Search
728 x 90

لبنان : اين الانهيار في الخطوات غير الدستورية؟

لبنان : اين الانهيار في الخطوات غير الدستورية؟

من يتحمل تبعات الفراغ الدستوري في حال لم يتم انتخاب رئيس جديد للجمهورية قبل انتهاء ولاية العماد ميشال عون في 31 تشرين الأول 2022، وهل من الممكن تكرار سيناريو تجربتي انتهاء ولايتي الرئيسين اميل لحود وميشال سليمان؟

عمد رئيس الجمهورية في لبنان الاسبوع الماضي الى اطلاق تهديدات عززت ما كان اعلنه رئيس تياره وصهره جبران باسيل من خيارات قد يعمد اليها في حال لم يتم تأليف حكومة سياسية كما يريد من اجل ان تتسلم صلاحيات موقع الرئاسة الاولى في حال لم يتم انتخاب رئيس للجمهورية قبل انتهاء ولاية عون في 31 تشرين الاول المقبل.

ومع ان لا علاقة لرئيس الجمهورية بموقع الرئاسة بعد انتهاء ولايته، فإن هذا الموقف عكس سعياً لدى الاخير وتياره السياسي الى حصول احتمالين: احدهما هو حصول فراغ في موقع الرئاسة الاولى في تكرار لتجربتين الاول بعد انتهاء ولاية اميل لحود في 2007 حين اثيرت ازمة كبيرة تخللها اجتياح “حزب الله” لبيروت قبل ان يتم التوصل الى اتفاق الدوحة الذي اوصل قائد الجيش آنذاك ميشال سليمان الى الرئاسة الاولى.

والاخرى بعد انتهاء ولاية هذا الأخير حيث حصل فراغ رئاسي وفرض تيار عون مع حليفه “حزب الله” تعطيلاً لانتخاب رئيس جديد للجمهورية حتى سلم الاخرون بانتخاب ميشال عون رئيساً للجمهورية في 31 تشرين الاول 2016 بعد عامين ونصف العام من الفراغ الرئاسي.

ويعوّل فريق رئيس الجمهورية على فراغ مماثل يستطيع في خلاله صهره جبران باسيل في ممارسة رئاسة الجمهورية عبر مشاركته في حكومة سياسية يتصرف كل وزير منهم في مرحلة الشغور الرئاسي كأنه رئيس للجمهورية وفقاً لما لم يخفه عون نفسه على هذا الصعيد. وخلال مدة اشهر او ربما اكثر كما في 2014 فإن التغيرات السياسية الخارجية اقليمياً ودولياً كفيلة بزيادة حدة الضغوط المحلية فتسلم القوى السياسية بانتخاب باسيل كما سلموا بانتخاب عون قبله.

والسيناريو الآخر هو انه في حال لم يدم الفراغ طويلاً او لم يستطع باسيل تحسين وضعه، تكون له على الاقل القدرة على فرض رئيس الجمهورية الذي يريد فيكون من فريقه مثلاً او سوى ذلك ولكن بما يمكنه ان يكون رئيساً للظل كما كان في عهد عون.
والكلام الذي قاله ميشال عون في حديث صحافي اعتبره بعض السياسيين تهويلاً انطلاقاً من ان تهديده ضمناً باستعادة تجربته في العام 1989 من خلال تلويحه بخطوات يقدم عليها قد لا يكون متاحاً لاختلاف الظروف المحلية والدولية على حد سواء.

ففيما لم يتطرق عون الى طبيعة الخطوات التي سيتخذها، فقد ترك صهره في مؤتمر صحافي كان عقده قبل ايام من كلام رئيس الجمهورية الانطباع بأن الامور تتفاوت بين ان يبقى عون في قصر بعبدا وان كان هو اعلن انه سيغادر في منتصف ليل انتهاء ولايته. ولكن المنطق الذي ساقه من ان اجراء غير دستوري وصف به تسلم حكومة تصريف الاعمال برئاسة الرئيس المكلف نجيب ميقاتي صلاحيات الرئاسة الاولى سيقابل بإجراء غير دستوري يشير الى هذا الاحتمال. فيما ان الاحتمالات الاخرى غير بقاء عون في بعبدا هي سعيه الى تسمية رئيس حكومة وتعيينه وزراء بدلا من حكومة ميقاتي، وهو احتمال غير دستوري لأن لا صلاحية لرئيس الجمهورية كما كان الوضع قبل اقرار اتفاق الطائف في تسمية رئيس للحكومة ولا في تعيين الوزراء بل انها صلاحية تعود الى النواب عبر استشارات ملزمة. وهناك طبعاً التهديد بالقيام بتظاهرات شعبية لمناصريه تحول بينه ومغادرة القصر الجمهوري وتطالبه بالبقاء حتى انتخاب رئيس جديد.
هذه الاحتمالات غير دستورية ومن غير المرجح ان تجد صدى ايجابياً او قبولاً لدى القوى السياسية لأن من سألها دفع البلد الى انقسام خطير كما حصل في العام 1989. ولكن عون كان حينذاك في الوقت نفسه رئيساً لحكومة عسكرية وقائداً للجيش فيما ان الجيش راهناً ليس بقيادته لتوظيفه في مصالحه وحساباته السياسية. وآنذاك كان مدعوماً من دولة اقليمية كانت تموّله وهي العراق كما انه كان صاحب قضية بشعار تحرير لبنان من الاحتلال السوري، ما كفل له دعماً مسيحياً منقطع النظير وحتى من الطوائف الاخرى كذلك.

وهذا كله لم يعد متوافراً وبقاؤه في قصر بعبدا قد يكون ممكناً من حيث المبدأ لأن الجيش لن يتدخل لإخراجه منه، ولكن الجيش قد يسحب الحرس الجمهوري الذي يكلف عادة حماية رئيس الجمهورية الى ثكناته فيما انه من غير المؤكد الا يقاطعه الجميع من الداخل والخارج ولا تحوّل له المراسيم او القرارات اياً تكن. وبالنسبة الى بلد ينهار لا بل يزداد انهياره يوماً بعد يوم، سيتحمل عون وفريقه تبعة اي تدهور اضافي خصوصاً ان القوى السياسية ليست في وارد تلبية شروطه او تعطيله للبلد بعد الآن علماً انه سيفقد ورقة الشرعية الدستورية التي يتغطى بها راهناً.
ولكن ينبغي الإقرار بأن سيناريو مماثل يقلق الخارج، ومناورة عون تتوجه اليه على الارجح ولا سيما في ظل المخاوف على الاستقرار الامني والاجتماعي وعدم الرغبة في حصول المزيد من الانهيار. الا ان ردة الفعل الخارجية قد تأتي عبر ممارسة ضغوط كبيرة من اجل انتخاب رئيس جديد للجمهورية من ضمن المهلة المتاحة قبل انتهاء ولاية عون لأن احداً في الداخل غير مستعد للتنازل بناء على تهديداته. فيما ان الدول العربية تشترط للمساعدة العمل على انتخاب رئيس يكون مقبولاً داخلياً وخارجياً كذلك ولا يكون محسوباً على محور سياسي. وهو امر بات يطيح الزعماء التقليديين، اكان سمير جعجع رئيس حزب القوات اللبنانية او سليمان فرنجيه رئيس تيار المردة والمحسوب على “حزب الله” او جبران باسيل.

لم يعد احد من هؤلاء مطروحاً على نحو يظهر ان هناك تطوراً حصل في الملف الرئاسي عبر آلية حذف مرشحين يرفض وصولهم او من غير المرجح القبول بهم في حمأة فيتوات متبادلة تستطيع الكتل النيابية المشرذمة ممارستها. ستكون الرئاسة متاحة لمرشحين من خارج القوى السياسية وليس فقط من خارج زعاماتها التقليدية. فبالاضافة الى حسابات القوى السياسية المحلية وفي مقدمهم “حزب الله” الذي قد يرغب في استدامة عهد عون او المجيء برئيس قريب منه، الا انه لن يستطيع ان يحمل كرة النار الاقتصادية لوحده، فإن هناك حسابات الدول المحيطة ولا سيما الدول الخليجية التي وحدها تستطيع مساعدة لبنان على النهوض الاقتصادي. وهذه ترغب في رئيس يتمتع بمقدار من الاستقلالية ويحيّد لبنان عن صراعات المنطقة ومحل ثقة الداخل والخارج.

وبحسب ما سرى اخيراً فإن اللقاءات الفرنسية السعودية تكررت في الاسابيع الاخيرة بهدف المساعدة في هذا الاتجاه انما في ظل سؤال كبير عن موقع ايران ومدى قبولها برئيس حيادي لا يكرر تجربة ميشال عون. ولذلك ثمة سباق حفزه الاعلان عن النية في افتعال مشكلة دستورية من اجل اجراء انتخابات رئاسية في موعدها علماً ان القلق الخارجي سابق لذلك من خلال الاقتناع بأن لبنان لا يتحمل فراغاً دستورياً في الرئاسة الاولى او في وجود حكومة فاعلة في ظل انحدار سريع لا مقومات اطلاقاً للجمه في هذه المرحلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات