Search
728 x 90

لا مقارنات بعد الآن في زحف الكارثة

لا مقارنات بعد الآن في زحف الكارثة

لبنان الان امام نوع مستجد وغريب من مزيج أزمات وكوارث يصعب جداً معها التكهن بما سيؤول اليه ولا يمكن الاستدلال بتجارب الماضي لتوقع خلاصاتها .

ليس خاطئاً من الناحية المبدئية والنظرية ان يقارن الوسط السياسي المعروف بالسيادي في لبنان بين الحقبة الحالية التي يتخبط فيها لبنان بأزمات ذات طابع مصيري بالغ الخطورة والحقبات الاحتلالية ولا سيما منها حقبة الوصاية السورية بكل تجاربها المريرة .
ذلك ان السطوة الأحادية الحالية التي يمارسها “حزب الله” على السياسات الكبيرة التي توجه قرارات الدولة والسلطة من خلال تحالفه بل وصايته على العهد العوني تشكل واقعياً استبدالاً لوصاية خارجية بأخرى داخلية مع وقع اشد سوءا لجهة الانهيارات الحاصلة في البلاد والتي يتحمل الحزب المسؤولية الحقيقية الأكبر في التسبب بها .
ومع ذلك توجب التطورات التي حصلت في لبنان اقله في السنتين الأخيرتين تقليل التوقعات المرتبطة بهذه المقارنة اذ ان الحاصل الان في لبنان والمرشح للتفاعل تباعاً في قابل الأسابيع والأشهر قد يكون لا يشبه أياً من التجارب التي مر بها سابقاً ولا تنطبق تالياً من الناحية الموضوعية أي مقارنة بين هذه التجربة المفتوحة في كل يوم على جديد صادم مع تجارب سابقة .
والحال ان ما يدفع الى هذه الخلاصة القاتمة عنصر أساسي يتصل أولا بفقدان اللبنانيين القدرة والدفع اللازمين للقيام بما لا سبيل آخر لقيامهم به للتخلص من الكوارث الضاربة ببلدهم وبأحوالهم أي الانتفاض الفعلي الحقيقي والشمولي والحاسم لاسقاط السلطة وفرض اجندة انقاذية فورية ومستقلة وانتقالية من شأنها ان تغني عن أي تدويل للازمة على غرار ما يطالب به البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي .
لقد بدا البطريرك الراعي في يوم التذكية الشعبية لموقفه من حياد لبنان ودعوته الى عقد مؤتمر دولي من اجل لبنان كأنه فعلاً سار وراء تاريخ اسلافه الكبار أصحاب الأيادي الطولى في تحقيق استقلال لبنان وكيانه الجغرافي والسياسي وذلك من خلال إصرار الراعي على هذين الطرحين كبديل من سقوط السلطة واستحالة التوصل الى حلول داخلية حالياً .
ومع ذلك يقف طرح البطريرك الراعي بدوره امام استعصاء آخر دولي وداخلي لعقد مؤتمر دولي . فالعالم الغارق بأجندات فوضوية لا يجمع بينها سوى وباء كورونا لن يكون جاهزاً لتجاوز تباينات الدول الكبرى والنافذة لتخطي حروب مصالحه في الشرق الأوسط وعقد مؤتمر خاص بلبنان الذي شوّهت سلطته صورته بأسوأ الصور من خلال انفجار فضائح فسادها وخصوصاً بعد انفجار مرفأ بيروت . والداخل الذي يعيش أسوأ ما عرفه شعب من سوء المصائر سيكون جاهزاً للانقسام العمودي والاستغلال الطائفي امام أي تحريض يمارسه فريق متضرر من تدويل الازمة اللبنانية وهو الامر الذي بدأ فعلا .
ولذا تبدو طريق المؤتمر الدولي اشد تعقيداً من طريق تأليف الحكومة الجديدة، والاستحالتان تضعان لبنان امام دوامة الغرق في مزيد من الكوارث. مر لبنان سابقاً بتجارب احتدامات عنيفة بين معسكرات دولية اتخذت من ارضه ساحات لمتنفسها ولكن ذلك كان على أرضية لبنانيين لا يزالون قادرين على الصمود والمواجهة ولو بالحدود الدنيا للمواجهة . كما كان ذلك مع دولة لم تكن بنيتها التحتية الاقتصادية والمالية والمصرفية قد انهارت بل ظل الواقع المصرفي مثلا مظلة الأمان الضخمة للواقع اللبناني الى ما قبل سنة ونيف من الان .
في الواقع الحالي ليس ثمة ما يبعث على أي امل باستنهاض مشروع تغييري داخلي جذري ينتشل اللبنانيين من واقعهم الدراماتيكي على غرار ثورتهم على الوصاية السورية ومن ثورتهم الاجتماعية التي انطلقت في السنة الماضية . وبالتالي لبنان الان امام نوع مستجد وغريب من مزيج أزمات وكوارث يصعب جداً معها التكهن بما سيؤول اليه ولا يمكن الاستدلال بتجارب الماضي لتوقع خلاصاتها .
واذا كان من دليل قاطع على هذه المتغيرات في العمق فيكفي التدقيق في نتائج اكثر من أربعة اشهر من تكليف الرئيس سعد الحريري تشكيل الحكومة، والتي تتسم بزيادة الفقر والمرض والمصاعب المالية والاقتصادية على نحو خيالي وسط تصاعد المخاوف من ان يغدو كل هذا سهلاً امام الآتي الأعظم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات