Search
728 x 90

ما الذي قد ينتشل لبنان من كبوته الاقتصادية؟

ما الذي قد ينتشل لبنان من كبوته الاقتصادية؟

كالمريض الذي اصيب بمرض عضال ثان، اتت جائحة كورونا لتضرب القليل القليل مما تبقى من شبه الاستقرار الاقتصادي والمالي، مطيحة بأي امل في استعادة التعافي الاقتصادي في المستقبل القريب.
الجائحة استلزمت قراراً رسمياً بالإقفال العام اربع مرات، مع تمديد لكل منه، منذ آذار 2020، وشللاً متقطعاً او تاماً في الحركة الاقتصادية منذ اكثر من عشرة اشهر، مما زاد العائلات الفقيرة فقراً وجعل الطبقة الوسطى تضمحل بشكل سريع، ورافعاً التضخم في بعض السلع الى اكثر من 250%.
الخبير الاقتصادي البروفيسور جاسم عجاقة يقول لموقع beirutinsights ان معادلة “الصحة او المال” وضعت المواطن اللبناني في قبضة الفقر المدقع.

صحيح ان جائحة كورونا ليست مسؤولة اساسية عن التدهور الاقتصادي والمالي في لبنان، لكنها عجّلت حتماً وسريعاً في تحقيقه.
فالإقفال التام الذي فُرض على البلد على دفعات، ادى الى ازمة مالية غير مسبوقة لم يشهد لبنان مثيلاً لها منذ ارتفاع سعر صرف الدولار الى 3000 ليرة لبنانية العام 1992، خصوصاً بعد التحركات الشعبية في 17 تشرين الاول 2019 التي انعكست شللاً اقتصادياً فارتفاعاً لسعر صرف الدولار وصولاً إلى 2000 ليرة في مطلع آذار 2020، ومن ثم 3000 في آخره. وادى تزامن اقفال مطار بيروت الدولي بفعل جائحة كورونا الى هبوط حر لليرة وتسجيل الدولار قفزات متتالية اوصلته الى 4500 ليرة، فنحو 8800 واحيناً 9000 في اواخر كانون الثاني 2021. واتى اخيراً تفجير مرفأ بيروت ليكبّد لبنان خسائر فادحة، اذ قًدرت قيمة الأضرار الناجمة عنه بين 3.8 مليارات دولار و4.6 مليارات، فيما تراوحت خسائر التدفقات المالية بين 2.9 مليار دولار و 3.5 مليارات.
اذا كان التضخم بلغ العام 2020 84.9% في حين كان 2.90% في العام 2019، وفق دراسة مؤشر أسعار الاستهلاك الصادرة عن دائرة الاحصاء المركزي، فإن الرقم مرشح بالإرتفاع بشكل مضطرد وكبير السنة 2021 في ظل غياب اي مؤشرات للحلحلة السياسية او الصحية المرتبطة بجائحة كورونا التي اسفرت اخيراً عن اقفال رابع تام للبلد تبعته اعادة فتح قطاعات محددة على اربع مراحل.
فالجمود الاقتصادي الناجم عن الاقفال اسفر، وفق ارقام غير رسمية، عن اقفال اكثر من 15 الف مؤسسة، وخسارة نحو 80 الف شخص عملهم، مما قد يرفع نسبة البطالة الى 65% اذا استمر التدهور على ما هو عليه. وقد كشف الباحث في “الدولية للمعلومات” محمد شمس الدين، في تشرين الثاني 2020 إن الخسائر اليومية المترتّبة على الإقفال العام تتراوح بين 50 إلى 60 مليون دولار فيما قدّر رئيس تجمع رجال الأعمال اللبنانيين في العالم فؤاد زمكحل خسائر الاقفال في آذار 2020 بمليار ونصف مليار دولار، و١٣٥مليون دولار يومياً إذا كان الناتج المحلي في حدود الـ٥٠ مليار دولار .
أما القطاعات الأكثر تضرّراً، فهي المطاعم ( لم يبق سوى 4500 مطعم من اصل 8500 في آخر 3 سنوات) والفنادق (نقيب الفنادق بيار الأشقر كشف أن النسبة التشغيلية للفنادق خلال كانون الأول 2020 لم تتجاوز 10%، بعدما كانت في 2019 بحدود 27%) والمؤسسات السياحية (لم تتجاوز عائدات القطاع السياحي 6 مليارات دولار وسط 2019 ولم تتعد نصف مليار دولار في 2020) ، ومحلات بيع الألبسة والأحذية والعطورات، ويليها قطاع النقل.

الخبير الاقتصادي البروفيسور جاسم عجاقة يعتبر ان جائحة كورونا اداة تفقير الشعوب لأنها استلزمت اقفال البلد، وغياب النشاط الاقتصادي وغياب المداخيل المالية التي تؤدي الى الغرف من المدخرات المالية الموجودة… التي ستنتهي عاجلاً أم آجلاً.
فالفقر الذي سيضرب شريحة كبيرة من اللبنانيين كان اصلا موجوداً منذ العام 2019. وقد قال تقرير للأسكوا في آب 2020 ان أكثر من 50% من سكان لبنان قد يكونون عرضة لخطر عدم الوصول إلى الاحتياجات الغذائية الأساسية بحلول نهاية عام 2020. كما سبق واعلن صندوق النقد الدولي في تشرين الأول 2019 ، أن انكماش الاقتصاد اللبناني سيصل الى نسبة 25% العام 2020 فيما توقعت ارقام اخرى ان يرتفع الانكماش العام 2021 نسبة 6% اضافية على نسبة العام السابق.
وفي هذا الاطار، توقع البنك الدولي في أحدث تقاريره حول لبنان، أن يصبح أكثر من نصف السكان فقراء بحلول 2021، وأن تبلغ نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي 194%، ارتفاعا من 171% نهاية 2019، وسط تراجع في معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بشكل حاد إلى 19.2% عام 2020، بعد انكماشه بنسبة 6.7% عام 2019، في حين أن معدلات التضخم تجاوزت حد 100%.
وإذا كانت الجائحة ليست السبب الوحيد في انهيار الوضعين المالي والاقتصادي فإنها عجّلت في الانهيار الاقتصادي بعدما جمّدت العجلة الاقتصادية في ظل غياب الحلول المالية منذ ان اعلن لبنان رسمياً التخلف عن خدمة بعض ديونه السيادية (سندات اليوروبوند) في 9 آذار 2020، جاعلاّ من سعر صرف الدولار الاميركي متعدد “الأسعار” بين الرسمي (1515 ليرة لبنانية) والمصرفي ( 3950 ليرة) والطالبي وفي السوق السوداء حيث تخطى الثمانية آلاف ليرة، مما أفقد الليرة اللبنانية أكثر من 70 % من قيمتها منذ كانون الثاني 2020، ناهيك عن تقلص احتياطي الدولار الأميركي الذي ادى الى اعتماد المصارف فرض قيود صارمة على عمليات السحب، ناهيك عن القيود التي فرضها مصرف لبنان على سحوبات وتحويلات كل العملات الصعبة بعدما كشفت تقارير اعلامية ان احتياطي العملات الأجنبية تناقص بـ11.3 مليار دولار في الأشهر التسعة الأولى من 2020 فيما الاحتياطي الباقي يكاد لا يكفي لتغطية مصاريف دعم المصرف للسلع الغذائية والادوية والمحروقات، مما سيحتّم “ترشيد الدعم” قريباً.
ومما زاد الطين بلّة، وقف الحكومة اللبنانية في تموز 2020، مناقشاتها مع صندوق النقد الدولي بشأن خطة الإنقاذ بعد عجز توافقها مع المصرف المركزي بشأن الأرقام المرفوعة إلى الصندوق أو التوصّل الى خطة لإنعاش البلاد، او تحقيق الاصلاحات ووقف الفساد والتهريب كشروط دولية للمساعدة.
اما الحلول السياسية فواهم من يعتقد انها موجودة فعلياً بعد استقالة حكومتين والثالثة لا يبدو انها ستجد طريقها الى النور في ظل إحكام الظروف الاقليمية والدولية قبضتها على الوضع اللبناني بشكل تام.
وإذا كانت التطورات السياسية والامنية تتالت بشكل مضطرد، وصولاً الى تفجير مرفأ بيروت في 4 آب 2020، فإن الحائط الذي يقف لبنان امامه، اقتصادياً وسياسياً، يبدو مسدوداً بإحكام تام، مما ينذر بالأسوأ قريباً.
وقد توقعت مجلة the economist في تقرير لها مطلع السنة، أن ينكمش اقتصاد لبنان العام 2021، 6,3% اضافية بعدما تقلص 20,7% العام 2020. علماً ان الاقتصاد اللبناني فقد نحو 34 مليار دولار من قيمته العام 2020 مع تفشي وباء كورونا وانفجار مرفأ بيروت، كما تعدّى الدين العام أكثر من 170 % من الناتج المحلي الإجمالي، بحيث بات لبنان في صف أكبر دول مدينة في العالم، مع ارتفاع معدلات التضخم الى مستويات قياسية.
وسط كل هذه الأزمات، ارتفعت حالات الإصابة بفيروس كورونا بشكل كبير بالتزامن مع عجز الحكومة عن فرض الإغلاق بشكل تام، لا في المرة الأولى في آذار 2020 مع اقفال مطار بيروت الدولي، ولا في الثانية، ولا بعد انفجار المرفأ، ولا في كانون الأول 2021… مما ادى الى مزيد من الشلل الاقتصادي من دون تحقيق الغاية المرجوة من اقفال البلد.
اذاً، ما هي مفاعيل الإقفال؟
يقول البروفيسور عجاقة ان الناتج المحلي اليومي في العام 2020 بات 49 مليون دولار بعدما كان قبل ازمة كورونا العام 2019، 147 مليون دولار كمعدل وسطي، مما يعني خسارة نحو 98 مليون دولار يومياً بسبب عملية اقفال انطلقت من معادلة الصحة او المال.
فالتراجع الاقتصادي بدأ يظهر باستخدام المواطن في المرحلة الاولى مدخراته – في حال كانت موجودة والتي لا بد ان تنتهي عاجلاً ام آجلاً – ثم من خلال الطبقة الفقيرة التي لا تملك اساساً اي مدخرات والتي تفتقد لأي مساعدة مالية من الدولية، مما رفع نسبة السرقات المرتبطة اساساً بالحاجة.
وابرز دليل على ذلك، ارقام قوى الامن الداخلي للعام 2020 مقارنة بالعام 2019:
– ارتفاع نسبة جرائم القتل بنسبة 59%
– ارتفاع عمليات السرقة بنسبة 63 % بمعدل 205 سرقات شهرياً.
– ارتفاع عمليات السلب بقوة السلاح بنسبة 125%
– ارتفاع نسبة سرقة السيارات بنسبة 82%
…. وفي ظل الوضع الأمني الهش الناجم عن الفقر المدقع بتوقف العجلة الاقتصادية، يبرز سؤال لا بد من طرحه: ماذا لو لم تؤد حملة اللقاح المرجو منها في تخفيض نسبة الاصابات او الوفيات، هل يبقى البلد مقفلاً وعجلته الاقتصادية متوقفة الى ما لا نهاية؟
البروفيسور عجاقة يستشهد بمثال هونغ كونغ التي استمرت عجلتها الاقتصادية بالتزامن مع التشدد في تطبيق الاجراءات الوقائية (كمامة، تباعد اجتماعي، تعقيم). فالمطلوب برأيه، اعادة فتح الاقتصاد وحماية انفسنا بأقل ضرر ممكن تزامناً مع تحقيق اصلاحات اقتصادية. والمهم اعادة تحريك العجلة الاقتصادية عبر اعطاء الناس حرية العمل وفق النظرة الليبرالية لإعادة الحياة الى الاقتصاد الذي يؤمن لقمة عيشهم.
فتداعيات كورونا كارثية، يقول عجاقة، وستعيد لبنان واللبنانيين 50 عاماً الى الوراء، اذ ان الخسائر الناجمة عنها باهظة، علماً ان هناك نوعين من الخسائر: المباشرة وغياب الفرص الاقتصادية اي بالفرنسية manque à gagner . واليوم لبنان يعاني من غياب الفرص الاقتصادية عبر توقيف الحركة الاقتصادية بعدما عانى من الخسائر المباشرة عبر تفجير المرفأ.
وما الذي قد ينتشل لبنان من كبوته؟
الكلمة السحرية التي يجب ان يستغلها لبنان هو اقتصاده الصغير الذي يساعده في تحقيق نمو سريع في فترة وجيزة نسبياً، خصوصاً ان الطبقة الوسطى اضمحلت وهي تتجه سريعاً لتصبح طبقة فقيرة.

النمو الاقتصادي وحده سيساعد لبنان على انتشاله من ازمته، يؤكد عجاقة. ففي العام 2020، كانت تقديرات الناتج المحلي الاجمالي 18 مليار دولار بعدما كانت وصلت الى 55 ملياراً في السابق. ويجب ان نسعى لرفع هذا الناتج في العام 2021 الى 20 ملياراً، مما يشكل نمواً من 2% وهو نسبة كبيرة الى الرقم السابق.
اما الحل برأيه، فيكمن في الاصلاحات الاقتصادية، ولا سيما منها:
1- تحرير الاقتصاد من الاحتكار.
2- وضع الدولة اللبنانية اراض ( الدولة تملك 25 مليون متر مربع من الاملاك النهرية) بتصرّف الصناعات الاولوية الغذائية كما الزراعة، بشروط من مثل ان تؤمن هذه المصانع 50% من انتاجها للسوق المحلية قبل البدء بالتصدير- وكما المدن الصناعية، مما سيؤمن خلق وظائف في قطاعات اخرى تابعة لقطاعي الصناعة والزراعة.
3- تشجيع السياحة في 10 بلدان موجودة فيها تجمعات للاغتراب اللبناني، انطلاقاً من فكرة ماكينزي من اجل جذب المغتربين الى وطنهم الأم. فتحويلات المغتربين الى ذويهم في لبنان كانت بما يقارب 7.9 مليار دولار، كما هؤلاء يصرفون لدى زيارتهم لبنان (فترات اعياد او عطل صيفية) اكثر من 7 مليار دولار سنوياً.
وبتحقيق هذه الخطوات الثلاث سيتمكن لبنان من اعادة خلق “ثروات مخلوقة” ناجمة عن الماكينة الاقتصادية.
فاقتصاد لبنان الصغير، يؤكد عجاقة، سيمكنه من استعادة حيويته بسرعة. فلنأخذ مثالاً الخسائر الفادحة الناجمة عن عدوان تموز العام 2006 والتي عوّض لبنان قسماً كبيراً منها بعد عام واحد فقط، محققاً نمواً تخطى نسبة الـ 7% بفضل تحريك العجلة الاقتصادية عبر استثمارات الخليج والعمل الداخلي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات