Search
728 x 90

لا يستطيع لبنان وضع حد لـ “حزب الله”

لا يستطيع لبنان وضع حد لـ “حزب الله”

لبنان في انتظار تطورين اساسيين: الرد الخليجي على الورقة الكويتية ونتائج مفاوضات فيينا النووية. وفي الحالين قد يدفع البلد اثماناً باهظة تتخطى بكثير ما هو ظاهر حتى الان على مستوى الانهيار المتدحرج على كل الصعد.

يعيش لبنان هاجساً كبيراً على وقع تطورين اقليميين. الاول هو ما ستؤول اليه مفاوضات النووي الايراني في فيينا وما اذا كانت العودة الى العمل به سيعيد العمل بمفاعيله التي تركت لايران بعد 2015 ان تمارس نفوذها بالكامل في سوريا كما في لبنان ما ادى الى انتخاب العماد ميشال عون مرشح “حزب الله” لرئاسة الجمهورية وتسليم كل القرار في لبنان للحزب.

فصحيح ان هذه المفاوضات لم تفض بعد الى اي نتائج ولكن ما قد يعتبر بالنسبة الى الولايات المتحدة وايران والدول الاخرى المشاركة في المفاوضات نتائج ايجابية، قد يكون بالغ السلبية بالنسبة الى لبنان. والعودة الى العمل بالاتفاق النووي بعيداً من بت موضوع النفوذ الايراني في المنطقة يخشى ان يعيد عقارب الساعة الى الوراء من حيث التسليم مجدداً لايران وذراعها في لبنان اي “حزب الله” الى العودة الى الامساك بقوة بكل مقدرات السلطة.

التطور الآخر والذي لا ينفصل عن الاول يتصل بخريطة الطريق الذي سلمها وزير الخارجية الكويتية احمد ناصر الصباح للمسؤولين اللبنانيين بالنيابة عن دول الخليج والدول العربية والمجموعة الدولية كما قال واعطى لبنان مهلة خمسة ايام من اجل الرد عليها. تضمنت الورقة كما بات معروفاً بنوداً تتصل بحزم السلطة اللبنانية امرها وبسط سلطتها فعلاً لا قولاً على اراضيها ولا سيما في موضوع اعتماد النأي بالنفس عن المحاور الاقليمية ووقف استخدام لبنان منصة تعدّي على الدول العربية في اشارة واضحة الى انخراط “حزب الله” في حرب اليمن وتنظيمه مؤتمرات للمعارضة البحرينية والسعودية في لبنان، كما تتصل بمراقبة لبنان حدوده منعها لتهريب الممنوعات الى الدول العربية.

ولكن الورقة تتضمن ايضاً مطالب ذات بعد اقليمي تستهدف “حزب الله” تحديداً وحصرا ً من خلال مطالبة لبنان بتنفيذ القرارات الدولية 1701 و 1559. وانتظر لبنان بعد اعداده الورقة الرد على خريطة المطالب العربية احتمالين: احدهما هو التجاوب مع ما عرضه من استعداد بناء لتلبية المطالب الداخلية وانشاء لجنة مشتركة لبنانية خليجية للعمل على تنفيذ المطالب القرارات الدولية او ترك لبنان لمصيره بما يعني ذلك من احتمال تعذر حصول لبنان على اي اموال من صندوق النقد الدولي الذي بدأ لبنان التفاوض معه على خطة اقتصادية تهدف الى الحصول على اموال تساعده على الوقوف على رجليه.

ولكن الاهم هو ترك لبنان للنفوذ الايراني او ما قد يلوح من احتمالات في ضوء الانفتاح العربي على نظام بشار الاسد بما يعنيه ذلك من اعادة تكليفه بلبنان العاجز والعاجز عن حكم نفسه بدلا من تركه لايران و”حزب الله”. فما قد يبدو بعيد الاحتمال في ظل الانهاك وخضوع سوريا لمجموعة من المداخلات الاقليمية والدولية لا تلغي احتمال قيام صفقات او تسويات تجري على حساب لبنان.

اليأس العربي على هذا الصعيد قد يقارب اليأس العربي والدولي ابان زمن الحرب، ما ادى الى ترك دول العالم والدول العربية من بينها لبنان الى الوصاية السورية. ومع ان احداً لا يتحدث بذلك ولكن الورقة الكويتية احدثت قلقاً يخشى ان يكون بمثابة آخر المحاولات لرفع العتب على خلفية التحسب للمقبل من التطورات بما فيها عودة ايران للتمتع بكافة قدراتها واموالها في المنطقة .
لم تطرح المبادرة الكويتية ولا الرد اللبناني عليها من هذه الزاوية بل اغرق اهل السلطة اللبنانيين بالشكليات المتعلقة بما اذا كان رئيس الجمهورية مع رئيس الحكومة يستطيعان صياغة رد لوحدهما .اذ “لم يتم إطلاع حزب الله على الرد الذي سنسلمه للكويت، وتم إعداد الرد على المبادرة الكويتية من قبل رئيسي الجمهورية والحكومة”، كما قال وزير الخارجية عبدالله بو حبيب الذي حمل هذا الرد الى اجتماع وزراء الخارجية العرب في الكويت. اسقط الاشارة الى رئيس مجلس النواب نبيه بري علماً ان وزير الخارجية الكويتيةاحمد ناصر الصباح زاره ايضاً واعلن من عين التينة المواقف نفسها التي اعلنها في السراي الحكومي وقصر بعبدا. ويمكن لرئيس المجلس ان ينوب بارتياح عن حليفه الشيعي وفقاً لنموذج مهم ولافت في اضطلاع الرئيس بري في المفاوضات مع الجانب الاميركي على مدى اعوام والتي اطلقت مفاوضات الترسيم حول الحدود البحرية مع اسرائيل.

من حيث المبدأ يتحدث رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة باسم جميع المشاركين في الحكومة بمن فيهم “حزب الله” . ولكن ورقة الرد اللبنانية لم تعرض على مجلس الوزراء فيما يشكو لبنان من استفراد الحزب بقرارات لا تخصه فحسب بل تخص جميع اللبنانيين ولبنان في قراراته الاستراتيجية في الامن والسلم والسياسة الخارجية.

ففي هذا الاطار لا يندرج الرد في اطار القول ان رئاستي الجمهورية والحكومة تستطيعان صياغة رد سيحترمه حكما جميع الافرقاء اللبنانيين ، بل هما صاغا رداً مجتزأً يمثل رأيهما الرسمي ولكنه قد لا يكون ملزماً لفريق مقرر هما يصفانه بالشريك في الحكومة ومجلس النواب. وتالياً فإن الثغرة فادحة ازاء الاعلان عدم اطلاعه على الرد بما يعني، اما رفضه ذلك علماً انه معني به ومطلع عليه فعلا اذ اشار بو حبيب الى ان “هناك تشاورا دائما بين القيادات السياسية ومن ضمنها حزب الله”، واما يريد تجنيب مجلس الوزراء مشكلة انفجاره وترك الحرية ليعلن الحزب موقفه بنفسه.
ويثير الموضوع انقساماً سياسياً هائلاً بين سلطة تعجز في الواقع عن تنفيذ القرارات الدولية ولكنها تدافع في الوقت نفسه عن تعددية السلاح كما قال البطريرك الماروني بشارة الراعي وبين داعمين للمبادرة الكويتية باعتبار انها خريطة الطريق لانقاذ البلد من نفوذ “حزب الله” وسيطرته . في حين ان هذه السلطة ترمي الكرة على استمرار الاحتلال الاسرائيلي لمزارع شبعا لتبرير تمسك الحزب بسلاحه.
لم يتوقع اللبنانيون على اختلاف مواقعهم ومستوياتهم رداً صريحاً ومباشراً وتجاوباً مع خريطة الطريق الكويتية الخليجية الدولية لادراكهم ان السلطة الراهنة لن تبدل من مواقفها او حساباتها وهي تكرر المعزوفة نفسها منذ سنوات ازاء العجز ليس عن مقاربة سلاح الحزب وانضوائه من ضمن الدولة بل لاحترام تحييد لبنان عن صراعات المحاور في المنطقة. هذا مثار انتقاد داخلي واسع بحيث يحرج على الارجح الدول الخليجية اذا كانت تقبل بالمنطق الذي تسوقه السلطة في لبنان. هل تبذل او بذلت جهداً في هذا الاطار ام هي مستسلمة للامر الواقع او هي تحتاج اثماناً من اجل التعهد برفع الغطاء الرسمي عن الحزب.

فالحساب بين انقاذ البلد وانقاذ المصالح الخاصة اظهرت التجربة خلال العامين الماضيين على الاقل ومنذ انتفاضة 17 تشرين الاول 2019 واكثر بعد انفجار المرفأ، ان لا شيء يتقدم على انقاذ المصالح وليس البلد.

الرد الخليجي على الرد اللبناني وفقاً لهذه الركائز اذا كان ايجابياً سيشكل انتصاراً جديداً للحزب باعتباره يكون كرّس المنطق نفسه السائد في لبنان حول سلاحه ومنحه شرعية الاستمرار فيه. واذا لم يكن الرد الخليجي متفهماً وايجابياً، فقد يدفع لبنان اثماناً باهظة تتخطى بكثير ما هو ظاهر حتى الان على مستوى الانهيار المتدحرج على كل الصعد .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات