Search
728 x 90

لبنان وفرنسا : محاذير وحسابات الحسم بالعقوبات

لبنان وفرنسا : محاذير وحسابات الحسم بالعقوبات

تبدو الازمة اللبنانية في مجمل وجوهها وتداعياتها البالغة الخطورة مقبلة على محك مفصلي شديد الأهمية في الفترة القريبة الطالعة من خلال سباق حاد بين محاولات خارجية لرفع الضغوط الى ذروتها على المسؤولين والسياسيين اللبنانيين لتشكيل حكومة جديدة ومناورات داخلية تهدف الى المضي في توظيف تعطيل تشكيل الحكومة حتى تحقيق مكاسب سياسية لم تنجز بعد .

والحال ان الاستعدادات الجارية على الصعيدين الفرنسي والاوروبي لإعداد مسودة مشروع فرض عقوبات على مسؤولين وسياسيين لبنانيين يفترض اتهامهم شخصياً بتعطيل تشكيل الحكومة وإجهاض الحل للازمة الداخلية المستند الى المبادرة الفرنسية المعلنة منذ ثمانية اشهر والتي تم توافق الزعماء اللبنانيين عليها في اجتماعين مع الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون في بيروت ، هذه الاستعدادات بدأت تنقل الازمة نحو مناخ آخر مختلف عن ذاك الذي طبعها منذ ثمانية اشهر.

ويعني ذلك بوضوح ان منقلبا ًجديداً سيطبع الازمة ويتداخل في تطوراتها ان صحت التوقعات السائدة ومضت فرنسا نحو اعداد لائحة اسمية تشمل مسؤولين وسياسيين للاتفاق مع الاتحاد الأوروبي عليها والشروع في فرض عقوبات على أصحابها تتراوح مبدئيا بين تجميد ارصدتهم في المصارف الفرنسية والأوروبية عموما ومنعهم من السفر الى الدول الأوروبية بسحب او تجميد او منع منحهم فيزا شينغن وصولا ربما الى نزع الجنسيات الفرنسية او الأوروبية الأخرى من حامليها .

لم يثبت نهائياً بعد اذا كانت هذه المروحة من العقوبات ستطبق كلياً او جزئياً ولكن ان يبدأ تسريب الاتجاهات المحتملة لفرض هذا النوع من العقوبات فهذا يدل على مفارقة لافتة للغاية مفادها ان لبنان يغدو ساحة ضغوط دولية متعاظمة لحمل السلطة السياسية الحاكمة فيه على الافراج عن حكومة إصلاحية جديدة انتظرها المجتمع الدولي طويلا كوسيلة لمد يد الدعم الدولي اليه ومنعه من الانهيار الكبير المحدق به فيما لا تزال جهات سياسية داخلية تجد في قدرتها ان تعاند المجمتع الدولي وضغطه كما تكابر حيال الانهيارات الكارثية في البلاد .

واذا كان يصعب مسبقاً تصور السيناريو الذي سينشأ عن اشتداد السباق بين الضغوط الدولية المقبلة ولا سيما منها الأوروبية واستعصاء الحل الحكومي على الوساطات والمبادرات الداخلية كما على المبادرة الفرنسية وبعدها وساطة جامعة الدول العربية فإن الواضح ان لبنان سيشهد كباشاً قد يتسم بخطورة عالية جداً بعد فرض العقوبات التي من غير الممكن الجزم مسبقاً ما اذا كانت ستشكل المفتاح الحاسم للحل ام انها قد تؤدي الى مزيد من تفاقم الصراع واحداث تداخل خطير بين العوامل الخارجية والداخلية كما قد تؤدي الى فرز خارجي بين دول معارضة واُخرى مؤيدة لهذا النوع من المعالجات الجراحية الساخنة .

ذلك ان تجربة العقوبات الأميركية على “حزب الله” لا تزال ماثلة وحيّة لجهة الميزان الحساس والدقيق بين إمكانات افادة لبنان منها او عدم جدواها من خلال استغلال الحزب العقوبات لفرض مزيد من سيطرته القسرية على القرار السياسي الحاكم . واذا كان يفترض ان تختلف العقوبات الأوروبية عن الأميركية في طبيعتها وأهدافها فإن أحدا لا يملك مسبقاً الحكم الموضوعي على النتائج المحتملة لهذه الخطوة المثيرة للإنشداد من الان باعتبارها ستكون بمثابة بلوغ الضغط الفرنسي تحديداً ذروته على الساسة اللبنانيين او بعضهم الامر الذي سيشكل منعطفاً جذرياً في مصير المبادرة الفرنسية ولن يكون ما بعد العقوبات كما ما قبلها .

ولذا يجري التبحر بهدؤ وبعمق في الخطوة ، كما يتضح من تصريحات وزير الخارجية الفرنسية جان ايف لودريان بالإضافة الى المعطيات الجاري تسريبها بشكل متعمد عن دوائر الخارجية الفرنسية لان سياسة العصا والجزرة المعتمدة في التعامل مع السياسيين اللبنانيين وقفت عاجزة امام نهج تعطيل تشكيل الحكومة الجديدة . واذا كان لبنان سيشهد فصلاً مثيراً وربما حاسماً في مسار ازمته وهو المهدد بانهيار أوسع واخطر مما شهده حتى الان فإن فرنسا تبدو للمرة الأولى منذ اعلان مبادرتها في لبنان ماضية نحو مغامرة شديدة الدقة والخطورة لأن إخفاقها سيرتب عليها خسارة قاسية جداً بما يستدعي منها احتساب كل الاحتمالات قبل اللجوء الى سلاح العقوبات كذروة تتجاوز اطار الضغوط الديبلوماسية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات