Search
728 x 90

ماذا يريد بوتين؟

ماذا يريد بوتين؟

ماذا يريد بوتين من حربه على اوكرانيا؟
هل اعادة امجاد الاتحاد السوفياتي السابق، ام مجرد اعادة اوكرانيا الى بيت الطاعة الروسي بعيداً عن اوروبا وحلف شمال الأطلسي فتشكل خطاً عازلاً بين “الناتو” وروسيا؟
بتحديد النيّة الروسية من غزو اوكرانيا يتحدد السيناريو المقبل الذي سيواجه العالم عموماً ومنطقة الشرق الأوسط خصوصاً.
فالمسألة كلها، يقول سفير لبنان السابق في واشنطن د. رياض طبارة لموقع beirutinsights تكمن في القراءة المتفائلة او المتشائمة لتطورات اوكرانيا.

بين القراءتين لتطورات اوكرانيا، هناك واقعة اكيدة هي عزلة روسيا التي كرسّها تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة والذي قضى “بأن تسحب موسكو على نحو فوري وكامل وغير مشروط جميع قواتها العسكرية” من أوكرانيا، وبإدانة بأشد العبارات “العدوان الروسي على أوكرانيا وقرار روسيا زيادة حالة تأهب قواتها النووية”.
القرار تبنّته الجمعية العامة بمجمل أصوات بلغ 141 (وافقت عليه من الدول العربية مصر والسعودية والإمارات العربية المتحدة والأردن والكويت وقطر والبحرين واليمن وليبيا وتونس وجزر القمر وموريتانيا والصومال وعمان ولبنان) من أصل 193 دولة عضو فيما عارضته 5 دول هي روسيا وبيلاروسيا وكوريا الشمالية وإريتريا وسوريا (الدولة العربية الوحيدة المعارضة للقرار) فيما امتنعت 35 عن التصويت من بينها الصين وايران والعراق والجزائر والسودان.
اللافت ان “الحلفاء” المفترضين لموسكو خذلوها بأقسى الطرق. ففي أحسن الأحوال امتنعوا عن التصويت مثلما فعلت ايران والصين والهند التي تربطها بروسيا علاقات عسكرية وثيقة.
اما في المباشر، فكانت الصفعة أقوى بالنسبة الى موسكو. فتركيا التي واجهت واشنطن متمسكة بصواريخ “اس 400” الروسية التي استحوذت عليها، صوّتت بإدانة موسكو، وهكذا فعلت اسرائيل – حليفة واشنطن طبعاً- لكن حليفة موسكو في التنسيق معها في ضرباتها للإيرانيين وحزب الله في سوريا.
وحذت الإمارات العربية المتحدة حذوهما، هي التي قيل عنها انها عقدت صفقة مع روسيا مقابل تأييدها القرار الأخير لمجلس الأمن الدولي الذي صنّف الحوثيين في اليمن بأنهم “إرهابيين”، موسعاً حظر الأسلحة بحيث يشملهم جميعهم من دون أي استثناءات.


فالعزلة الروسية هذه ستعيد حتماً حسابات موسكو في التطورات المقبلة على الصعيدين العالمي والاقليمي، اذ ان التأثيرات في كلا المحورين تتوقف على المدى المنظور لاتجاه العملية العسكرية الروسية، وفق ما اكد السفير رياض طبارة لموقع beirutinsights.
والسؤال الجوهري يكمن في الفترة الزمنية التي ستستغرقها العملية العسكرية الروسية والتي ستحدد ماهيتها عالمياً. فإذا طالت ولم تكن خاطفة، ستتحول الى حرب باردة.
وكل المؤشرات تدل الى ذلك، يقول السفير طبارة، بدءاً بالعقوبات الاقتصادية والتجارية الطويلة الأمد والتي لا يمكن عكسها بسهولة، وصولاً الى سعي الدول الأوروبية الى الاستغناء سريعاً عن الغاز الروسي. ويصب تصريح وزير نقل الطاقة الإيطالي أخيراً في هذا الاتجاه اذ قال “نسعى للاستقلال عن واردات الغاز الروسي في غضون 24 إلى 30 شهراً”، ناهيك عن العمل على تأمين واردات غاز من مصادر أخرى عبر المساعي الأميركية في هذا الاتجاه، اكان في اتجاه قطر ام أذربيجان وغيرهما.
كما ان الأمر يتوقف على نتيجة المعركة، فإذا نجحت موسكو في السيطرة على المدن الاوكرانية تكون حققت مبتغاها في قلب النظام الاوكراني لتأتي برئيس موال لها يؤمن وجود اوكرانيا كمنطقة عازلة مع دول “الناتو” تحمي حدود روسيا بعيداً. اما اذا تحوّل الأمر الى “حرب عصابات”، فإنها تكون دخلت بدوامة تضعف من موقفها ومن سلطة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
والوقائع التاريخية هنا، تأتي لتثبت هذا الطرح يقول طبارة، من حرب افغانستان التي استمرت 9 اعوام، الى حرب فييتنام والحرب الفرنسية- الجزائرية.
والوقائع التاريخية ايضاً تشكل مؤشراً الى تأثير الاخفاق الروسي على موقع بوتين داخل روسيا في ظل التظاهرات الشعبية التي سارت منذ اشهر ضده. فالعام 1905، يلفت طبارة، خسرت روسيا الحرب مع اليابان، فطار النظام الملكي فيها ليحل مكانه النظام الشيوعي. ومع هزيمة النظام السوفياتي في افغانستان العام 1990، انفرط النظام الشيوعي ليأتي بعده نظام ليبرالي اوصل بوتين الى سدة الحكم.
فكل شيئ يؤكد طبارة، يتوقف على كم ستدوم الحرب وكيف ستنتهي، مما يحتّم انعكاسات عالمية واقليمية ستغيّر موازين القوى حتماً في الشرق الاوسط. فعلى مستوى الاقليم، سيؤدي ضعف روسيا حتماً الى ضعف حلفائها الاقليميين، اي سوريا وحزب الله، علماً ان الموقف الايراني تميّز بقوة حيال الحرب الروسية – الاوكرانية، اذ ان طهران لم تكتف فقط بالإمتناع عن التصويت على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة، لا بل ذهبت الى التمييز في موقفها من مفاوضات فيينا حول الاتفاق النووي، قائلة على لسان وزارة خارجيتها ” اننا نسعى أن نبعد المحادثات في فيينا عن باقي الملفات بين أطراف الحوار”، وذلك رداً على طلب وزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف “ضمانات مكتوبة تحمي تعاون بلاده مع طهران من تأثير العقوبات الغربية التي فرضت على موسكو بسبب غزوها لأوكرانيا”، وذلك في محاولة للإمساك بالورقة الايرانية كورقة اساسية في وجه العقوبات الغربية على موسكو بعد غزوها اوكرانيا.
وكان سبق ان اعلن وزير الخارجية الإيرانية حسين أمير عبد اللهيان في 24 كانون الثاني 2022 أن بلاده “مستعدة للتفاوض مع الولايات المتحدة بشكل مشترك في حال تطلبت الضرورة ذلك من أجل تحقيق صفقة نووية جيدة”. واضاف ان “الالتقاء بشكل مباشر سيسمح بتواصل أكثر فعالية، وهو أمر ملح للتوصل سريعاً إلى تفاهم”.
من هنا، يقول طبارة، ان عرقلة روسيا لم يعد لها الوقع نفسه كما قبل في ظل الجو الايراني والاميركي والاوروبي الذي يميل الى التوصل بقوة الى اتفاق، علماً انها فعلت فعلها أخيراً بعد توقف مفاوضات فيينا في مراحلها النهائية “لأسباب خارجية” في حين حرص المتحدث باسم الخارجية الإيرانية سعيد خطيب زاده على التأكيد مجدداً “لن يؤثر أي عامل خارجي على رغبتنا المشتركة في المضي قدماً من أجل اتفاق جماعي”.
لكن في الموازاة، من المبكر الكلام على التأثيرات الاستراتيجية وتغيير موازين القوى في ظل المنحى الذي تأخذه العملية العسكرية الروسية التي تشير الى طول فترتها. وأبرز دليل على ذلك، يلفت السفير طبارة، يكمن في دعوة الرئيس الاوكراني الى التطوع الشعبي، ولا سيما بعد توقيعه قانوناً “يسمح لجميع الأوكرانيين باستخدام الأسلحة أثناء الأحكام العرفية”.
اما التحليلات التي تفضي الى ان الحرب الروسية- الاوكرانية قد تقود الى حرب اقليمية، فيستبعدها بقوة طبارة، اذ ان اللاعب الأساسي في المنطقة هو ايران التي لا تريد تفويت فرصة التوصل الى اتفاق نووي يخلصّها من العقوبات الاقتصادية الخانقة.


لكن الخوف، يؤكد طبارة، يكمن في ان تؤدي الحرب الاوكرانية الى حرب عالمية ثالثة. فالمهم ان نعرف ماذا يريد بوتين:
– اما اعادة امجاد الاتحاد السوفياتي السابق، وقد قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ان “انهيار الاتحاد السوفياتي قبل ثلاثة عقود كان نهاية روسيا التاريخية وما زال يشكل مأساة بالنسبة إلى غالبية المواطنين”. وحينها ستشكل اوكرانيا بداية العملية العسكرية التي ستنتقل الى دول البلقان وصولاً الى فنلندا. وهذا السيناريو يعني مواجهة “الناتو”، اذ ان الرئيس الأميركي جو بايدن سارع الى التصريح غداة دخول القوات الروسية الى الاراضي الاوكرانية إن “الولايات المتحدة ستدافع عن كل شبر من أراضي الناتو”، مؤكداً التزام بلاده الصارم بالمادة 5 من ميثاق الحلف. كما اعلن وزير الخارجية الاميركية انتوني بلينكن في 7 آذار 2022 “سندافع عن كل شبر من أراضي الدول الأعضاء في حلف الناتو”.
– اما رسم خط احمر مع دول الناتو من دول البلقان الى بيلاروسيا واوكرانيا وصولا الى كازاخستان، بحيث تكون السيطرة الروسية واضحة على هذه البلدان بعيداً عن اي تأثير غربي. وهذا ما سبق وقام به بوتين مرتين اخيراً، في كل من بيلاروسيا وكازاخستان يوم
ارسل جيشه ليعيد الامن اليهما، ومن ثم انسحب بعد تحقيق مأربه. وهذا الهاجس الروسي ليس جديداً، اذ كانت رئيسة المجلس الأعلى في البرلمان الروسي اكدت منذ نيسان 2018 أن “توسيع حلف شمال الأطلسي، ليضم أعضاء من دول البلقان، يقوّض الأمن والاستقرار في المنطقة”.
والسيناريو الأخير هو الأكثر ترجيحاً يؤكد طبارة، اذ ان بوتين لم يذكر يوماً انه ينوي توسيع الحرب لتطال بلداناً مجاورة، لا بل اكد وزير خارجيته اخيراً “لا نخطط لمهاجمة أي دولة أوروبية”.
لكن كل الخوف يختصر في معرفة ماذا يريد بوتين حقاً. لذا سعى الغرب – ويسعى- الى حصر العملية العسكرية بروسيا تفادياً لأي ارتدادات خارجية اوروبياً. وقد أكد الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس ستولتنبرغ اوائل آذار 2022 “لن ندخل في حرب ضد روسيا في أوكرانيا. ومن واجب حلف شمال الأطلسي ضمان عدم امتداد الصراع الدائر حالياً إلى خارج أوكرانيا”.
الا المسألة، كل المسألة – يؤكد طبارة- تكمن في معرفة اي سلوك سينتهج بوتين. هل سيكتفي برسم خط تمدد الناتو بعيداً من حدوده المباشرة، ام سيحذو حذو هيتلر الذي احتل تشيكوسلوفاكيا بعدما دخلها بحجة حمايته من “الحرمان” السكان من اصل الماني في منطقة سوديتنلاند. ومن ثم انتقل الى بولونيا… لتبدأ الحرب العالمية الثانية.
وقد سبق لبوتين ان تذرع بالحجة نفسها تقريباً ليعلن استقلال منطقتي دونيتسك ولوغانسك الانفصاليتين “ذات الغالبية السكانية الروسية” قبل الدخول اليهما عسكرياً وبدء التوسع في الاراضي الاوكرانية.
فهل يقرأ بوتين بالكتاب نفسه الذي قرأه هيتلر؟
الأمر يتوقف على قراءة متفائلة او متشائمة للتطورات في اوكرانيا، يؤكد السفير طبارة. فبوتين قد يمضي في السيناريوهين معاً: يكسب المعركة في اوكرانيا، ومن ثم يمضي في حلم اعادة احياء الأمجاد السوفياتية السابقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات