Search
728 x 90

فيينا والرياض… تلازم المسار والمصير

فيينا والرياض… تلازم المسار والمصير

مواعيد وتواريخ كثيرة يضعها اكثر من محلل للتكهن بما سيؤول اليه الوضع اللبناني، في ظل تطورات منطقة الشرق الاوسط المتسارعة. من مفاوضات فيينا المتعلقة بالملف النووي الايراني، الى الانفتاح الخليجي على ايران، ولا سيما المحادثات السعودية- الايرانية، فتطورات العراق واليمن وسوريا.
هل هي حقيقة حاصلة، هل الوضع اللبناني مرتبط بها بشكل وثيق وهو يقف على عتبة انتخابات نيابية ورئاسية مرتقبة؟
سفير لبنان السابق في واشنطن د. رياض طبارة يقرأ لموقع beirutinsights ما وراء هذه الأحداث الاقليمية والدولية ومدى تأثيرها على لبنان.

الحقيقة، يقول السفير رياض طبارة ان ما من تاريخ محدد لنتائج اي تطور مستجد الآن على الساحة الاقليمية، وما من معرفة اكيدة لما سيؤول اليه. جلّ ما يمكن ان نقوم به هو تحديد موقع كل فريق معني بهذه التطورات، اكان على الصعيد الدولي بالنسبة الى مفاوضات فيينا حول الاتفاق النووي بين ايران ومجموعة الدول 5 زائد واحد، ام المحادثات السعودية- الايرانية. فالوصول الى اتفاق نهائي بين اميركا وايران للحد من البرنامج النووي الايراني ليس قريباً، علماً ان لا الاصدقاء ولا “الاعداء” يقبلون بوجود ايران نووية: لا الاميركيين ولا الاوروبيين، ولا اسرائيل بالطبع، ولا دول الخليج… وايضاً لا روسيا التي تملك حدوداً مشتركة مع ايران في بحر قزوين، ولا الصين التي لا ترحب حتماً بقوة نووية جديدة في آسيا.
فالمطروح غربياً اليوم هو اتفاق نووي جديد لا يشبه اتفاق 2015 السابق المحدود زمنياً، والذي شارف اصلاً على نهايته، اذ ان بعض بنوده ينتهي مفعوله العام 2025، وآخرها ينتهي العام 2030 .
فالمعلوم ان واشنطن تشترط البحث في ملف الصواريخ الباليستية الايرانية ونشاط ايران الاقليمي عبر اذرعها العسكرية في دول الجوار بالتزامن مع البحث في الملف النووي. فهذا كان مطلب الرئيس الاميركي السابق باراك اوباما من دون ان يتحقق في نسخة الاتفاق النووي السابقة، وهذا ايضاً ما دفع الرئيس دونالد ترامب الى الغاء الاتفاق من جانب واحد. لذا، تبدو اليوم ادارة جو بايدن متمسكة اكثر من اي وقت مضى بهذين الشرطين الاضافيين، ناهيك عن الكونغرس بشقّيه، بحيث باتت المعادلة: لا اتفاق نووياً من دونهما.
وإذا كان موضوع الصواريخ الباليستية وجد طريقه الى طاولة المفاوضات في فيينا، فمن الواضح – يقول طبارة- ان التفاوض حول نشاط ايران الاقليمي في الدول الأربع : اليمن والعراق وسوريا ولبنان، تم تلزيمه اميركياً الى الرياض.
فواشنطن تعلم تمام العلم ان هذا الملف قد يستغرق وقتاً طويلاً من المفاوضات، لا تملك اي جهة دولية ترفه، خصوصاً ان ايران قد تستغل هذه الفترة لتخصيب مزيد من اليورانيوم بدرجات مرتفعة تقرّبها بشكل خطير من انتاج قنبلة نووية.
وهذه المفاوضات هي حتماً موازية لمفاوضات فيينا، بحيث ان الشقّين مرتبطان ببعضهما. فالجولات الاربع السابقة بين الرياض وطهران سارت على ما يرام منذ ان بدأت في تشرين الاول 2021. وقد اعلن اخيراً السفير الإيراني لدى العراق إيرج مسجدي ان “جولة خامسة من المباحثات بين الجمهورية الإسلامية والسعودية ستجري في بغداد قريباً، فيما الجولات الأربع السابقة من المباحثات احرزت تقدماً جيداً”.
في الموازاة اكدت الخارجية الايرانية ان “التعامل بين إيران والسعودية بدلاً من المواجهة سيكون لصالح دول المنطقة”.
ويلفت طبارة الى ان بوادر التقدم في هذا المسار ظهرت بأشكال عدة منها دعوة ايران للإشتراك في اجتماعات منظمة التعاون الاسلامي بعد اقصائها منه في العام 2016، كما وصول رسميين ايرانيين الى الرياض في كانون الثاني 2022 لإعادة فتح مكاتب ايران للمنظمة.
لكن هل هذا يعني ان النتائج على الابواب خصوصاً ان هذا الملف بالذات وحده سينعكس على لبنان مهما كانت نتيجته؟
المحادثات الاقليمية هذه ما زالت في مراحلها البدائية وفي بداية مسار طويل، يقول طبارة، خصوصاً ان من غير الممكن ان تتخلى اميركا عن ايجاد حل للميليشيات التي تدعمها ايران في المنطقة، والحال سيّان بالنسبة الى دول الخليج، وعلى رأسها السعودية حليفة واشنطن. والأهم من كل ذلك ان اسرائيل لن ترضى بذلك.
من هنا، اتفاق اكثر من مراقب على ان المفاوضات حول الملف النووي كانت تجري رسمياً في فيينا فيما اسرائيل كانت تقوم بما اعتبروه “مفاوضات في الظل” للتحضير للخطة “ب”، اي ضرب ايران عسكرياً بالتلازم مع تشديد العقوبات، اكان في العمق عبر استهداف منشآتها النووية، ام بالواسطة عبر اذرعها العسكرية. وهذا ما فعلته بالذات في سوريا في الفترة الأخيرة، عبر الغارات الجوية التي استهدفت مواقع كل من ايران وحزب الله هناك. وقد كشفت تقارير صحافية نقلاً عن مصادر عسكرية اسرائيلية أن تل ابيب دمرت ثلثي الأسلحة الإيرانية الموجودة في سوريا.
وفي هذا السياق يؤكد السفير طبارة ان الولايات المتحدة لن ترفع العقوبات بالكامل عن ايران قبل التوصل الى اتفاق بشأن الميليشيات التي تدعمها طهران اقليمياً. فالمحادثات النووية لا تزال عالقة ، وحتى لو نجحت جزئياً او بالكامل فإنها لن تتطرق او تحل الميليشات المتحالفة مع ايران، بل قد تزيدها تعقيداً لأنها ستحرر اموالاً قد تستعملها ايران لدعم هذه الميليشيات.
فإيران، يؤكد طبارة، تماطل في التوصل الى اتفاق بانتظار نتائج الانتخابات النصفية الاميركية في تشرين الثاني 2022، اذ ان نجاح الجمهوريين ، اقله في مجلس النواب، سيعيد عقارب الساعة الى الفترة الشبيهة التي سادت خلال إدارة ترامب.
كما ان عينها شاخصة على نتائج الانتخابات الرئاسية في 2024، خصوصاً ان من المرجح ان يعود ترامب للترشح فيها. من هنا، اصرار طهران على الحصول على تعهد من ادارة بايدن بأن اي اتفاق تتوصل اليه لن يتغير مع تغيّر الحزب الحاكم كما حصل في السابق.
الا ان بايدن – يقول طبارة- لا يستطيع دستورياً ان يعد بذلك،لأن اقصى ما يمكن ان يقوم به هو محاولة ربط اي تغيير في الموقف الاميركي تجاه الاتفاق النووي بموافقة غالبية مجلسي الكونغرس، مما يجعل الانسحاب الاميركي من الاتفاق اصعب لكن غير مستحيل.
من هنا، اشارة اكثر من مراقب، الى سعي ايران ايضاً الى “خطة ب” عبر عملها على ايجاد بدائل لرفع العقوبات الاميركية عبرالانفتاح شرقاً اقتصادياً. فالرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي وقّع اتفاقية إستراتيجية مع بكين لمدة 25 عاماً، وسعى الى ابرام اتفاقية مماثلة مع موسكو خلال زيارته الأخيرة اليها التي وصفها بأنها “انعطافة تاريخية مهمة لتطوير العلاقات الثنائية على شتى الصعد”. ورأى ان علاقات ايران مع روسيا ستضع حداً لما وصفه بأنه “الأحادية في العالم”.
لكن هل الأمل مسموح بنتائج ايجابية لمفاوضات فيينا ومحادثات الرياض – طهران على رغم كل التعقيدات المتشابكة اقليمياً ودولياً، وبالتالي انعكاسها على الوضع اللبناني؟
لا يمكن التكهن بالنتائج في اي حال، يؤكد طبارة، لكن على الاغلب، قد تتم صفقة غربية مع ايران، بحيث ترفع العقوبات عنها بالكامل شرط ان تكف يدها عن دول المنطقة. فتتعامل حينها ايران معها اقتصادياً بدلاً من ان يتم ذلك عبر اذرعها العسكرية والميليشيات التي تدعمها.
وهذا، ان حصل، سيغيّر صورة المنطقة ومناخها ودور ايران فيها ولا سيما في البلدان الاربعة: العراق واليمن وسوريا ولبنان. فيكون لطهران دور اقتصادي فيها وليس عسكرياً، بدءاً بإنهاء الحرب الحوثية في اليمن، وسحب مسلحي حزب الله من سوريا، وايجاد حل لسلاحه في لبنان، علماً ان المعطيات بدأت تتبدل في العراق وفق هذا النمط.
يومها، يختم طبارة، مناخ المنطقة سيتبدل من المواجهات العسكرية المفتوحة الى الاقتصاد المفتوح.
اما اذ اخفق الافرقاء المعنيون في التوصل الى اتفاق نووي فإن الأمور متوجهة الى كرة نار متدحرجة من المواجهات العسكرية التي لا افق لها اقليمياً، وفق ما توقعت مراكز بحوث عدة سارعت الى الاضافة ان الخيار العسكري هو آخر حل قد يلجأ اليه اي فريق، لأن الجميع يسعى الى استقرار المنطقة… وهذا لن يحصل من دون اتفاق نووي سيسمح للولايات المتحدة بالتفرغ الى الملف الاكثر الحاحاً بالنسبة اليها، وهو علاقتها بالصين ودورها في العالم، ناهيك عن تأمين النفط والغاز الخليجيين – غير الاساسيين بالنسبة الى واشنطن- لكن الحيويين لحلفائها، ولا سيما الدول الاوروبية التي ترزح اليوم تحت التهديد الروسي بوقف انابيب “نورد ستريم 2” نتيجة الازمة الاوكرانية. ثم ان الدول الاوروبية تستعجل الاتفاق الذي سيفتح لها الاسواق الايرانية التي ستعوّض لها عن ارصدتها المجمدة بفعل العقوبات الاميركية.
تبقى اسرائيل المتضررة الأولى من الاتفاق النووي، لكن المقيّدة بموقف ادارة جو بايدن التي حذرتها من استقلالية اي عمل عسكري ضد ايران من دون ضوء اخضر اميركي، وذلك خلال الزيارة الاخيرة التي قام بها رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت، ووزير الدفاع بيني غانتس، ورئيس الموساد الى واشنطن.
اما الدول العربية، فستكون حتماً المتضررة المباشرة الاولى من اي تصعيد لن تعرف تبعات نتائجه الكارثية بالتحديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات