Search
728 x 90

كازاخستان: رقعة متفجرة او القمع؟

كازاخستان: رقعة متفجرة او القمع؟

بدا على الفور وبعد ايام على انطلاق الاحتجاجات الشعبية في كازاخستان امكان تحولها الى رقعة متفجرة اعادت التذكير بقوة بالحرب الاهلية في سوريا التي انطلقت في 2011 او ايضاً بإيران ودول اخرى سرعان ما تلجأ الى القوة الضاربة خوفاً من انقلاب النظام متلحفة بارادة ردع”الارهاب “.

 اوجه الشبه الفورية هي مسارعة رئيس كازاخستان قاسم جومرت توكاييف الى رفض أي إمكانية تفاوض مع المحتجين معلناً انه سمح لقوات الأمن بـ«إطلاق النار بهدف القتل» لوضع حد لأعمال الشغب التي تهز البلاد واصفاً المحتجين “بالارهابيين ” ، وهي التسمية التي يسارع اليها رؤساء الدول المماثلة الى وسم المحتجين على اوضاع اجتماعية متردية بصفة الارهاب.

ونقطة التشابه الثانية هي مسارعة روسيا الى تلبية طلب رئيس كازاخستان الى التدخل لمساعدته في قمع الانتفاضة لديه علما ان روسيا تتدخل بعد ايام فقط وبسرعة لمصلحة السلطة في كازاخستان على عكس تدخلها في 2015 فقط من اجل انقاذ نظام بشار الاسد ولا سيما ان كازاخستان هي على الحدود الروسية وكانت جزءاً من جمهوريات الاتحاد السوفياتي قبل انهياره ولذلك هي تشكل مجالاً حيوياً في غاية الاهمية بالنسبة الى روسيا لا يمكنها التساهل به تحت اي طائل.

ووصف المحتجين بالارهاب بات نمطاً تلجأ البه دول كثيرة ولا سيما الانظمة الحديدية بحيث تتمكن من ردع الاحتجاجات بالقوة وزج المحتجين في السجون وقمعهم او حتى قتلهم من دون ان تثير هذه الدول ادانات كبيرة على المستوى العالمي ما دامت الدول جميعها تناهض الارهاب وتجاربه من حيث المبدأ. كما ان هذه الصفة تمنع التجاوب مع مطالب المحتجين لجهة التفاوض معهم او التنازل والتجاوب مع مطالبهم فيظهر النظام ضعيفاً تسهل منازلته بعد ذلك.

ولا يجب الاستهانة بتجربة بشار الاسد الذي وعلى رغم تدمير سوريا ووجود بضعة جيوش على اراضيها فإنه يستطيع المفاخرة انه لا يزال في موقعه بمساعدة حليفيه ايران وروسيا كما انه لم يتنازل قيد انملة امام مطالب المحتجين الذين انطلقوا في 2011 بمطالب متواضعة تحولت لاحقاً الى المطالبة بتغيير النظام فتشارك النظام مع حلفائه في تشريد ملايين السوريين وقتلهم. وعدم محاسبة الاسد على ما قام به بل بدء مسار اعادة الاعتراف بشرعيته يمكن ان يشكل نموذجاً قوياً للدول المماثلة التي يمكن ان تعيش بداية احتجاجات مماثلة من اجل الاقتداء به وتالياً النجاح في الصمود والبقاء اياً كانت الكلفة على كل المستويات ولا سيما اذا كانت دول كبرى داعمة للمسار القمعي.

وواجهت كازاخستان الغنية وهي أكبر دولة في آسيا الوسطى وسادس دولة في العالم من حيث المساحة حركة احتجاج شعبية بدأت في اليوم الثاني من بداية السنة الجديدة على اثر ملموسة في زيادة أسعار الغاز، ما لبثت ان امتدت إلى مدن أخرى وخصوصاً إلى ألماتي، العاصمة الاقتصادية للبلاد.

وتحوّلت التظاهرات إلى أعمال شغب أدت إلى سقوط قتلى وعدد كبير من الجرحى . فسارع توكاييف الى الاعلان انه امر قوات الامن والجيش بإطلاق النار بهدف “القتل من دون انذار مسبق” واصفاً الدعوات الى التفاوض مع المحتجين بـ “العبثية” وشاكرا “حليفه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للتجاوب مع مطالبته له لمساعدته عبر وصول كتيبة من القوات الروسية ودول أخرى حليفة لموسكو بهدف دعم السلطة تحت ستار منظمة معاهدة الامن الجماعي “التي تألفت قبل 20 عاماً وتضم ست دول هي روسيا وكازاخستان وقيرغيزستان وطاجيكستان وارمينيا وبيلاروسيا.

واثار العمل بهذه المعاهدة تساؤلات على خلفية انها المرة الاولى التي يتم العمل بها فيما ان استخدام القوة بعمل جماعي ليس مندرجاً في المعاهدة الا في حال التعرض الى عدوان خارجي. وهذه ليست الحال في كازاخستان في حين ان تعرض الدول المشاركة في المعاهدة سابقاً الى احتجاجات داخلية لم يتم الاستعانة بها بأي قوات من الخارج.

وقد اثار وصول مظليين روس في إطار قوة الرد السريع التابعة لمنظمة “معاهدة الأمن الجماعي” إلى كازاخستان قلقاً غربياً لم يخفه مسؤولون في الولايات المتحدة كما في حلف الناتو فيما يقيم الاثنان على خلاف وتوتر عميقين مع روسيا راهناً على خلفية الازمة في اوكرانيا . وفيما اكدت واشنطن أنها ستراقب عن كثب مهام تلك القوات الروسية، بعدما طلب رئيس كازاخستان ، مساعدة موسكو في السيطرة على التظاهرات العارمة والفوضى التي سقطت فيها البلاد منذ مطلع الأسبوع ، ردت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، بسخرية على تصريحات وزير الخارجية الأميركية أنتوني بلينكن فقالت “بلينكن مازح اليوم بطريقته الفظة المعتادة بشأن الأحداث المأسوية في كازاخستان”. وأضافت أن “إذا كان أنتوني بلينكن مغرماً جدا بدروس التاريخ، فعليه أن إذا دخل الأميركيون إلى بيتك، سيصعب عليك البقاء على قيد الحياة وعدم التعرض للسرقة أو الاغتصاب”.
ابرز الملاحظات ان الدول الغربية وان كانت تملك مصالح قوية اقتصادية ونفطية في كازاخستان، فإنها لا تملك اوراقاً قوية للتأثير في مجرى الامور هناك. وغالباً تضعف حجة الدول الغربية امام المنطق الذي يساق بسرعة لجهة طلب السلطات المعنية في البلاد بمساعدة الخارج وتدخله. وهي الذريعة التي تتمسك بها روسيا مثلا للمطالبة بالانسحاب الاميركي من سوريا بذريعة ان كل من الوجودين الايراني والروسي انما حصلا بطلب شرعي ورسمي من النظام او بطلب رسمي من الشرعية التي يمثلها النظام في رأيها. ولكن روسيا ترعبها التطورات في كازاخستان اكثر بكثير من سوريا التي لم تتدخل فيها الا بعد اربع سنوات على الحرب فيها في حين ان انهيار الوضع في كازاخستان يرعب روسيا التي تواجه تحديات جمّة في اوكرانيا وبيلاروسيا ولا تستطيع ان تسمح، لا بأن تتسع الاحتجاجات ولا حتى ان تطول لاكثر من ايام بحيث يصعب قمعها او يصبح اكثر خطورة بل سعت الى لملمتها بأي ثمن ولا سيما ان اضعاف النظام الحاكم في كازاخستان لا يعنيها وحدها فحسب بل يعني اضعاف روسيا على نحو غير مسبوق كذلك في كل منطقة آسيا الوسطى بارتدادات خطيرة في انحاء عدة في العالم.
وثاني هذه الملاحظات ان الاحتجاجات التي اتسعت سريعاً شملت في الواقع معارضة الرئيس السابق نور سلطان نزارباييف، الذي لا يزال يحتفظ بسلطات واسعة في الجمهورية السوفياتية السابقة، على الرغم من استقالته في العام 2019 بعدما حكم البلاد ما يقرب من ثلاثة عقود، بالإضافة إلى المطالبة بإسقاط النظام. ما دفع رئيس البلاد إلى التأكيد أنه أعطى الأوامر الصريحة بإطلاق النار على الفوضويين، فيما أعلنت وزارة الداخلية سقوط عشرات القتلى والجرحى وتوقيف 3000 ممن وصفتهم بالإرهابيين. فيما تعالت الأصوات الدولية محذرة من تفاقم العنف، وداعية إلى ضبط النفس.
ثالث هذه الملاحظات يفيد بأنه من السابق لأوانه الحكم ما اذا كانت ستنجح روسيا ام لا وبأي كلفة في قمع الاحتجاجات في كازاخستان فيما بدأ الرئيس يصفّي خصومه في السلطة ويقدم البعض منهم كبش محرقة على الصعيد السياسي تبريراً استباقياً للاعداد لمنطق وجود مؤامرة او انقلاب يحتاج بعض الوقت لاتضاح صحة وجوده من عدمه في ظل اعلام موجه .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات