Search
728 x 90

مؤتمر دول الجوار العراقي : زخم لدور محوري اقليمياً

مؤتمر دول الجوار العراقي : زخم لدور محوري اقليمياً

يخشى ان يكون غياب لبنان وسوريا عن مؤتمر بغداد للتعاون والشراكة مؤشراً لعزلتهما. فلا يجلسان الى طاولة ترتيب المنطقة وفق قواعد جديدة تفرضها الوقائع السياسية والميدانية… بل يكونان على طاولة التفاوض.

من المهم بالنسبة الى مراقبين ديبلوماسيين ان يخرج العراق الى اظهار الرغبة في لعب دور اقليمي يعبّر في مرحلة رئاسة مصطفى الكاظمي عن القدرة على ان يجمع العراق دولاً محورية من اجل دعمه بعيداً من الدوران في فلك الكباش الاميركي – الايراني او الكباش العربي – الايراني باعتبارهما من العوامل المؤثرة في شلّ العراق كما دول المنطقة التي تعاني صراعاً مماثلاً.
فالكاظمي كان من بين المسؤولين العرب القلائل الذين زاروا واشنطن في الاشهر الاولى لولاية الرئيس جو بايدن على خلفية الاتفاق على خروج للقوات الاميركي بحلول نهاية السنة . وليس واضحاً ما اذا كان الانسحاب الاميركي الفوضوي من افغانستان سيترك تداعياته في تغيير روزنامة الانسحاب الاميركي من العراق، لكن من الواضح على الاقل في الاشهر الاخيرة اظهار العراق على تثمير جملة عوامل ايجابية بالنسبة اليه.
فهناك من جهة الزيارة التي قام بها البابا فرنسيس الى العراق في زيارة تاريخية اعطت وجها مختلفاً للعراق حيث بدا واضحاً ان هذا الاخير، وان كان يعاني من صراع اميركي – ايراني ولاسيما على خلفية سعي الميلشيات الموالية لايران من اجل الضغط لانسحاب اميركي يحصل تحت وطأة العمليات العسكرية، فإنه ينجح في اظهار قدرته على تجاوز هذه العوامل المعرقلة .
مؤتمر دول الجوار العراقي الذي تشارك فيه فرنسا في الدرجة الاولى وعدد من الدول المجاورة للعراق باستثناء سوريا التي لا يزال هناك تحفظات كبيرة ازاء الاعتراف الدولي والعربي بشرعية النظام من دون تنازلات لحل سياسي يقدمها هذا الاخير، من شأنه ان يعطي العراق زخماً في اتجاه اعادة الاعمار من جهة. كما انه يسهم في اعادة الزخم الى عودة الدول الخليجية الى العراق بعدما كانت هناك اندفاعة قبل اشهر ما لبثت ان خفّ وهجها بعض الشيء من جهة اخرى.
وليس قليلاً ان يطلّ العراق مجدداً في اتجاه اظهار قدرته على الدعم كدولة تنام على موارد نفطيّة مهمّة وان لم يتم حسن ادارتها في الاعوام الاخيرة. فالاتفاق الذي عقده العراق مع لبنان من اجل تزويده بمليون طن من الفيول لمساعدة الاخير على تجاوز مشكلة انقطاع الكهرباء وفي ظل انهيار مالي كبير ضرب مختلف مؤسساته اظهر قدرته على ان يكون نقطة تقاطع بين اميركا وايران على هذا الصعيد كما بينه وبين الدول العربية من حيث ان الدول الخليجية المؤثرة باتت يائسة من لبنان ولم تعد ترغب في تمويل اقتصاده كما في السابق.
ولذلك يأتي الفيول العراقي بمثابة بدل عن ضائع ولا سيما انه يشكل سنداً وبديلاً من نفط ايراني يدفع ” حزب الله” من اجل استيراده الى لبنان متحدياً العقوبات الاميركية عليه وعلى ايران . ولكن المماحكات السياسية اللبنانية تركت المجال عبر التأخير في اجراء المناقصات اللازمة لاستيراد النفط العراقي للحزب للمضي قدماً في سعيه الى الاتيان بالنفط الايراني.
ونجح العراق في محاولته حتى الآن ان يكون نقطة تقاطع مصالح بين المتصارعين من خلال لعب دور في مفاوضات بين ايران والمملكة السعودية فيما سلكت احاطته من دول عربية كمصر والاردن قدماً جنباً الى جانب الاستمرار في اعلان انه لن يودّ ان يكون حلبة للمتصارعين او صراع المحاور. وهذه نقطة بالغة الايجابية بالنسبة اليه حتى لو ان ذلك لا يعني نجاحه كلياً في تحقيقها .
يستعيد العراق البعض من دور له يقتطعه من دول المنطقة العربية منها او من ايران فيما يستعدّ كذلك الى اجراء انتخابات من المرجح ان تعطيه زخماً اضافياً فيما لو جرت وفق المعايير الشفافة والنزيهة.
وهذا تحدّ مهم امام العراق ولكن من شأنه ان يعطي نتائج مؤتمر دعم العراق ابعاداً طويلة الامد على صعيد اعادة اعمار العراق الذي تجد فيه فرنسا تعويضاً معنوياً عن الاحباط الذي واجهها في لبنان من خلال الدفع الى حل لتأليف حكومة منذ ما يزيد على العام بعد انفجار مرفأ بيروت في آب 2020 فيما تجد الدول العربية فرصة لاعادة استيعاب العراق من ضمن محيطه العربي، ما هو مزعج لايران التي حضر وزير خارجيتها الجديد معترضاً على عدم دعوة سوريا الى المؤتمر. اذ في المشاركة بدت الكفة راجحة للدول العربية وفرنسا في مقابل ايران وحدها من دون سوريا او حتى لبنان. واذا كان مفهوم عدم رفع الحظر عن بشار الاسد ولا سيما ان واشنطن حاضرة في كواليس المؤتمر ولو انها لا تشارك فيه، يمكن القول ان لبنان تلقى صفعة قوية ولا سيما رئيس الجمهورية باعتبار ان لا حكومة فاعلة يمكن دعوتها فتشارك في المؤتمر. عدم دعوة الرئيس عون مؤشر سلبي يجب ان يُقرأ على خلفية الاستياء العربي منه في شكل خاص من عدم اطلاق سراح الحكومة التي تقع عرقلتها لديه نتيجة اصراره على مطالب لا يمكن القبول بها. ولعلّه عقاب ضمني من فرنسا ايضاً باعتبارها شريكة في مؤتمر العراق الى جانب هذا الاخير. وهو امر سلبي جداً يعبّر عن احتمال مقاطعة خارجية ستتزايد لرئاسة الجمهورية ولا سيما مع دخول عهد عون في سنته الاخيرة، كما هو سلبي لجهة تصنيفه في سلّة واحدة مع الرئيس السوري علماً ان هناك عقوبات اميركية واوروبية على الاخير .
يعتقد البعض ان مؤتمر بغداد للتعاون والشراكة يمكن ان يطلق شرارة من شرارات ترتيب المنطقة على قواعد جديدة تفرضها الوقائع السياسية والميدانية. وغياب لبنان وسوريا انما يخشى ان يعني انهما معزولان ولا يجلسان الى الطاولة من اجل التفاوض معهما بل ان وضع كل منهما ليس محسوماً، مما قد يعني بالنسبة الى هؤلاء خطورة ان يكون البلدان على الطاولة بدلاً من الجلوس اليها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات