Search
728 x 90

مؤتمر تأسيسي او مثالثة… هل يأكل اللبناني بنود دستور؟

مؤتمر تأسيسي او مثالثة… هل يأكل اللبناني بنود دستور؟

بين دعوة رئيس التيار الوطني الحر الوزير السابق جبران باسيل الى ايجاد نظام سياسي جديد للبنان، وبين اقتراح سابق للأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله بالتوصل الى مؤتمر تأسيسي ، ترتفع اكثر من علامة استفهام حيال ما اعتبره اكثر من مراقب سياسي سعي مبطّن للمثالثة.
لماذا العودة الى هذا الطرح اليوم بعدما كان ظهر “على هبّات” منذ مؤتمر سان كلو العام 2007.
ما الفائدة من اثارة تعديل الدستور فيما البلاد في القعر، لا حكومة تدير شؤونها، الأزمات المالية والاقتصادية والصحية تكبر مثل كرة الثلج، امن الشارع يكاد يتفلت نهائياً، الفساد مستشر في كل ادارات الدولة وما من يحاسب او يقاضي… والأسوأ ان الانقسام العمودي بين مختلف افرقاء الساحة اللبنانية غير قابل للمعالجة في المستقبل المنظور فيما لبنان متروك لمصيره من دون اهتمام خارجي مثمر.

… منذ الـ2007

لم تمر مرور الكرام دعوة رئيس التيار الوطني الحر الوزير السابق جبران باسيل في 11 كانون الثاني 2021 الى ايجاد نظام سياسي جديد للبنان حين قال ان “الحل لمشاكل لبنان الحالية هو عقد حوار وطني ينتج عنه تصوّر لبناني مشترك لنظام سياسي جديد يضمن الاستقرار بالبلد”، لا بل اعادت الدعوة الى الواجهة اعلانه السابق قبل اكثر من شهرين وتحديداً في 13 تشرين الأول 2020 ان ” الطائف (1) دستور وليس كتاب مقدّس! ولا هو قدر محتوم، لنبقى عايشين ببلد نظامه متخلّف” مضيفاً “ما في إمكانية للعيش والاستمرار مع هذا الدستور النتن والعفن، الذي أتانا بالدبّابة، وكمّل علينا بالفساد وهلّق بدّو ينهينا بالجمود والموت البطيء!”
فالدعوة هذه ليست جديدة ابداً انما كانت تُرجمت في 1 حزيران 2012 باقتراح الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله في الذكرى السنوية الـ 23 لرحيل الإمام الخميني في قصر الاونسكو ” أن نقيم مؤتمر حوار وطني، ومؤتمراً تأسيسياً وطنياً في لبنان، كالمؤتمرات في بعض الاماكن في العالم العربي (…) يمكن أن ننتخب مؤتمراً تأسيسياً، ليس على أساس طائفي بل على أساس شرائح ونسب مئوية، لديه مهلة 6 اشهر او سنة، لمناقشة كل الخيارات”.
المؤتمر التأسيسي هذا يدعو الى نسف النظام اللبناني القائم على المناصفة وفق الدستور اللبناني، بغية الذهاب الى نظام جديد يتعدى المناصفة وصولاً الى المثالثة، كما أكد أكثر من مصدر سياسي متابع. وكما قال رئيس التيار الوطني الحر يومها العماد ميشال عون في حديث الى قناةة “المنار” في ايار 2014 “يجب أن نكون كالمثلّث المتساوي الأضلاع. 3 أقطاب يمكن أن يشكلوا مثلثاً، أي السيد حسن نصر الله والرئيس سعد الحريري وأنا، بحيث لا نستطيع أن نفكك هذا المثلث ونرمي كل قطعة في مكان، بل يجب أن نكون مرتبطين ببعضنا”.
ثم عاد وطالب رئيس “الحزب الديمقراطي اللبناني” طلال أرسلان في 8 ايلول 2016 بالطرح نفسه قائلاً “في أيّ بلد من بلدان العالم، حين يصل النظام السياسي إلى مأزق فيتعطل بالكامل، كما هو حاصل عندنا، يتم اللجوء إلى مؤتمر تأسيسي لصياغة نظام جديد”.
وقد ظهر طرح المؤتمر التأسيسي، ومن ورائه “المثالثة” قبل دعوة نصر الله بخمسة أعوام مع التحضير لمؤتمر سان كلو (2) ، اذ نقلت صحيفة الشرق الأوسط في 25 ايار 2014، عن “مصدر مطلع في 14 آذار” ان المبعوث الفرنسي جان كلود كوسران نقل الى المسؤولين اللبنانيين خلال زيارته إلى لبنان في حزيران 2007، “تبلغه من الإيرانيين باقتراح إعادة توزيع السلطة على قاعدة المثالثة وليس المناصفة مقابل تسليم حزب الله لسلاحه”. وهذا ما حدا بأول المتحدثين في مؤتمر سان كلو في تموز 2007 الوزير مروان حمادة، الى التأكيد لدى تكرر هذا الطرح مرة ثانية “على ضرورة تطبيق اتفاق الطائف بكامل بنوده، وتحديداً المناصفة بين المسيحيين والمسلمين».
صحيح ان رئيس اللقاء الديمقراطي النائب السابق وليد جنبلاط قال في 12 تشرين الثاني 2018 “بالامس انتهى الطائف”، وعاد وأكد في 20 تشرين الثاني 2019 ان “العهد كله كمنظومة سياسية انتهى، وكذلك اتفاق الطائف ” الا انه قال ايضاً في 2 ايلول 2020 ” التغيير عن الطائف لا اقبله لكن اذا اصحاب العلاقة يريدونه فهذا شأنهم ولم أسمع بدعوة لنقاشه في بعبدا أنا مع الطائف ولن أشارك الله يوفقهم”.
فهل التوقيت اليوم ملائم لتعديل الدستور خصوصاً بعد التراشق الكلامي بين رئاسة الجمهورية ورئاسة المجلس النيابي حول الجهة المؤهلة لذلك. هل هي المجلس الدستوري ام مجلس النواب؟ وبعد تأكيد البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي في 15 آب 2020 ان ” تطوير النظام ينطلق من تحسين آليّات العمل الدستوري والمؤسّساتي لا من تعديل الأديان والشراكة المسيحية الإسلامية، مشدداً على ان “ثوابت لبنان كلٌّ لا يتجزَّأ. الانقلاب على جزءٍ هو انقلابٌ على الكلّ. إنّ المسَّ بأسُس الشراكة هو مسٌّ بالكيان. ونحن متمسّكون بالكيان وبالشراكة “… كما قوله في 25 كانون الثاني 2021 ان “الدستور وضع للتطبيق لا للسجال، وليكون مصدر إتفاق لا مصدر خلاف”.
مصدر مسيحي مسؤول مقرب من بكركي يؤكد لموقع beirutinsights ان الوقت اليوم وقت تأليف حكومة ومعالجة الوضع المالي، والدليل ان الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون تراجع فوراً عن قوله “يجب بناء نظام سياسي جديد في لبنان قائم على الوحدة الوطنية” لدى جمعه الأفرقاء اللبنانيين في السفارة الفرنسية في بيروت في تشرين الثاني 2020 بعد انفجار 4 آب 2020.
فما “حدا بياكل دستور وبنود دستور” يؤكد المصدر المسيحي عينه، مضيفاً ان هذا الطرح اليوم هو “هروب الى الأمام منعاً لتشكيل حكومة وتقديم اوراق اعتماد عند حزب الله تحت شعار “انا المرشح الرئاسي الأفضل. فالحزب يريد تغيير النظام اللبناني ليصبح الحكم في يده، وليس في يد المسيحي او السني”. ثم من سيدعو الى مؤتمر تأسيسي ومن سيجلس الى طاولة المفاوضات او الحوار، فيما فقدت القيادات اللبنانية، من أعلى الهرم الى أسفله، ثقة الشعب، ناهيك عن ان ما من جهة سياسية ستقبل بأن تُعطى طائفة ما او زعيم لها، القرار او الفضل لهذا الطرح.

طبيعة النظام

من جهته، يؤكد نائب رئيس تيار المستقبل النائب السابق مصطفى علوش لموقع beirutinsights ان ” طرح تعديل جوهري في النظام غير تعديل اتفاق الطائف سيعني حتماً الذهاب الى تغيير طبيعة النظام بالكامل، وتوقيت طرح هذا الموضوع اليوم هو لأننا وصلنا الى الافلاس، فما من جهة تستطيع الاتكال على جهة اخرى. ومن يطرح ذلك من بات خاسراً كل شي، وليس ما لديه ان يخسره اكثر. انه هجوم الى الأمام”.
“صحيح ان تيار المستقبل ليس لديه عقدة “مؤتمر الطائف او لا شيئ” – يؤكد علوش- فلنذهب الى المجلس النيابي ونعدل الثغر الموجودة في الطائف. اما الذهاب الى عقد وطني جديد فلا يتم عادة الا بعد صراع دموي كبير، مما يفتح شهية الطوائف كلها للمطالبة بحقوق لها، اكانت شيعية ام سنية ام درزية ام مسيحية.”
اما اذا كان الطرح اليوم المثالثة في النظام من خلال مؤتمر تأسيسي، فماذا يبقى للمسيحي بعدما يكون قد تخلى عن الـ “6 و6 مكرر” وعن المناصفة؟
يؤكد علوش ان الحل سيكون حينها ذهاب كل طائفة في سبيلها. فبدلاً من طرح اللامركزية الموسعة، سيكون الطرح الفدرالية التي قد تؤدي الى التقسيم الفعلي. فالتغيير الجذري في النظام يرادف عادة التغيير الجذري في السلطة التنفيذية، اذ ان ما ادى الى نشوء المشكلة في الأساس هو الاختلاف بين الطوائف، والمنطق يقضي بإيجاد حل لهذه المشكلة عبر تولي كل طائفة حكم ذاتها.
بالتأكيد – يجزم علوش- المسيحيون سيكونون الخاسرين الأكبر في المثالثة. فحصة الشيعي كما السنّي ستزيد على حساب الحصة المسيحية.
وفي الموازاة، يوافق المصدر المسيحي المذكور اعلاه علوش بقوله ان المؤتمر التأسيسي قد لا يؤدي فقط الى المثالثة انما قد نذهب الى تقسيم البلد، اذ دستورياً ترادف الكلمة الفدرالية او الكونفدرالية. ولم ليس مرابعة ومخامسة؟ وماذا نفعل بالدروز حينها؟


اما من الناحية القانونية، فيؤكد الخبير في الشؤون الدستورية النائب السابق د .صلاح حنين لـ beirutinsights ان القضية ليست قضية دستور، اذ ان الدستور جيد ودوره تنظيم علاقة العمل بين المؤسسات وفي داخل كل منها… الا ان الحكام هم من أفسدوا كل شيئ عبر عدم التطبيق السليم له بعدما باتوا أسرى جشعهم وحقدهم. فالدستور يتكلم عن التوازن بين الطوائف وعن الكفاءة والاختصاص، وليس عن المحاصصة والفيتوات والزبائنية، والدليل هي المادة 95 (3) منه التي تختصر كل هذه الميزات. اذ ان هذا الدستور بالذات لو طًبّق من قبل سياسيين كفوئين ومخلصين يحبّون وطنهم ويعملون له بصدق لكان من دون اي ثغرة. وفي المنطق المعاكس، لو أتينا بأفضل دستور مثالي ووضعناه بين ايدي سياسيين يهمّهم فقط النفوذ والمال… لفشل.
فطرح المؤتمر التأسيسي اليوم يقول حنين، “يشبه من يحمل مطرقة ليدمر بناء قائماً مهما كان مهترئاً وبالياً… من دون شراء ارض جديدة ولا وضع خرائط لها ولا التخطيط لأسسها. وكأنهم يدمرون الموجود فيما لا يعرفون ما هو البناء الجديد الذي سيشيّد مكانه. أضف الى ذلك ان هذه المجموعة التي تريد هدم البناء القائم لا تملك اي قيادة واعية او حكيمة او معرفة او رؤية مستقبلية”.
اما اذا تكلمنا عن مثالثة او مرابعة ومخامسة، يضيف حنين، فمن هو ذاك الذي سيطرح بنود المؤتمر، وعلى أي أساس. هل هي الأحزاب السياسية الراهنة التي اوصلت البلد الى ما هو عليه. ثم بمن نثق، ومن هو المشرّع الذي سيكون أفضل من مشرّعي الدستور، اكان لما تمّت صياغته العام 1926 ، ومن ثم التعديلات عليه العام 1943، وفي ما بعد الطائف العام 1989.”

إذا، من يفسّر الدستور ومن يعدّله؟ المجلس الدستوري، كما قال الرئيس ميشال عون، ام المجلس النيابي، كما قال الرئيس نبيه بري؟
للمجلس الدستوري مهمتان لا ثالث لهما وفق نظامه الداخلي، يقول حنين: “ان ينظر بالطعون الانتخابية وبالمراجعة بدستورية القوانين. والمجلس النيابي، اي المشرّعون هم وحدهم يفسّرون الدستور. الا ان هنا ايضاً تتدخل السياسة، لأن كلٌ يفسّر مواد الدستور على هواه ووفق مآربه الشخصية والحزبية والسياسية… من دون أي نيّة بالنظر الى مصلحة المواطن وهيبة الدولة وأحقّية القوانين”.
حنين ختم قائلاً: فلنغيّر من أوصلنا الى هنا قبل تغيير الدستور. ولنذهب الى المواطنة التي تحترم التوازن بين الطوائف والى الغاء الطائفية، ومن ثم الطائفية السياسية، بدلاً من السعي الى المثالثة والمحاصصة والاتجاه الى مزيد من المذهبية.

المراجع

1- اتفاق الطائف تم التوصل اليه في المملكة العربية السعودية في 30 ايلول 1989 في مدينة الطائف. وأنهى الحرب اللبنانية، حضره 62 نائباً لبنانياً من أصل 73 . فتغيّب 8 نواب، 3 منهم قاطعوا لأسباب سياسية وهم ريمون اده وألبير مخيبر وأميل روحانا صقر.
2- مؤتمر سان كلو تم في قصر لاسيل الفرنسي تمّ برعاية ومشاركة وزير الخارجية الفرنسية برنار كوشنر، وهو جمع نحو 30 سياسياً يمثلون القادة اللبنانيين لإحياء الحوار بين الافرقاء اللبنانيين في محاولة لتجاوز أزمة سياسية اندلعت مع استقالة وزراء المعارضة من حكومة فؤاد السنيورة في تشرين الثاني 2006.
3- المادة 95 من الدستور المعدلة العام 1990 وفق اتفاق الطائف، بدأ تاريخ العمل بها في 21 ايلول 1990 تنص على:
“على مجلس النواب المنتخب على اساس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين اتخاذ الاجراءات الملائمة لتحقيق الغاء الطائفية السياسية وفق خطة مرحلية وتشكيل هيئة وطنية برئاسة رئيس الجمهورية، تضم بالاضافة الى رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء، شخصيات سياسية وفكرية واجتماعية. مهمة الهيئة دراسة واقتراح الطرق الكفيلة بالغاء الطائفية وتقديمها الى مجلس النواب والوزراء ومتابعة تنفيذ الخطة المرحلية. وفي المرحلة الانتقالية:

أ- تمثل الطوائف بصورة عادلة في تشكيل الوزارة.

ب – تلغى قاعدة التمثيل الطائفي ويعتمد الاختصاص والكفاءة في الوظائف العامة والقضاء والمؤسسات العسكرية والامنية والمؤسسات العامة والمختلطة وفقا لمقتضيات الوفاق الوطني باستثناء وظائف الفئة الاولى فيها وفي ما يعادل الفئة الاولى فيها وتكون هذه الوظائف مناصفة بين المسيحيين والمسلمين دون تخصيص اي وظيفة لأية طائفة مع التقيد بمبدأي الاختصاص والكفاءة.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات