب امام فوائد اقتصادية كبيرة للبنان، وهذا أمر بالغ الأهمية على خلفية الأزمة الاقتصادية الحادة التي تواجهها البلاد.”
فعبارة ” تسهيل المفاوضات على الأسس التي بدأناها في هذه المباحثات” تكشف برأي طبارة رفض واشنطن لتعديل المرسوم الذي سيتخطى الموقف اللبناني السابق من المساحة الحدودية البحرية لدى بدء المفاوضات، مما حدا برئيس الجمهورية للتأكيد بعد لقائه هيل ” على حق لبنان أن يطور موقفه وفقا لمصلحته”.
اما رفض توقيع رئيس الجمهورية المرسوم الذي سعى هو لتعديله، فقد يكون ناجماً برأي طبارة عن تمني اميركي لعدم استباق زيارة هيل بالتوقيع او عدم التوقيع بحد ذاته… علماً ان اكثر من مراقب سياسي أسرّ لموقع beirutinsights بإمكان وجود اسباب اخرى تتعلق بالسعي لكسب المودة الاميركية او الحؤول دون استهداف رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل بمزيد من العقوبات، كون اصابع الاتهام بعرقلة تشكيل الحكومة تتجه اليه، اوروبياً واميركياً.
يبقى اتفاق الطرفين اللبناني والاميركي على “استقدام خبراء دوليين للمساعدة في اطلاعنا جميعا، عند الاقتضاء” كما جاء في بيان هيل وبعبدا في آن ليؤكد عدم قطع شعرة معاوية بالنسبة الى المفاوضات.
وفي هذا الاطار، يؤكد الدبلوماسي اللبناني الضليع بخفايا السياسة الاميركية ان ما بين سطور بيان هيل يشير الى ان فرصة انقاذ لبنان لم تستنفد بعد، لا بل لا تزال موجودة. والدليل عبارة “الأوان لم يفت بعد” الواردة في البيان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات