Search
728 x 90

لعبة بلياردو في العقوبات على ايران بسبب الاحتجاجات

لعبة بلياردو في العقوبات على ايران بسبب الاحتجاجات

في الوقت الذي كان ينتظر الاعلان عن المضي في مفاوضات العودة الى العمل بخطة العمل المشتركة او هو ما معروف بالاتفاق النووي مع ايران او نسفه كلياً – وهو امر لا يبدو ان اياً من الدول في وارد التجرؤ على ذلك لانه يفتح افاقاً لتصعيد لا قبل لاحد بتحمله – باتت ايران وجهة لعقوبات غربية جديدة.

العقوبات الغربية باتت على وقع عاملين. الاول ما يتصل بفرض عقوبات اوروبية واميركية على المسؤولين في ايران عن قمع الاحتجاجات الشعبية . وقد قدمت المانيا اخيراً لائحة جديدة من الأسماء والكيانات الإيرانية إلى الاتحاد الأوروبي، لإضافتها إلى لائحة العقوبات على من تعتبرهم مسؤولين في إيران عن قمع الاحتجاجات الشعبية. وتضم اللائحة 31 اسماً وكياناً منها مؤسسات أمنية مسؤولة عن القمع.

وكانت وزيرة الخارجية الالمانية قالت في حديث تلفزيوني أن برلين وبروكسل تدرسان مدى إمكان إدراج “الحرس الثوري” الإيراني على لائحة الإرهاب الأوروبي. ويمكن لوزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي أن يتفقوا على لائحة العقوبات الجديدة في اجتماعهم المقبل في 14 تشرين الثاني . وتقع هذه العقوبات المرتقبة من ضمن ملف حقوق الإنسان، ولا دخل لها ببرنامج إيران النووي ولا الدعم العسكري الذي تقدمه طهران لموسكو.
هذه النقطة الاخيرة هي الجانب او العامل الاخر الذي يستفز الدول الغربية حيث قال وزير الخارجية الأميركية أنتوني بلينكن في اجتماعات مجموعة السبع في مونستر، إن دول المجموعة اتفقت على توسيع العقوبات على إيران في مجالين، هما حقوق الإنسان ودعم روسيا من خلال تقديم طائرات من دون طيار . ومع ان لا عقوبات فرضت على ايران بسبب دعمها لروسيا حتى الان ولا بسبب تراجعها عن المضي في اعادة احياء الاتفاق النووي، ما يترك الباب مفتوحاً امام عودة الديبلوماسية الى التحرك، فإن الدول الغربية تتخذ من القمع الذي تقوم به ايران للاحتجاجات الشعبية في ظل الضغوط من الرأي العام في هذه الدول ذريعة لفرض عقوبات جديدة يتوقع كثر ان تفهم انها تشمل ولو على نحو غير مباشر انخراط ايران الى جانب روسيا في الحرب على اوكرانيا عبر امداد روسيا بالمسيّرات القاتلة.

وللدلالة على الجدّية التي يوليها المجتمع الدولي للاحتجاجات الشعبية في ايران ومن اجل الضغط عليها في الوقت نفسه، عقد اجتماع في مجلس الامن في الثاني من الشهر الجاري بدعوة من الولايات المتحدة والبانيا بشأن الاحتجاجات المستمرة في ايران . وقد اعدت الدولتان مذكرة للاجتماع ، تنص على أن أهدافه هي:
* تسليط الضوء على القمع المستمر للنساء والفتيات وأفراد الأقليات الدينية والعرقية في إيران ؛
* تحديد فرص تعزيز التحقيقات الدولية الموثوقة والمستقلة في انتهاكات وتجاوزات الحكومة الإيرانية لحقوق الإنسان ؛
* التأكيد على استخدام النظام الإيراني للقوة بشكل غير قانوني ضد المتظاهرين، وملاحقة المدافعين عن حقوق الإنسان في الخارج، ومحاولات اختطافهم أو اغتيالهم بما يتعارض مع القانون الدولي.
وكانت اندلعت موجة الاحتجاجات المناهضة للحكومة التي تجتاح إيران حالياً ، والتي وصفها المحللون بأنها أخطر تحدّ للحكومة الإيرانية منذ أكثر من عقد، بعد وفاة مهسا أميني في 16 أيلول بعد دخولها في غيبوبة أثناء احتجازها لدى الشرطة. واميني شابة لم تتخط 22 عاماً وهي من مدينة سقيز في إقليم كردستان، اعتقلت في طهران من قبل “شرطة الآداب” الإيرانية في 13 أيلول بزعم انتهاكها لقانون يطالب النساء بتغطية شعرهن وارتداء ملابس فضفاضة.
واثر وفاتها بدأت الاحتجاجات التي قادتها النساء الإيرانيات إلى حد كبير، في سقيز ومدن أخرى في إقليم كردستان قبل أن تنتشر في كل  أنحاء البلاد وتتحول بسرعة إلى أعمال عنف. أفادت منظمات حقوق الإنسان العاملة في إيران عن حوادث تتعلق باستخدام الغاز المسيل للدموع والذخيرة الحيّة من قبل قوات الأمن، بما في ذلك من قبل قوة مقاومة الباسيج، وهي ميليشيا شبه عسكرية متطوعة تشكل جزءاً من الحرس الثوري الإسلامي (IRGC) بالاضافة الى اعتقالات وضرب واسع النطاق للمتظاهرين. وبحسب ما ورد احتُجز محامون وصحفيون وغيرهم من أعضاء المجتمع المدني لدعمهم الاحتجاجات. كما اتهمت الحكومة الإيرانية المئات من المعتقلين بارتكاب جرائم تتعلق بالاحتجاجات، والتي يُعاقب على بعضها بالإعدام، وقيّدت الوصول إلى الإنترنت لمعظم مواطنيها. في 29 تشرين الأول ، أفادت وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان (HRANA) ، وهي جمعية صحفية أسسها نشطاء إيرانيون في مجال حقوق الإنسان، بمقتل 283 متظاهراً واعتقال أكثر من 14000 شخص خلال الاضطرابات.
وعلى الاثر فرض كل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة عقوبات جديدة على المسؤولين الإيرانيين والهيئات الحكومية نتيجة ردها على الاحتجاجات. في 26 تشرين الاول، على سبيل المثال، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية أنه سيتم معاقبة عشرة مسؤولين إيرانيين “بسبب الحملة الوحشية المستمرة ضد الاحتجاجات في جميع أنحاء البلاد في إيران” ، في حين فرض الاتحاد الأوروبي حظراً على السفر وتجميد الأصول على 11 شخصاً وأربعة كيانات – بما في ذلك “شرطة الآداب” الايرانية.
وهذا كان مزعجاً جداً لايران التي كتبت رسالة مفتوحة إلى كل الدول الأعضاء للدفاع عن سجلها في مجال حقوق الإنسان، وحضّت الدول الأعضاء في مجلس الامن على عدم المشاركة في الاجتماع، واتهمت الولايات المتحدة بتسييس “قضايا حقوق الإنسان من أجل تحقيق أجندتها السياسية”. وجاء في الرسالة أيضاً أن “معالجة القضايا الداخلية للدول من قبل مجلس الأمن، بما في ذلك من خلال إنشاء رابط مصطنع بين هذه القضايا مع السلم والأمن الدوليين” يؤدي إلى نتائج عكسية لتعزيز حقوق الإنسان ويقوّض الآليات القائمة الموجودة بالفعل. ولم يكن يتوقع ان يصدر اي قرار ولا سيما ان روسيا تستخدم حق الفيتو تماماً كما تعتبر الاحتجاجات على غرار ما فعلت في 2018 شأنا داخليا ايرانياً.
وهذا اذا كان يدل على شيء، هو عرقلة مسائل كثيرة بحكم الاصطفاف الضمني او العلني في الحرب الروسية على اوكرانيا، ما ينذر بتعقد الحلول في المنطقة كما خارجها حتى اشعار اخر.
فالأمر مع ايران في العقوبات الجديدة اوروبياً واميركياً اشبه بما يكون بلعبة البلياردو التي يتم استهداف طابة معيّنة من اجل استهداف اكثر من طابة في نهاية الامر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات