Search
728 x 90

لبنان دولة فاشلة … حتى اثبات العكس

لبنان دولة فاشلة … حتى اثبات العكس

بات الهدوء واستقرار الاوضاع في لبنان استثناء بحيث يعفي دولاً عدة من القلق ويدفعها الى عدم الاهتمام به كما في السابق. فأياً تكن الاسباب والاعتبارات والمصالح التي تقف وراء دعمه وانقاذه سابقاً، فإن مفهوم الدولة الفاشلة لم يعد مفهوماً غريباً عن واقع الدولة في لبنان على خلفية ان كل عام او بضعة اشهر من الاستقرار يقابلها اشهر لا بل سنوات من الصراعات المحلية بامتدادات اقليمية في غالب الاحيان.

لذلك وكما تعب اللبنانيون ولا سيما منهم الذين انتفضوا على السلطة السياسية في 17 تشرين الاول 2019 وطالبوا بإسقاطها من دون نجاح يذكر، فإن الدول التي كانت تهتم غالباً بلبنان تعبت بدورها من مسؤولين لا يهمّهم سوى مصالحهم الخاصة واختلافاتهم على اقتسام البلد ومنافعه وليس على مصلحة لبنان، ما دفع بغالبيتهم الى ترك لبنان لمصيره اياً تكن المخاطرة الانتحارية التي يقودها المسؤولون فيه.
يتلازم مفهوم الدولة الفاشلة وممانعة مسؤوليها لا بل استشراسهم في خوض المعارك السياسية والاقتصادية والاجتماعية دفاعاً عن مكاسبها مع تراجع ثقة اللبنانيين عموماً في امكان نهوض لبنان على ايدي السلطة التي ترفض التخلي عن اي من امتيازاتها وفي ظل غلبة المفهوم الطائفي والمذهبي والسياسي وتحكمه بحاضر اللبنانيين ومستقبلهم.
ويروي احد الاكاديميين السياسيين انه، وفي اثناء ندوة في الولايات المتحدة، ادلى بمداخلة طلب فيها بانقاذ لبنان مما هو فيه راهناً اكان تحكماً من نفوذ خارجي يمارسه ” حزب الله” بالنيابة عن ايران او من انهيار مالي لرفض الدول الخليجية مد المساعدة اليه او لفشل مسؤوليه وعدم رغبتهم في انقاذه لئلا يتحول دولة فاشلة، ووجه بسؤال اتسم ببرودة من احد الديبلوماسيين السابقين الذين عملوا على خط مسائل لبنانية متعددة مفاده انه ومتى لم يكن لبنان دولة فاشلة؟ في حين اعتبر ديبلوماسيون آخرون ان لبنان الدولة اضمحل لمصلحة دويلة ” حزب الله” التي اضحت هي الدولة فيما اصبح لبنان دويلة من ضمن دولة الحزب.
خلال العام الماضي يمكن عبر الذهاب الى محرك غوغل استطلاع مجموعة كبيرة من العناوين في صحف محلية او خارجية تدور حول تحول لبنان دولة فاشلة او في طريقه الى التحول دولة فاشلة.
استعراض هذه العناوين يبدأ من ” لبنان دولة فاشلة، الى لبنان دولة فاشلة لا يمكن اصلاحها ، الى هل تحول الازمة لبنان الى دولة فاشلة؟ فسيناريو تصنيف لبنان دولة فاشلة، هل اصبح لبنان دولة فاشلة؟ لبنان دولة فاشلة بحسب صندوق النقد الدولي، وزير الاقتصاد يقرّ بأن لبنان دولة فاشلة، وهل يعلن لبنان دولة فاشلة من الامم المتحدة، لبنان ينزلق الى التحول الى دولة فاشلة… الى ما هنالك من عناوين تصب في الاطار نفسه.
بالنسبة الى العنوان الأخير الذي كان عنواناً لاستقالة قدّمها وزير الخارجية ناصيف حتي من حكومة حسان دياب التي باتت تصرّف الاعمال بعد استقالتها عقب انفجارالمرفأ في 4 آب 2020 ، شرح حتي مخاوفه من الانزلاق الى الدولة الفاشلة عبر القول “شاركت في هذه الحكومة من منطلق العمل عند رب عمل واحد اسمه لبنان، فوجدت في بلدي أرباب عمل ومصالح متناقضة”، محذراً من انه إن لم “يجتمع هؤلاء حول مصلحة الشعب اللبناني، وإنقاذه، فإن المركب لا سمح الله سيغرق بالجميع”.
وقد تكون هناك اسباب اخرى للاستقالة لكن التوصيف الذي قدمه حتّي صحيح وواقعي، وتدل الازمة التي تعصف بلبنان منذ انطلاق الانتفاضة في خريف 2019 انكشاف الطبقة السياسية بأسرها ولكن ايضاً تصميمها على الدفاع عن مواقعها حتى على ركام البلد ورماده.
ولكن اياً تكن الأسباب التي يمكن ان تقدم لاعتبار لبنان دولة فاشلة وهناك الكثير منها الذي يتوافق مع تعريف مفهوم الدولة الفاشلة وفق المصطلح الذي يقول بفقدان السلطة القائمة قدرتها على السيطرة الفعلية على اراضيها، وهذا حاصل في لبنان، عبر وجود دولة من ضمن الدولة المركزية ومخيمات خارجة عملانياً عن سلطة الدولة اضافة الى افتقادها القوة الشرعية على اتخاذ القرارات العامة وتنفيذها كما تفقد احتكارها لحق توفير الحد المعقول من الخدمات العامة، الا ان الحس المبدئي لدى اللبنانيين او غالبيتهم ان هذا البلد الذي عاش حربا اهلية وحروباً خارجية على ارضه لمدة 15 عاماً اضيف اليها احتلال ووصاية سورية عليه لمدة ثلاثة عقود قبل ان يتحرر منه ليدخل في ظل نفوذ ” حزب الله”، ما يعني ان لا قدرة لديه لا على الاصلاح ولا على النهوض الفعلي فيما يرتضي ان يكون ساحة للاخرين الاقليميين في صراعاتهم او ورقة في ايديهم للتفاوض على تحسين شروطهم.
ومع التطورات المتسارعة التي تشهدها المنطقة ولا سيما تلك التي تفاعلت على خلفية انهاء الصراع العربي الاسرائيلي على نحو غير متوقع عبر تطبيع العلاقات بين دول خليجية وعربية مع اسرائيل وعلى خلفية كباش ايراني اسرائيلي – تركي في المنطقة من اجل النفوذ، من المتوقع ان يظل لبنان مشرذماً وضائعاً ومهدداً في كيانه على خلفية تجاذبه من اجل ان يكون دولة عربية الى جانب الدول العربية الاخرى، او دولة يشدّها القيمون عليها لكي تكون من ضمن المحور المناهض لذلك.
واياً تكن الحال فإن لبنان في نظر مواطنيه هو دولة فاشلة ولن يدحض هذا الاقتناع الاّ مؤشرات تذهب الى اثبات العكس. وما لم يحصل ذلك فإن الاعلان عن ان لبنان دولة فاشلة او عدم الاعلان لن يغيّر الكثير في الواقع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات