Search
728 x 90

في بعض تداعيات زيارة بايدن الى المنطقة

في بعض تداعيات زيارة بايدن الى المنطقة

لم تبد العلاقات الاميركية – السعودية مرة رهينة السياسة الداخلية المضطربة في الولايات المتحدة على خلفية الانقسامات الحزبية المستمرة المتعلقة بادعاءات الفوز في الانتخابات والتضخم والاستعدادات لانتخابات الكونغرس النصفية في تشرين الثاني المقبل كما بدت في الزيارة التي قام بها الرئيس جو بايدن الى المملكة السعودية. والحال نفسها عن الثقل الذي تشكله التوترات نتيجة الحرب الروسية على اوكرانيا والجهد الاميركي لإعادة رسم مقاربات مختلفة مع دول المنطقة تبعدها عن الاقتراب اكثر من روسيا والصين في ظل الانكفاء الاميركي.

 اعاد بايدن تحديد هذه الاهداف بهذا العنوان عن عدم ترك الولايات المتحدة المنطقة فتملأ فراغها روسيا والصين. اذ اكد بايدن لقادة الخليج ودول عربية أخرى خلال قمة جدة، أن واشنطن ” لن تتخلى ” عن الشرق الأوسط، حيث تلعب منذ عقود دوراً سياسياً وعسكرياً محورياً، ولن تسمح بوجود فراغ تملؤه قوى أخرى.

وأضاف في كلمة ألقاها خلال قمة مع ست دول خليجية ومصر والأردن والعراق، أن واشنطن لن تنسحب وتترك فراغاً تملؤه روسيا أو الصين أو إيران. كما قال بايدن أمام القمة، إن الولايات المتحدة ملتزمة بضمان عدم حصول إيران على سلاح نووي مطلقاً. وأكد بايدن أن واشنطن ” لن تسمح لإيران بنشر التوترات وسنوفر الدعم لحلفائنا في المنطقة ” مشيراً الى أن أنشطة إيران تزعزع الاستقرار في الشرق الأوسط”. وهو اكد تكراراً ان ” الولايات المتحدة ستبقى شريكاً نشطاً في الشرق الأوسط… سنعمل في منطقة الشرق الأوسط ونؤسس لعلاقات اقتصادية مستدامة.. المصالح الأميركية مرتبطة مع النجاحات في الشرق الأوسط.”
كان لافتاً في زيارة اليومين الى السعودية اهتمام اميركي لافت وعلى نحو مواز للزيارة تكرار مستشار الأمن القومي الأميركي جيك سوليفان ما قاله سابقاً من أن الولايات المتحدة تعتقد أن مسؤولين من روسيا زاروا مطاراً في إيران في الآونة الأخيرة لتفقد طائرات مُسيّرة ذات قدرات هجومية، مضيفاً “على حد علمنا هذه هي المرة الأولى التي يزور فيها وفد روسي هذا المطار لحضور مثل هذا العرض”.

وفي الأسبوع الماضي قالت واشنطن إن لديها معلومات تفيد بأن إيران تستعد لتزويد روسيا بعدة مئات من الطائرات المُسيّرة، من بينها طائرات ذات قدرة على حمل أسلحة، وأن طهران تستعد لتدريب القوات الروسية على استخدامها. والشق الاخر تمثل في ان استقالة رئيس الوزراء الايطالي ماريو دراغي اخرجها من إطارها الوطني ليضعها بين هواجس الساعة في العواصم الأوروبية الكبرى وعلى أجندة الإدارة الأميركية، التي تحدث مستشار الأمن القومي جيك سوليفان من السعودية عنها معتبراً إن جو بايدن يتابع تطوراتها باهتمام وقلق شديدين.
ما توقف عنده سياسيون في لبنان الذي اخذ حيزاً مهما على نحو لافت في البيان المشترك الاميركي السعودية كما في بيان قمة جدة حيث ورد التطلع اليه من ضمن الرؤية المشتركة لشرق اوسط جديد ومزدهر جملة امور غير تلك التي تتعلق بالتفاصيل المتعلقة برأب الصدع بين دول المنطقة والولايات المتحدة . من بين هذه الامور في شكل خاص:
اولا : ان الموقف الحازم من ايران وضرورة وقف تدخلها في شؤون المنطقة لم يمنع مد اليد اليها للتعاون ولكي تكون شريكة في المنطقة من المنظار الذي يتم التطلع اليها فيه. والجدير ذكره في هذا الاطار ما كشفته مصادر اوروبية لصحيفة ” الشرق الاوسط ” تزامناً مع زيارة بايدن من ” أنَّ الغربيين قبلوا، نزولاً عند رغبة طهران، التخلي عن المطالبة بربط المفاوضات النووية مع ملفين آخرين هما القدرات الصاروخية ــ الباليستية الإيرانية وسياسة طهران الإقليمية المزعزعة للاستقرار”.
واللافت في المقاربة ازاء ايران في قمة جدة الانفتاحية تمايزها عن تلك التي اعتمدتها اسرائيل ابان زيارة الرئيس الاميركي الذي وجه رسالة حازمة لايران عبر “اعلان القدس”، كما لو ان على ايران الاختيار بين خيارين متاحين امامها.
ثانيا: ان البيان المشترك الاميركي – السعودي الذي شمل مروحة كاملة من الازمات في دول المنطقة ترجم “مرجعية” المملكة وعدم امكان تجاهل دورها او موقعها في البحث عن حلول لها وفق رؤية مشتركة مع الولايات المتحدة . فما يترجمه ذلك هو ان المملكة ومعها الدول المشاركة في قمة جدة تساهم مساهمة اساسية في وضع اجندة المنطقة ولا غنى عنها في هذا الاطار، لا بل انها تلعب دوراً حيوياً في المشاركة في المسائل الدولية من اوكرانيا الى افغانستان عدا عن موضوع الطاقة والمسائل الاخرى التي تناولها البيان. وبالنسبة الى هؤلاء فإن دول المنطقة المعنية التقطت اللحظة المناسبة التي يحتاج اليها الجميع تقريباً من اجل اقتناص فرصة تعزيز موقعها ومصالحها.
ثالثا : ما ورد عن لبنان وفق المصادر السياسية ما لا ينفصل من مبادرة الكويت الى امداد العراق لبنان بالفيول للكهرباء الى مساهمة قطر بدفع رواتب عناصر الجيش اللبناني ووجود مبادرة للولايات المتحدة ايضاً في هذا الاطار، بما يعنيه من تكامل المواقف ازاء لبنان المطالب بإجراء الاصلاحات وبسط سيادة الدولة على كل اراضيه وحصرية السلاح في يد الدولة جنباً الى جنب التزام الاستحقاقات الدستورية واحترام اتفاق الطائف.

وورد في مقطع كبير ما حرفيته :”عبر القادة عن دعمهم لسيادة لبنان، وأمنه واستقراره، وجميع الإصلاحات اللازمة لتحقيق تعافيه الاقتصادي. نوه القادة بانعقاد الانتخابات البرلمانية، بتمكين من الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي. وبالنسبة للانتخابات الرئاسية القادمة دعوا جميع الأطراف اللبنانية لاحترام الدستور والمواعيد الدستورية. أشاد القادة بجهود أصدقاء وشركاء لبنان في استعادة وتعزيز الثقة والتعاون بين لبنان ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، ودعمهم لدور الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي في حفظ أمن لبنان. نوّه القادة بشكل خاص بمبادرات دولة الكويت الرامية إلى بناء العمل المشترك بين لبنان ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وبإعلان دولة قطر الأخير عن دعمها المباشر لمرتبات الجيش اللبناني. أكدت الولايات المتحدة عزمها على تطوير برنامج مماثل لدعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي. كما رحب القادة بالدعم الذي قدمته جمهورية العراق للشعب اللبناني والحكومة اللبنانية في مجالات الطاقة والإغاثة الإنسانية. دعا القادة جميع أصدقاء لبنان للانضمام للجهود الرامية لضمان أمن لبنان واستقراره، وأكد القادة على أهمية بسط سيطرة الحكومة اللبنانية على جميع الأراضي اللبنانية، بما في ذلك تنفيذ أحكام قرارات مجلس الأمن ذات الصلة واتفاق الطائف، من أجل أن تمارس سيادتها الكاملة فلا يكون هناك أسلحة إلا بموافقة الحكومة اللبنانية، ولا تكون هناك سلطة سوى سلطتها”.

لكن ما يهم في سياق زيارة بايدن بغض النظر عن التفاصيل الشكلية اعادة رأب الصدع مع الدول الحليفة في المنطقة حتى لو ان المسألة تحتاج الى بعض الوقت لإعادة الامور الى نصابها والتخلي عن اولوية العودة الى الملف النووي والعلاقات مع ايران قبل اي اولوية اخرى بما فيها العلاقات مع الدول الحليفة بالإضافة الى اعلان الرئيس الاميركي عدم ترك المنطقة لكي تملأ الفراغ فيها روسيا او الصين او ايران. وهذا كله لم يكن ليحصل حكماً من دون تداعيات الحرب الروسية على اوكرانيا فيما تظهر هذه الجولة ابتعاد امكان رأب الصدع مع روسيا في المدى المنظور على الاقل . وبات محسوماً كذلك في الوقت نفسه ان لا افق لإمكان عودة المفاوضات الفلسطينية – الاسرائيلية المتصلة بحل الدولتين اقلّه خلال ولاية بايدن لان اطلالة الاخير على ملف القضية الفلسطينية لم يكن سوى من الباب الانساني فحسب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات