Search
728 x 90

لماذا لا نثور؟

لماذا لا نثور؟

باستثناء ثورة 14 شباط 2005 التي اطاحت بالوصاية السورية والتي تختلف ظروفها السياسية المحلية والخارجية عما يحدث اليوم، لم يشهد لبنان اي ثورة شعبية حقيقية عارمة رغم الظروف الراهنة التي لا تحتمل، ورغم سرقة مدخرات مواطنيه من المصارف، وتجريدهم من ابسط حقوقهم المعيشية، ورميهم في مرتبة ما دون خط الفقر، ودفعهم الى الهجرة، وجعلهم يقفون في صفوف الذل للحصول على ليتر بنزين او رغيف خبز بات سعر كل منهما بعيداً عن امكاناتهم.
فلماذا لا يثور اللبناني اليوم؟

إذا كان صحيحاً ان 2 % من المودعين فقط، هم من يملكون أكثر من 500 ألف دولار، فهذا يعني ان 98% من الموطنين مصنفون مودعين صغاراً محجوزة اموالهم في المصارف اللبنانية ولا يستطيعون اللجوء اليها لدخول مستشفى او شراء دواء او حتى شراء ربطة خبز.
فلماذا لا يثور هؤلاء على طغمة سياسية مجبولة بالفساد، اكلت الأخضر واليابس، سلبتهم منذ اكثر من ثلاثين عاماً مستقبلهم واحلامهم واي امل بغد افضل لأولادهم؟
صحيح ان ثورة 17 تشرين الأول 2019 او الانتفاضة الشعبية او الاحتجاجات (مهما كانت التسمية) خُنقت في مهدها بعدما تم خرقها ولعب على وتر المذهبية فيها وتعنيف الكثير من المشاركين فيها، فشُرذمت الجهات التي شاركت فيها وتم تشتيت أهدافها المطلبية لأكثر من سبب، الا انها كانت حتماً طلقة الرحمة التي اجهضت وستجهض اي تحرك شعبي مستقبلي احتجاجاً على واقع مأسوي لم يرحم اي طبقة شعبية وسطى وما دونها.
فالناس يغضبون اكثر بكثير مما يتمردون… ونادراً ما يتحول التمرد الى ثورة، كما قال احد علماء الاجتماع العصريين، اذ ان المحرك الأساسي لأي ثورة هو الأمل: امل بالتغيير الحقيقي، بقلب الطاولة، بتبديل الطبقة الحاكمة، بالقضاء على القوانين المجحفة، بنيل الحقوق الأساسية للحياة الكريمة. الا ان الثورات العصرية الأخيرة، ولا سيما منها ثورات الربيع العربي لم تحقق الا القليل القليل من شعاراتها، لا بل فشلت في غالبية الأحيان فشلاً ذريعاً في تحقيق مآربها باستثناء ثورة تونس ربما، علماً ان الرئيس التونسي قيس سعيد يعمل على تقويض نتائج الثورة عبر اتخاذه تدابير استثنائية قضت بحل البرلمان وهيئات دستورية أخرى، فضلاً عن تعليقه العمل بمعظم مواد الدستور. وتكفي هنا الاشارة الى الثورة السورية اخيراً التي اعادت ترسيخ نظام بشار الأسد بعد تدمير البلاد، وسقوط مئات آلاف القتلى وتشريد عشرات ملايين السوريين في البلدان المحيطة بوطنهم الأم.
فالمنطق العلمي يقول ان اي تحرك جماعي احتجاجي يطرأ عندما تجمع المصالح المشتركة الناس الذي يتقاسمون الشعور بالحرمان والغبن، بحيث يكون الغضب المحرك الذي يوحدهم كما التطلع الى قدرتهم على إحداث فرق جوهري في ما يعانون منه.
الا ان هذا المنطق غالباً ما تنقضه الوقائع الفعلية ولا سيما في لبنان. فالغضب والشعور بالحرمان والمصلحة المشتركة في القتال للحصول على الحقوق يجب ان تشكل المحرك الذي يدفع الناس للخروج الى الشارع، لقطع طريق، لحرق دواليب… لكنها فعلاً لا تجعلهم يحركون ساكناً. لماذا؟
يعزو علماء الاجتماع الأمر الى 7 عوامل اساسية:

1 – الخوف من المخاطر: وهذا العامل بعيد كل البعد عن البرغماتية لا بل يتعلق بالشعور وبالعواطف التي تتحكم بأي تصرف خارجي. فـ “ما من عاطفة تسرق العقل من كل قوى التصرف والتفكير بشكل فعال مثل الخوف”، يقول الفيلسفوف المعاصر والاقتصادي ادموند بورك. ثم هناك علاقة تفاعلية سلبية بين الشعور بالخطر والعمر، اذ ان المجتمعات الهرمة غالباً ما تتفادى اي مخاطر او تمرد… والمجتمع اللبناني بات يعاني من هجرة شبابه بشكل مريع ليتحول مجتمعاً قوامه مجموعة من المتقدمين في السن او حتى الهرمين.
فمؤسسة لابورا احصت هجرة نحو 230 ألفا – غالبيتهم العظمى من الشباب – خلال الأشهر الأربعة التي سبقت تشرين الأول 2021، ناهيك عن ان 90% من اللبنانيين الحاملين لجنسيات أجنبية غادروا لبنان في أيلول 2021. ونشر “مرصد الأزمة”، التابع للجامعة الأميركية في بيروت، تقريراً في تلك الفترة وصف الهجرة اللبنانية بأنها “موجة الهجرة الثالثة” (الهجرة الأولى من 330 الف لبناني حتى الحرب العالمية الأولى بين 1865 و 1916. والهجرة الثانية من 990 ألفاً خلال الحرب اللبنانية بين1975 و 1990).

2– الافتقاد الى القيادة: وهذا يؤثر على السلوك الجماعي للناس، بحيث ان غياب القائد يجعل كل مواطن ينتظر غيره للتحرك في الشارع. وهذا ما أكد عالم الاجتماع الاميركي Mark Sanford Granovetter حين قال ان الناس يزنون بعناية كلفة مشاركتهم وفوائدها المحتملة عند اتخاذ قرار بالمشاركة في الاحتجاجات أم لا. (1) وهذا ما حصل فعلاً في انتفاضة 17 تشرين التي لم تنجح في توحيد قياداتها المشرذمة في أهدافها ومآربها.

3– الافتقاد الى الأمل: والأمل يرادف هنا الاقتناع بأن التغيير ممكن في الأساس. فيلقي بعض علماء الاجتماع اللوم في الافتقاد لهذا الشعور على الدين الذي يجعل الناس يؤمنون تلقائياً بأن مصيرهم – مهما كان قاسياً – هو محتم. فيقبلون بنتائجه السلبية من دون تمرد. يضاف الى ذلك الظروف السياسية الراهنة التي لا تترك اي أمل في التغيير اكان بالنسبة الى التوريث السياسي بحيث ان العائلات تتكرر نفسها تقريباً في المجلس النيابي وفي المراكز القيادية العليا الحزبية والسياسية والاقتصادية، ناهيك عن قانون انتخابي معروفة نتائجه سلفاً، اذ فُصّل على قياس الطبقة الحاكمة بالتمام. ثم ان خسارة عزيز او صديق في احتجاجات شعبية سابقة ستجعل حتماً الأمل يختفي من حصول اي تغيير من دون دفع ثمن غير مضمون النتائج وباهظ معنوياً. وما انفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020 سوى ابرز دليل على ذلك، اذ ان المسؤولين لا يزالون مجهولي الهوية والتحقيق العدلي لا يزال عاجزاً عن استكمال عمله، لا بل اسوأ من ذلك، ان المتهمين بالتقصير مرشحون للانتخابات النيابية ويرفضون المثول امام القاضي لاستجوابهم.

4 – تبرير النظام: انطلاقاً من القناعة ان العمل الفردي لن يحدث فرقاً في نظام سياسي وقضائي وعدلي سائد منذ عشرات السنين ولم يستطع احد المسّ ببند منه قيد انملة. لذا، من السهل الرضوخ الى هذا النظام قياساً للتهديدات الشخصية والمخاطر التي قد تواجه الشخص. وتأتي هنا عشرات الأمثلة يومياً لترسّخ الاقتناع بأن الوضع في لبنان “فالج لا تعالج”، فلا فضح السمسرات ولا كشف صفقات الفساد والهدر وسرقة المال العام قادت يوماً مسؤولاً الى المحكمة او الى السجن.

5 – الرضوخ للأمر الواقع والانحياز الى مبدأ الاغفال: انطلاقاً من مبدأ ان القليل من السكينة الراهنة افضل من اي نشاط مجهول النتائج والانعكاسات. فالارتداد السلبي لأي حدث سيكون وقعه افضل على الشخص اذا لم يكن ناجماً عن عمل هو قام به. وهذا ينطبق تماماً على الاحتجاجات الشعبية التي لا يعرف المشارك بها اذا كانت عواقبها افضل من الواقع الذي يعيشه اليوم. وافضل مثال على ذلك انتفاضة 17 تشرين التي بدأت رفضاً لـ 4 دولارات ضريبة على “الواتسآب” وانتهت – فعلاً او افتعالاً- بارتفاع جنوني ومضطرد للدولار اطاح بالإقتصاد جذرياً.
6 –الطائفية: وهي علّة العلل في لبنان، اذ يتم توظيفها من قبل الطبقة السياسية والحاكمة لتحقيق مآربها. فكانت المحرك لنزع صفة الوطنية عن انتفاضة 17 تشرين عبر ابرازها على انها ثورة مسيحية- سنّية لاستهداف الشيعة. فمن منّا لا يتذكر موجات “الموتوسيكلات” التي كانت تخرج من الضاحية الجنوبية مستهدفة ساحة الشهداء حيث المعتصمون يتجمعون، ومن لم يسمع هتافات “شيعة، شيعة” في وقت ان معتصمين كثراً كانوا من الطائفة الشيعية. الا ان المذهبية لعبت دورها هنا في تفريغ الانتفاضة من شموليتها الوطنية لتظهرها على انها مقتصرة على طائفتين او ثلاث دون الرابعة.

ثم ان الطائفية تكون جوهرية في المحاسبة لمكافحة الفساد وتحقيق الاصلاح. فتلعب لعبة الـ “6 و6 مكرر” فعلها هنا ايضاً، بحيث ان القبض على مختلس مسيحي يفترض قبالته مختلساً مسلماً، والعكس صحيح.

7- وسائل التواصل الاجتماعي، وهي تسمح بالثورة عبر الكلمات والشعارات من دون تعريض صاحبها لأي مخاطر جسدية، اللهمّ الا حين يتعرض لرموز سياسية معينة تستقوي، إما بالسلاح وإما بنظام قضائي مطواع بين يديها. فيشعر من يثور على “فايسبوك” او “تويتر” او غيرها من التطبيقات انه يشترك في عمل جماعي “مهم” خصوصاً اذا وجدت تعليقاته او تغريداته رواجاً واسعاً على هذه الوسائل.

يضاف الى هذه العوامل السبعة، عامل ثامن ينطلق من مبدأ ان تثبيت اي نظام حكم جديد يفترض القضاء على مقاومته. والقضاء على المقاومة هنا لا يفترض استعمال القوة، انما الاطاحة بالمقاومة المعنوية عبر حرف المطالب عن هدفها الأساسي. فيركز المواطن اهتمامه على تأمين رغيف الخبز – حتى لو ارتفع سعر الربطة اضعافاً – في ظل ازمة طحين مزمنة، او علبة دواء غائبة عن رفوف الصيدليات، حتى لو رُفع الدعم عنها وبات سعرها يوازي ربع راتب موظف يتقاضى الحد الأدنى للأجور… او حتى صفيحة بنزين مفقودة من الأسواق، حتى لو بات سعرها نصف مليون ليرة.

وكما قال الفيلسوف الاجتماعي Gerard Hendrik Hofstede، صاحب “نظرية الأبعاد الثقافية”: “تستمر السلطة فقط حيث تقابلها الطاعة” (2). والطاعة تنبع تلقائياً ايضاً من الانخراط في الموجة الشعبية السائدة، اي في “تطبيع” السيئ كي يصبح “عادياً” وليس استثنائياً، مثل الاعتياد على الوقوف في الصف ساعات للحصول على صفيحة بنزين مثلاً، او على تقاضي ربع قيمة مدخرات الدولار بالليرة اللبنانية، او على غياب الكهرباء وتقنين المولدات… الأمثلة كثيرة وكثيرة والانصياع الطوعي للظروف المعيشية والاجتماعية المفروضة علينا أكبر وأكبر.

المراجع
(1) Granovetter, M. (1978). Threshold models of collective behavior. American Journal of Sociology, 83(6), 1420-1443.
(2) Hofstede, G., Hofstede, G. J., & Minkov, M. (2010). Cultures and organizations: Software of the mind (3rd ed.). McGraw Hill Professional.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات