Search
728 x 90

لبنان المتدحرج بالضربات القاضية

لبنان المتدحرج بالضربات القاضية

لم يكن ينقص الوضع اللبناني المأزوم الى اقصى الدرجات الممكنة إلا أزمة تصريح وزير الاعلام جورج قرداحي الذي اطلق موقفاً انحيازياً من ازمة اليمن الى جانب الحوثيين في برنامج تلفزيزني على احدى المحطات العربية. وعلى رغم ان التبرير لهذا الموقف انه اطلقه قبل توزيره وانه لا يلزم موقف الحكومة، فإنه ساهم في رفع سقف الازمة من خلال رفض الاعتذار في الحد الادنى. والاشكالية الكبيرة ان الحكومة التي تألفت على خلفية بدء المفاوضات مع صندوق النقد الدولي واجراء الانتخابات النيابية لم تلملم بعد تداعيات احداث الطيونة ومقاطعة وزراء الثنائي الشيعي الذي يضم حركة “امل “و” حزب الله” لرفضهما التحقيق الذي يجريه المحقق العدلي في انفجار مرفأ بيروت طارق بيطار، فمنيت ببث البرنامج الذي تضمن مواقف قرداحي التي فجرت ازمة غير مسبوقة في تاريخ علاقات لبنان مع الدول الخليجية. وتنسحب هذه الاشكالية على كباش حول قانون الانتخابات النيابية في مجلس النواب محوره موعد الانتخابات وهل ستجرى في 27 آذار بتوافق الجميع باستثناء رئيس الجمهورية وتياره اللذين يفضلان اجرائها في ايار المقبل كما مشاركة المغتربين في الانتخابات وعلى اي قاعدة ستحصل هذه المشاركة.

هذه التطورات المتلاحقة التي طاولت في شكل اساسي المس بالاستقرار الامني بعدما كان الامن محيّداً عن الصراعات السياسية اثارالسؤال الكبير هل سيتم اجراء الانتخابات النيابية في لبنان، نعم ام لا؟ هل هناك من يسعى لإلغائها بحجة الحفاظ على حقوق المغتربين في الإقتراع؟ وإذا تمّت هل ستتبدل الأكثرية النيابية في ظل قانون الانتخاب نفسه؟ وإذا لم تتم كيف سيتأثّر الاستحقاق الرئاسي من بعدها؟ والى ما سيؤول الوضع الاقتصادي في ظل توقف التفاوض مع صندوق النقد الدولي الذي لن يوافق على مدّ لبنان بالمال بعد اعتباره ان لبنان استسلم كلياً الى “محور الشرق”؟ لا بل اكثر ما الذي سيكون عليه موقف الدول المؤثرة التي تشترط حصول الانتخابات النيابية كمحطة ملحة وضرورية لاعادة انتاج السلطة ولا سيما بعد انتفاضة 17 تشرين الاول 2019 التي طالبت برحيل الطبقة السياسية.
فوجوب اجراء الانتخابات بموعدها لازم ضرورة تشكيل الحكومة في بيانات العواصم المؤثرة ومجموعة الدعم الدولية الخاصة بلبنان جنباً الى جنب اجراء الاصلاحات بناء على مفاوضات مع صندوق النقد الدولي.
اما اليوم فإن الوضع برمّته بات في مكان آخر بعد أزمة تصريح وزير الاعلام في المقابلة المتلفزة حيث قال ان ” الحوثيين يدافعون عن انفسهم في وجه عدوان خارجي”، و”حرب اليمن حرب عبثية”. وهذا ما استدعى تشدداً سعودياً، سريعاً ما انضمت اليه الامارات والكويت والبحرين في استدعاء سفرائهم من لبنان والطلب من السفراء اللبنانيين هناك مغادرة البلاد.
صحيح ان موقف قرداحي يعود الى آب 2021، اي قبل توزير قرداحي، الا ان المواقف التي تلت نشر مقطع المقابلة زادت الطين بلّة، اكانت صدرت من قرداحي نفسه الذي علق على من طالبه بالإعتذار والاستقالة ” لا يجوز ان نظل في لبنان عرضة للابتزاز من أي احد، لا من دول ولا من سفارات ولا من أفراد، وهم يملون علينا من يجب ان يكون في الحكومة او لا يبقى”… ام من رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الذي – ومع تأكيده على “الحرص على أفضل العلاقات مع الدول الشقيقة” – قال ” ان مواقف أي طرف سياسي لبناني لا يجوز ان تعتبر مواقف الدولة اللبنانية ويتم التعامل معها على هذا الأساس”… ام رئيس تيار المردة سليمان فرنجيه الذي سمّى قرداحي في الحكومة، وقال من الصرح البطريركي في بكركي انه “لن يقبل ان يقدم قرداحي فدية لأحد” و”لا نتعاطى بدونية مع المملكة العربية السعودية بل بكرامتنا”.
هذه المواقف قابلها تصعيد خليجي غير مسبوق لامس القطيعة التامة ولا سيما ان هذه الدول سبق وتعرضت لمواقف مهينة قالها وزير الخارجية السابق شربل وهبة الذي اضطر الى الاستقالة تحت وطأة الازمة فيما ان لبنان اكتفى بذلك من دون الاهتمام بإعادة الحرارة الى العلاقات مع الدول الخليجية. و قد تُوّجت هذه المواقف بموقف للخارجية السعودية يعتبر جوهر الازمة في الواقع اذ اعتبرت ان “هيمنة حزب الله تجعل التعامل مع لبنان غير ذي جدوى”… والحبل يبدو على الجرّار، اذ ان الأزمة تخطت تصريح وزير لتشمل خطاً سياسياً برمته اختار لبنان الرسمي ان يسلكه.


اذاّ، لبنان الى اين في ظل انسداد الأفق حالياً والعزلة الخليجية التي بدأ لبنان بمواجهتها؟
الخبير الاقتصادي البروفسور جاسم عجاقة يقول لموقع beirutinsights ان الانتخابات النيابية لم تعد ذات أهمية نسبة الى الواقع الراهن المأزوم، اذ ان العزلة الخليجية ستؤثر بالعمق في الوضع الاقتصادي نظراً الى ان خطة حكومة الرئيس نجيب ميقاتي الاقتصادية مبنية على استثمارات ترتكز الى النمو كمبدأ لامتصاص الخسائر على عكس مقاربة حكومة حسان دياب السابقة التي اعتمدت مبدأ توزيع الخسائر.
فإذا سلمنا جدلاً ان التفاوض على برنامج اقتصادي نجح مع صندوق النقد الدولي قبل نهاية السنة الجارية، على اساس تزويد لبنان بأربعة مليارات دولار – مليار سنوياً على مدى 4 سنوات- ستكون هذه الأموال مرتبطة باستثمارات، اكثر من 45% منها، يقول عجاقة تأتي من دول الخليج.
ويضيف عجاقة ان المخاوف الكبيرة تأتي من ردة فعل مجلس التعاون الخليجي الذي، إن حذا حذو السعودية والامارات والكويت، سيشكل موقفه ضربة قاضية للبنان.
فالدول الخليجية، يؤكد عجاقة، تشكل ثلث نسبة التصدير من المنتجات اللبنانية، اي اكثر من مليار دولار من اصل 3.4 مليار دولار من الصادرات من دون احتساب الصادرات الى مصر والأردن. تضاف الى ذلك نسبة الاستيراد من هذه الدول.
فقطع العلاقات مع هذه الدول، ومع مصر والاردن اذا تم الضغط عليهما في هذا الاتجاه، سيطرح علامات استفهام كبيرة حول مصير الفيول الثقيل العراقي الذي يتم استبداله عبر شركة اماراتية بالـ “النفط الأسود” الذي يستخدمه لبنان لإنتاج الطاقة من المعامل الكهربائية، ناهيك عن مصير الكهرباء من الأردن، والغاز من مصر. كما ستقضي القطيعة على الاستثمارات المالية المباشرة وغير المباشرة (عبر المصارف العربية) من دول مجلس التعاون الخليجي.
وهذا ما سيدخل لبنان في عزلة مالية كبيرة، يؤكد عجاقة.
– فلا المصارف اللبنانية تستطيع الاقتراض من الخارج.
– ستتراجع كثيراً نسبة التحويلات المالية من اللبنانيين العاملين في الخليج خصوصاً ان القسم الكبير منها يأتي من السعودية فيما يؤكد عجاقة بأن الرياض لن تعمد ابداً الى ترحيل اللبنانيين لديها.
وهنا، يذكّر مصدر سياسي مراقب للوضع ان السعودية صنّفت اخيراً جمعية “القرض الحسن” كياناً ارهابياً متوعدة كل من يتعامل معها او مع “حزب الله”. وهذا يعني فعلياً تشديداً وتدقيقاً مالياً سعودياً على تحويلات اللبنانيين الى لبنان، بحجة مراقبة عدم التعامل مع هذه الجمعية.
– تحويلات اللبنانيين العاملين في الخارج ستقتصر على الموجودين في الولايات المتحدة الاميركية وكندا واستراليا وبعض الدول الاوروبية والافريقية وفي اميركا اللاتينية.
فلبنان، يقول عجاقة، ليس قطر التي تملك صندوقاً سيادياً يسمح لها بمواجهة العالم كله إن قاطعها، لا بل هو سيدخل في مرحلة فوضى اقتصادية عارمة ستجعل سعر صرف الدولار من دون سقف، اذ لا سيناريو آخر في الافق نظراً الى ان الدول الغربية التي وعدت بمساعدة لبنان في مؤتمر سيدر، تعاني بدورها من مشاكل اقتصادية كبيرة بفعل جائحة كورونا.
ثم، إن أراد التجار اللبنانيون التعويض عن خسارتهم الأسواق العربية بتصدير بضائعهم الى اوروبا وغيرها، فإن هذه البضائع لا تملك المواصفات والمعايير المفروضة هناك للإستيراد.
لكن رغم هذا السيناريو السوداوي، لن يموت اللبنانيون من الجوع، يؤكد عجاقة. فهم سيدخلون في ما يسمّى الـ Survival mode لكن على حساب كرامتهم. انسانياً، لن تترك اي دولة، عربية ام غربية اللبنانيين ليموتوا من الجوع. ستُرسل صناديق المساعدات، ستُرسل الأدوية الضرورية… وسيقفون بالطوابير لاستلامها.
هذا في الاقتصاد… اما في السياسة المرتبطة عضوياً به، فالقطيعة ستكون أسوأ تأثيراً على الرئيس نجيب ميقاتي تحديداً، وعلى حكومته بالنتيجة وفق ما يؤكد اكثر من مصدر سياسي متابع لمجريات الأمور. فهو يمثل رأس هرم السنيّة السياسية، وهو سبق واكد في 8 تشرين الأول 2021 ان “السعودية قُبلته السياسية والدينية” في وقت اعتبرت هذه الأخيرة ان قرار لبنان مخطوف من قبل حزب الله، وفق ما اكدت الخارجية السعودية اكثر من مرة.
لذا، يقول المصدر نفسه ان امام ميقاتي 3 حلول لا رابع لها:
– اما يضغط لإقالة وزير الاعلام جورج قرداحي او استقالته، وهذا لن ينفع بعد التصعيد غير المسبوق للمواقف الخليجية.
– إما يسعى لتوسيط فرنسا لتضغط على الرياض. ونجاح هذا المسعى مستبعد جداً، اذ ان باريس لم تنجح سابقاً حتى في الحصول له على موعد زيارة للسعودية.
– إما يستقيل.
فهل هناك من بصيص امل سياسي واقتصادي؟
البروفسور عجاقة يقول ان المخرج الاقتصادي الوحيد يكمن في أكثرية نيابية متجانسة قادرة على اتخاذ قرارات اقتصادية في الاتجاه الصحيح.
وفي المقابل، تقول مصادر سياسية بعيدة عن الاقتصاد ان الانتخابات النيابية، إن تمّت، قد تشكل وسيلة للخروج من الوضع الراهن عبر المراهنة على تبديل الاكثرية النيابية.
فهل من السذاجة التعويل على حصول تغيير يقلب الموازين السائدة في ظل قانون انتخابي معروفة نتائج تطبيقه سلفاً، خصوصاً ان القرار الاقتصادي تمسك به الأكثرية النيابية التي اتت الحكومة لتمثلها كما الدولة برمّتها؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات