Search
728 x 90

فلسطين / حلُّ الدَّولتَين: الحتميَّة التاريخيَّة!

فلسطين / حلُّ الدَّولتَين: الحتميَّة التاريخيَّة!

في 29/11/2012 منحَت الجمعيّة العامة للأمم المتحدة فلسطين صفة دولة مراقِب غير عضو في الأمم المتحدة، في خطوةٍ تُعدُّ انتصاراً ديبلوماسيّاً وإنجازاً قانونيّاً في مواجهة إسرائيل. هذه الخطوة التي عارضتها حينها الولايات المتحدة الأميركيّة، وامتنعت فيها عن التصويت المملكة المتحدة، ودعمتها فرنسا وروسيا والصين، مع انحيازٍ من 138 دولة، أكَّدت على القرار (181) الصّادر في 29/11/1947، والقاضي بقيام دولة فلسطينيّة عربيّة مع الاعتراف بقيام إسرائيل.

زياد الصّائغ
خبير في السياسات العامة

ثمّة من يُصِرّ على تمايزٍ بنيويّ بين ما اُقِّر في العام 2012، وما كُتِب في العام 1947، لكنّ السّياق التاريخيّ يُثبِت أنهما ينتميان إلى حلِّ الدَولتَين، وهنا بيت قصيد ما تسعى إلى إجهاضه الصهيونيّة. ومَكمَن التمييز بين الصهيونيّة واليهوديّة، على طابعه الدّينيّ، يحمِل الكثير من المعاني السياسيّة، إذ في الوعي اليهوديّ تجريدٌ للأساطير الصهيونيّة من إدّعاء مشروعيّة اغتيالها الشعب الفلسطينيّ وحقوقه. ويمكن العودة في ذلك إلى أدبيّات اليسار الاسرائيلي وفي مقدِّمِها المؤلّف الأخير للمفكِّر اليهوديّ إيلان بابيه “أكبر سجن على الأرض / سرديّة جديدة لتاريخ الأراضي المحتلّة” (نوفل – هاشيت أنطوان / 2020).

في هذا المؤلَّف ينهي بابيه بالوقائع الأساطير الصهيونيّة المُضلِّلة لمشروعيّة الاستيلاء على فلسطين وتهجير شعبها. من هنا تبدأ المعركة الفِكريّة، والتي عبّر عنها بابيه في أحد اللقاءات الافتراضيّة عن العلاقات المسيحيّة – اليهوديّة في الشرق الأوسط، بأنَّ بوصلتها تعرية الأيديولوجيّة المتصهينة مسيحيّاً، والمُؤسلمة تدييناً للقضيّة الفلسطينيّة، بما يعيد قضيّة فلسطين سياسيّة وحقوقيّة وإنسانيّة بعيداً عن الاسكاتولوجيّات المُسقطة على تكوّناتها. وقد أتى هذا التعبير لبابيه على مسمعي ليؤكِّد لِمَ تمَّ الانقضاض على المشروع الوطنيّ الفلسطينيّ من بعضِ بيتِ أهله، يُضاف إلى المنقضّين خياراتً جعلت من فلسطين ورقة مقايضة ومُفاوضة ومساومة، على أجندة قِوى إقليميّة تتناقض ظاهِراً، لكنّها تتقاطع في حِلفٍ موضوعيّ بين مُتطرِّفين.

لم يسمح حِلف المتطرِّفين هُنا بالاستثمار، لا في المبادرة العربيّة للسّلام (2002)، ولا في التبدّل الهيكليّ في المزاج النخبويّ الغربيّ لصالِح دَعم حقوق الشعب الفلسطينيّ بقيام دولةٍ سيّدة مستقلّة، وعودة لاجئيه. لكنّ خيار الاعتدال أيضاً لَم يُمنهِج مقاربته الديبلوماسيّة – القانونيّة لصالح انتصار الـ2012. كانت في الأفق ضبابيّة قاتِلة. لَم تنفع معها محاولاتٌ حثيثة للاحتواء. بَقِي تقطيع الأوصال غائِباً بين الضِّفة وغزّة. لم يختر الفلسطينيّون هنا وهناك استكمال وحدة المواجهة بناء على هذا الانتصار. ليس بالإمكان تفصيل مكامِن هذا الفشل في هذه العُجالة، إلّا أنّه من الثابت أنَّ الانقسام كان واضِحاً بين ناسِ فلسطين وقيادتها في الطّرفين. الارتقاء في معالجة وجع الناس وطموحاتهم النضاليّة لا يستقيم بانفعالات وانكفاءات، أو رهانات والتصاقات.

في كلِّ ما سبق، وعلى وحشيّة العدوان الإسرائيليّ على كلّ فلسطين، وفي صميمها غزّة، يعود “حلُّ الدَولتَين” إلى الواجهة، وتنتهي “صفقة القرن” إلى لحدِها لا محالة، وكُنّا نرى ذلك منذ ضُخَّ سمّ هذه الأخيرة في أكروباتيّة صبيانيّة تسويقيّة سمِجة. يعود “حلُّ الدَولتَين” مساراً تاريخيّاً حتميّاً، يحتاج ديبلوماسيّة فلسطينيّة مبادِرة كما في العام 2012، ووِحدة فلسطينيّة سياسيّة تُنهي التفكُّك العادِم للفِعل المؤثِّر.

اللّحظة مؤاتية لمبادرةٍ انقاذيّة مماثِلة لفلسطين وشعبها، مع موجِب تنقيةٍ من أيّ سماحٍ باستخدامها لتحسين موقع نفوذٍ لهذا، وموقع مفاوضة لذاك في لعبة روليت عبثيّة. حِلف المتطرّفين آيلٌ إلى زوال. وهذا ما سيُحيي آمال كلّ شعوب المنطقة، وليس فلسطين وحدها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات