Search
728 x 90

كازاخستان… العودة الى بيت الطاعة

كازاخستان… العودة الى بيت الطاعة

هل تطورات كازاخستان، الحديقة الخلفية لروسيا، منفصلة عن الواقع الجيو- سياسي المحيط بها، وهل ما حصل مجرد انتفاضة شعبية على الفقر والطبقة السياسية الفاسدة من دون ان يكون للأيادي الخارجية اي دور فيها ولا سيما انها اتت عشية مفاوضات روسية – غربية بشأن اوكرانيا والتسلح النووي… وكأن الاحتجاجات الشعبية رسالة مباشرة الى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ليخفف من ضغطه في الملف الاوكراني. فسارع هذا الأخير للتدخل عسكرياً تحت ستار “منظمة معاهدة الأمن الجماعي” التي تضم 5 دول من الاتحاد السوفياتي السابق قبل البدء بالانسحاب لأن “عملية حفظ السلام انتهت والمهام أُنجزت”.
فالأكيد ان كازاخستان اليوم ستبتعد عن سياستها الخارجية المتعددة، التي كانت توازن فيها بين الصين وروسيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي… لتعود حتماً وسريعاً الى بيت الطاعة الروسي.

بين 2 و13 كانون الثاني 2022، اقل من 12 يوماً سلّطت الضوء على آسيا الوسطى ولا سيما كازاخستان التي اندلعت فيها احتجاجات دامية على خلفية ارتفاع اسعار الغاز المسال، فشهدت تدخلاً عسكرياً روسياً مباشراً تحت ستار طلب رئيس البلاد قاسم جومارت توكاييف المساعدة من “منظمة معاهدة الأمن الجماعي” التي قمعت المحتجين وبدأت بالإنسحاب من البلاد بعد 7 ايام على وصولها.
فما أهمية كازاخستان ولماذا سارعت روسيا الى التدخل في تطوراتها؟


في الجغرافيا، تُعد كازاخستان جزءاً مهماً من منطقة وسط آسيا التي اتسمت بأهمية كبرى بالنسبة الى روسيا في اعقاب الانسحاب الأميركي من أفغانستان. وهي أكبر جمهورية، بعد روسيا، من حيث المساحة (تاسع أكبر دولة في العالم من حيث المساحة)، ومن حيث حجم الموارد الطبيعية بين جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابقة.
يحدّها من الشمال الغربي والشمال روسيا (اطول حدود معها)، ومن الشرق الصين، ومن الجنوب قيرغيزستان وأوزبكستان وبحر آرال وتركمانستان، كما يحدها بحر قزوين المغلق من الجنوب الغربي. وهي لا تطل على سواحل مفتوحة، وتُعد أكبر دولة حبيسة في العالم.

في التاريخ، في 26 آب 1920 أنشأت الحكومة السوفياتية جمهورية قرغيزستان ذات الحكم الذاتي، وغيرت اسمها العام 1925 إلى جمهورية كازاخستان ذات الحكم الذاتي قبل ان تصبح رسمياً جمهورية اتحادية سوفياتية في 5 كانون الأول 1936.
وقد أعلنت كازاخستان سيادتها في 25 تشرين الأول 1990، واستقلالها الكامل في 16 كانون الأول 1991 مع انهيار الاتحاد السوفياتي في العام نفسه. وكان الرئيس السابق للحزب الشيوعي نور سلطان نزارباييف أول رئيس للجمهورية، فحكم البلاد بقبضة من حديد حتى 2019، قبل ان تأتي انتخابات مشبوهة في نتائجها بخلفه قاسم جومارت توكاييف، الا ان سلطة نزارباييف بقيت واضحة في ما بعد.
فغيّر توكاييف اسم العاصمة من أستانة إلى نور سلطان تكريما لنزارباييف، وقام بترقية ابنة هذا الأخير إلى منصب رئيس مجلس الشيوخ، وذلك في أول يوم له في منصبه في 20 آذار 2019.
يشكل الكازاخستيون حوالي ثلثي السكان، والروس أقل من الربع، والأقليات الأصغر بقية السكان. ويشكل الإسلام الدين الرئيسي فيها.
في الموارد، تتمتع كازاخستان بأكبر اقتصاد في آسيا الوسطى وتملك 3 % من احتياطي النفط العالمي. فأكبر احتياطيات نفطية مؤكدة لديها موجودة في منطقة بحر قزوين، وتنتج حوالي 1.1 مليون برميل يومياً من النفط الخام. وقد استثمرت شركات غربية كبرى في مشاريع بعشرات مليارات الدولارات لتعزيز الانتاج في حقول النفط، غرب البلاد. فشكل النفط 21 % من إجمالي الناتج الداخلي للبلاد عام 2020، وفق البنك الدولي. وينتج أبرز حقل نفطي في البلاد “تنغيز” ثلث الناتج السنوي لكازاخستان وتسيطر على 50 % منه شركة “شيفرون” الأميركية.
كما تعد كازاخستان أكبر منتج لليورانيوم في العالم الى جانب كميات كبيرة من المنغانيز والحديد والكروم والفحم. كما تمثل 18% من عمليات تعدين البتكوين عالمياً.
الا ان كل هذه الموارد ادت الى انتشار واسع للفساد في الطبقة الحاكمة بحيث ان مستوى الفقر في البلاد يصل إلى حوالي 13 %.

في الشكل، شكل ارتفاع أسعار سعر الغاز المسال بنسبة 100% أول كانون الثاني الحالي إلى 120 تنغي (0.27 دولار) شرارة انطلاق الاحتجاجات التي امتدت كالنار في الهشيم في 8 مناطق من أصل 17، رغم اعلان الحكومة في ما بعد خفض السعر إلى 85-90 تنغي لليتر الواحد. وهذا طرح السؤال عن براءة سبب الاحتجاجات الدامية فيما اشار اكثر من تقرير امني الى تزامنها مع صراع على السلطة داخل الحكم بين الموالين للرئيس الحالي قاسم جومارت توكاييف واولئك لسلفه نور سلطان نزارباييف الذي لا تزال باعه طويلة في الحكم رغم استقالته من منصبه في آذار 2019. وقد سارع توكاييف الى التأكيد ان “العنف كان من عمل 20 ألفاً من اللصوص وعصابات الجريمة الذين انطلقوا من مركز قيادة واحد، وأشعلوا النار في السيارات، واقتحموا المكاتب الحكومية”.
وأبعد من ذلك، يتفق اكثر من مراقب دولي على ان تطورات كازاخستان تشكل حتماً وسيلة لليّ ذراع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في اوكرانيا.
ثم ان غالبية النخبة السياسية الحالية تتميز بميول ليبرالية واضحة نظراً الى انها درست في الجامعات الغربية ولا سيما الجامعات البريطانية، مما دفع اكثر من محلل سياسي الى اعتبار انها تسعى الى تعزيز التكامل مع الاتحاد الأوروبي، على حساب علاقاتها مع موسكو.

في التوقيت، اتت احتجاجات كازاخستان قبيل المفاوضات في فيينا بين روسيا من جهة، والولايات المتحدة وحلف شمال الاطلسي ومنظمة التعاون والامن في اوروبا من جهة أخرى، للبحث خصوصاً في حشد موسكو لنحو 100 ألف جندي على حدود أوكرانيا اثر رفض الناتو في تشرين الأول 2021 طلبها الغاء رسميا قراره الصادر عام 2008 بفتح الباب أمام انضمام جورجيا وأوكرانيا الى صفوفه.
اما التشبيه بين التدخل الروسي في كازاخستان وفي اوكرانيا فيختلف في الاساس، نظراً الى ان موسكو تعتبر أوكرانيا جزءاً منها، اذ لم تعترف أبداً بالسيادة الأوكرانية الساعية الى الانضمام الى الاتحاد الاوروبي في وقت لم تسعَ كازاخستان ابداً لأن تكون جزءاً من الاتحاد الاوروبي او من الناتو.

لماذا تدخلت روسيا في كازاخستان؟
يتفق أكثر من مراقب على سعي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على الاحتفاظ بسيطرته على الجمهوريات السوفياتية السابقة بحيث تبقى انظمتها تدور في فلكه. فحتى اليوم مثلاً، لا تزال اللغة الروسية لغة رسمية في كازاخستان.
من هنا اهمية كازاخستان بالنسبة الى روسيا، اذ يهدف التدخل الروسي الى منع تكرار ثورة 2014 التي أطاحت حكماً موالياً لموسكو في أوكرانيا. فتكون حكومة توكاييف مدينة بالفضل لموسكو عندما تسيطر على الاحتجاجات العنيفة، خصوصاً انها سعت في العقود الثلاثة الماضية الى نسج سياسة خارجية منفصلة عن موسكو حيال أوروبا والولايات المتحدة والصين ولا سيما في مجال الطاقة حيث بنت خطوط أنابيب تسمح لها بالبيع المباشر للمستهلكين خارج روسيا.
وإذ سارع الرئيس الكازخستاني الى طلب مساعدة منظمة معاهدة الأمن الجماعي ( تضم 5 دول من الاتحاد السوفياتي السابق، وهي أرمينيا، طاجكستان، كازاخستان، قيرغيزستان، بيلاروسيا الى جانب روسيا)، لبّت هذه الأخيرة الطلب بسرعة اكبر، علماً انها المرة الاولى التي تقوم فيها بعمل عسكري مشترك منذ تأسيسها العام 1999، اذ رفضت في السابق التدخل في اضطرابات بيلاروسيا العام 2020، وفي القتال بين أرمينيا وأذربيجان في العام نفسه.
وتجدر الاشارة الى ان منظّمة معاهدة الامن الجماعي مقرها موسكو التي اوجدتها بهدف ضم دول الاتحاد السوفياتي السابق ومنعها من الانضمام الى احلاف أخرى.
فللمرة الرابعة في أقل من عامين تدخلت روسيا على خط أزمة جديدة في واحدة من الدول السوفياتة السابقة، بعدما تدخلت في جورجيا (العام 2008 ) وبيلاروسيا (العام 2020) وأوكرانيا (العام 2014 ) وأرمينيا (2020)، لكن هذه المرة بطلب مباشر وصريح من الرئيس الكازاخستاني. فأرسلت جنوداً لـ “حفظ السلام” سرعان ما اعلن رئيس كازاخستان بدء انسحابهم بعد السيطرة على الوضع. لكن اذا غاب الوجود الروسي المادي… فإن وجوده المعنوي تثبت في البلاد وباق لفترة غير منظورة.
اما السبب الروسي للإسراع في التدخل عسكرياُ فقد يكون الشعور بأن لا عواقب واضحة لهذا التدخل، اكان اوروبيا ام اميركياً رغم الادانات اللاحقة للتدخل اذ اكتفى وزير الخارجية الاميركية أنتوني بلينكن بالإعلان يومهاً “لا تزال لدى واشنطن تساؤلات حول طلب توكاييف تعزيزات عسكرية من تحالف تقوده روسيا”.
ويجب عدم اغفال اهمية كازاخستان موالية لموسكو بالنسبة الى النظام الروسي، اذ ان قاعدة “بايكونور” الفضائية التي استأجرتها روسيا في البلاد، لا تزال أكبر منصة إطلاق في العالم بعد حوالى 60 عاماً من انطلاق رائد الفضاء السوفياتي يوري غاغارين منها، وهو أول رجل في الفضاء.
ثم ان كازاخستان تضم أقلية عرقية روسية كبيرة، سبق وألمح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالتهديد بـ “تحريكها” في السابق قائلاً “توجد هناك أقلية يمكنها إجراء استفتاء حول الاستقلال” عن كازاخستان.

الصين لاعب اساسي،
كما تحافظ كازاخستان أيضا على علاقة مهمة مع الصين التي حلّت معها قضايا ترسيم الحدود العالقة العام 1999، مما حدا بوزارة الخارجية الصينية الى الاعلان عن “استعداد بكين، في حدود قدراتها، لتقديم المساعدة إلى كازاخستان” فور اندلاع الاحتجاجات فيها، وذلك نظراً الى ” ان الصين وكازاخستان جارتان صديقتان وشريكتان استراتيجيتان دائمتان، والى رغبة الصين في تطوير التعاون مع كازاخستان في مجالات الأمن المناهضة للتدخلات الأجنبية”.
فكازاخستان هي جزء من “منظمة شنغهاي للتعاون” التي تعتبر حلفاً عسرياً جديداً في مقابل “الناتو” (تشكلت العام 1996 لتضم الصين وكازاخستان وقرغيزستان وروسيا وطاجيكستان، ومن ثم انضمت اليها الهند وباكستان وايران).
وقد توطدت العلاقات بين الجهتين اقتصادياً وتجارياً منذ أن اقترح رئيس كازاخستان نزارباييف ربط السياسة الاقتصادية الجديدة لكازاخستان “الطريق المشرق” بمبادرة ” الحزام الاقتصادي لطريق الحرير” العام 2014 . فوفقًا للإحصاءات الصينية ، في الفترة من كانون الثاني إلى آب 2020 ، بلغ حجم التجارة الثنائية بين الصين وكازاخستان 13.17 مليار دولار أميركي، بحيث ان الاستثمار المباشر للصين في كازاخستان بلغ 360 مليون دولار أميركي ، بزيادة قدرها 80٪ عن الفترة نفسها من العام 2019.
وقد كرت سبحة الاستثمارات الصينية في البلاد، والمثال خط سكة حديد “جيزكازجان – بينو” الذي يبلغ طوله 1000 كيلومتر ويوّفر 3 أيام لنقل البضائع من الصين إلى ميناء أكتاو البحري في كازاخستان، ناهيك عن اهمية هذا الميناء بالنسبة الى حجم البضائع التي تمر في بحر قزوين، بحيث ان كازاخستان تشكل حاليًا 30٪ من إجمالي حجم البضائع فيه.
ويلفت المراقبون الى ان مشاريع التعاون في بناء القدرات بين الصين وكازاخستان ازدهرت اعتباراً من ايار 2017 بحيث اتت بقيمة 27 مليار دولار أميركي، دخل 34 مشروعاً منها حيز الإنتاج فيما 43 مشروعاً قيد التنفيذ.
كما اسهمت الصين في مشاريع عدة في مجال تحويل الفحم إلى الغاز الطبيعي، ناهيك عن البنى التحتية المختلفة مثل الجسر القاري الأوروبي الآسيوي الجديد، والممر الاقتصادي بين الصين وآسيا الوسطى وغرب آسيا، ومشروع “طريق شوانغشي السريع”، ومشروع Turgusun للطاقة الكهرومائية.

لتركيا دور ايضاً،
تشكل كازاخستان اهمية جيو- سياسية بالنسبة الى انقرة ايضاً من ضمن “منظمة الدول التركية” التي تضمها ايضاً في مسعى لتعزيز دورها الأمني والسياسي في آسيا الوسطى. وسبق لها أن اشترت أسلحة من أنقرة، ولا سيما طائرات من دون طيار ومدرعات. الا انه كان لافتاً طلب كازاخستان المساعدة الامنية الروسية وليس التركية، علماً ان انقرة تسعى الى تعزيز حجم التبادل التجاري معها ليرتفع من الـ 3 مليارات دولارالحالية الى 10 مليارات.

في المحصلة، اللاعبون كثر على ساحة كازاخستان، والرهانات أكثر ولا سيما في دول آسيا الوسطى التي قد تصبح اسيرة تدحرج أحجار الدومينو على طول محيط روسيا بالكامل، متى سقطت احداها. ومجرد النظر الى خريطة كازاخستان الجغرافية يطرح سؤالاً عن امكان امتداد الاحتجاجات الى الجارتين تركمانستان واذربيجان وغيرهما.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات