Search
728 x 90

فشل العودة الى النووي يستدرج فشلاً اميركياً متدحرجاً

فشل العودة الى النووي يستدرج فشلاً اميركياً متدحرجاً

لم يعد يقتصر فقدان الصبر ازاء مراوحة ايران في العودة الى طاولة المفاوضات في فيينا من اجل العودة الى العمل بالاتفاق النووي، على الولايات المتحدة التي كرر كبار المسؤولين فيها تحذيرهم من انهيار المفاوضات وتالياً من احتمال اللجوء الى خيارات اخرى للتعاطي مع ايران، بل طاول الاستياء روسيا ايضاً .

اذ ان مندوب روسيا لدى المنظمات الدولية في فيينا ميخائيل أوليانوف لم يخف فقدان الصبر من تأجيل طهران وتهربها من تحديد موعد واضح للعودة إلى المفاوضات النووية. فعلق ساخراً على تصريحات وزير الخارجية الإيرانية حسين أمير عبد اللهيان، التي أكد فيها مجدداً أن بلاده ستعود قريباً إلى طاولة التفاوض في فيينا، بالتساؤل في تغريدة على حسابه على تويتر: ” قريباً . هل يعرف احد ما الذي تعنيه هذه العبارة عمليا؟”.

هذا الموقف يلتقي مع موقف الولايات المتحدة والدول الاوروبية التي اتفقت في خلال مشاورات عقدتها في باريس اخيراً على ضرورة عودة إيران سريعاً إلى المحادثات النووية، وسط قلق متزايد من التأخير. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية نيد برايس حينها “نحن متّحدون في الاعتقاد بأن المفاوضات يجب أن تستأنف في فيينا في أسرع وقت ممكن، وأن تُستأنف على وجه التحديد حيث توقفت بعد الجولة السادسة”.

وبات واضحاً ان ايران مع رئاسة ابرهيم رئيسي المتشدد والممثل المباشر للاجنحة المتشددة في ايران تلعب على حافة الهاوية وتساوم على هذا الاساس. ولكن الامر يشكل تحدياً كبيراً للادارة الاميركية برئاسة الرئيس جو بايدن بحيث ان فقدان صبرها ازاء ايران على رغم انتهاجها السبيل الديبلوماسي وحده واظهار ارادة اميركية فعلية بالعودة الى الاتفاق النووي يضعفها جداً في داخل الولايات المتحدة حيث التحديات متعاظمة في وجهها من خصومها الجمهوريين.

فالتلويح بوجود خيارات اخرى غير الخيار الديبلوماسي المعتمد انما يعيد هذه الادارة الى المربع الذي غادرته بعد رفض المقاربة التي اعتمدها الرئيس السابق دونالد ترامب بتشديد العقوبات على ايران بعد انسحاب بلاده من الاتفاق. اذ يتبين ان ايران لا تأبه لا بل تتشدد اذا ظهرت هناك مرونة ما ما يجعل ادارة بايدن تخسر اولى جولاتها الديبلوماسية الخارجية التي وضعتها من ضمن صدارة اولوياتها.

وهذا الفشل في حال تحقق، على رغم اعتقاد ديبلوماسيين غربيين ان ايران تسعى الى تعزيز اوراقها الى الحد الاقصى قبل العودة الى طاولة المفاوضات من خلال المضي في تخصيب اليوارنيوم ولكنها لا تستطيع عدم العودة تفادياً للاسوأ في رأيهم، من شأنه ان يكون كارثياً بالنسبة الى الادارة الاميركية . اذ انه يأتي او يتوّج الانسحاب الفوضوي والكارثي للقوات لاميركية من افغانستان في آب الماضي والذي انعكس سلباً على نحو كبير على الرئيس بايدن شخصياً وساهم في تدني شعبيته من بين امور اخرى داخلية على نحو لم يسبق لرئيس اميركي ان واجهه في الاشهر التسعة الاولى من ولايته الرئاسية.

فالمسألة لا تقتصر على هاتين المسألتين الجوهريتين بل ايضاً على مشهد كبير للسياسة الخارجية الاميركية التي تتعثر في تحديد الاطر العامة لهذه السياسة التي اصيبت ايضاً بضربة قاصمة في صفقة الغواصات التي انجزتها الولايات المتحدة مع اوستراليا ناسفة في طريقها صفقة لفرنسا مع اوستراليا على نحو مفاجىء ومن دون تنسيق مع حليفتها الاوروبية. وهذه كانت نكسة كبيرة من حيث ان نقض بايدن لشعاره الذي روّج له منذ وصوله بأن ” اميركا عادت” لجهة التنسيق والتكامل بين الولايات المتحدة وحلفائها الاوروبيين طغى على المبررات في التوجه الى السعي الى محاصرة الصين ومنع تقدمها من خلال صفقة الغواصات لاستراليا.
التحديات الخارجية الاخرى لا تقل تحدياً في منطقة الشرق الاوسط بالنسبة الى الولايات المتحدة على رغم اختلاف نسبة الاهتمام او مدى المساحة او الدرجة التي تحتلها بعض الدول في سلم الاولويات. من بين هذه التحديات التطورات في السودان حيث انفرط عقد السلطة التي نشأت بعد اطاحة عمر البشير. اذ على الاثر وقّع العسكريون والمدنيون الذين كانوا يقودون الحركة الاحتجاجية اتفاقاً لتقاسم السلطة نصّ على فترة انتقالية من ثلاث سنوات تم تمديدها لاحقاً. وبموجب الاتفاق، تم تشكيل اخيرا سلطة تنفيذية من الطرفين، على أن يتم تسليم الحكم لسلطة مدنية إثر انتخابات حرة في نهاية المرحلة الانتقالية لكن شروخاً في القيادة بدأت تتسع. فعشرات آلاف السودانيين نزلوا إلى شوارع العديد من المدن، دعماً لانتقال كامل للحكم إلى المدنيين، فيما كان أنصار العسكر يواصلون اعتصاماً أمام القصر الجمهوري وسط العاصمة. والسودان الذي اتجه الى تطبيع العلاقات مع اسرائيل اخيراً وسجل تقدما على صعيد انقاذه اضطرت واشنطن الى ايفاد مبعوثها الخاص للقرن الافريقي جيفري فيلتمان لدعم انتقال ديموقراطي في البلاد خشية العودة كثيراً الى الوراء.
التحدي الآخر الملّح يكمن في تطورات الوضع في تونس التي تشهد ازمة سياسية واقتصادية كبيرة بعد حل الرئيس قيس سعيد البرلمان وتعليقه الدستور في مرسوم رئاسي اصدره في 22 ايلول الماضي وعزز من خلاله صلاحيات رئيس الجمهورية الى حد كبير مختصراً كل السلطات، ما يهدد الديمقراطية الناشئة في تونس والتي اعتبرها المجتمع الدولي النجاح الوحيد للثورات التي انطلقت في العالم العربي في 2011. المرسوم الرئاسي لقيس سعيد الذي مدد من خلاله الاجراءات الاستثنائية من دون سقف واعتماد نظام موقت للحكم اسند فيه صلاحيات البرلمان والاشراف على كل مؤسسات الدولة الى مجلس الوزراء علماً ان الصلاحيات كلها في يده، هللت له دول كثيرة على خلفية انه يساهم في توجيه ضربة قاصمة للاخوان المسلمين. ولذلك لم تتأخر الدول الغربية من الولايات المتحدة الى الدول الاوروبية وصولاً الى كندا واليابان عن التعبير عن انتقادها الشديد لهذه الاجراءات. وهو امر مقلق نتيجة الارتباط الوثيق للتطورات في تونس مع جيرانها ان في ما يتعلق بالمغرب او بالجزائر وحتى بليبيا.
والاهم من هذين التحديين او في موازاتهما، بدا اعلان واشنطن في الايام الاخيرة انها تحمل مسؤولية عدم التقدم في ملف وقف النار في اليمن والانطلاق الى اتفاق سلام الى ايران . وهو امر يعزز ارتباط او ربط ايران ملفات تدخلها في المنطقة ورهنها لطبيعة التطور في الحصول على شروطها قبل العودة الى طاولة المفاوضات حول الملف النووي. وملف اليمن الذي ركزت ادارة بايدن اهتمامها عليه منذ وصولها قد يكون في طريقه الى تظهير الفشل في مقاربة ادارة بايدن لكل الملفات الخارجية التي وضعتها من ضمن اولوياتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات