Search
728 x 90

فرنسا المأزومة وألمانيا الثابتة: الهجرة – اللّجوء مأزِقاً!

فرنسا المأزومة وألمانيا الثابتة: الهجرة – اللّجوء مأزِقاً!

في فرنسا نقاشٌ عالي السقف في مسار الاستعداد للانتخابات الرئاسية حول الهجرة – اللّجوء. لَم يعُد الأمر محصوراً باليمين المتطرّف، بل انتقل إلى اليمين الوسط، واللّيبراليّين، وحتى اليسار. المسألة أبعد من بحثٍ في القدرات الاستيعابيّة، ومندرجات استقطاب الكفاءات في كلّ القطاعات، خصوصاً تلك المهنيّة الإنتاجيّة منها.

زياد الصَّائغ

خبير في السياسات العامة

إستلحق اليمين المتطرّف كلّ أولئك الذين خالفوه من باب القِيَم التي تحملها فرنسا، ومن باب قناعاتهم الإنسانيّة، أو حتى مصالحهم الاقتصاديّة مرفودة بتكريس انتشارٍ فرنسيّ كولونياليّ يبقى فيه البُعد الفرنكوفونيّ الحضاريّ مؤسِّساً. الرّئيس إيمانويل ماكرون يُغرِق بسرعة غير مسبوقة في تفريغ هذا البُعد لصالح مكيافيلليّة مركنتيليّة كانت فرنسا بعيدةً عنها في العلاقات الدوليّة، بعيدة ليس بمعنى انتفاء سِمة المصلحة فيها، لكن بمعنى أنَّ بُعداً قِيَميّاً بالحدّ الأدنى كان متبقياً في خياراتها. النُخَب الفرنسيّة، حتى تلك التي وفدَت إليها لجوءًا أو هجرة تستشعِر حِراكاً عميقاً في السّوسيولوجيا وفلسفتها حول مآلات ما ستسلكه الصيغة الجمهوريّة العلمانيّة مع الأخذ بعَين الاعتبار جذورها المسيحيّة. الإسلام السياسيّ يشكِّل هاجساً في الحقيقة، لكنّ المتابِع للحوارات التلفزيونيّة والإذاعيّة، كما المقاربات الصحفيّة على تنوّع أنماطها، يستنتج أنَّ القضيّة أعقَد من هذا، وهي تقوم في عمق الذاكرة الجماعيّة حول تحدّيات الاندماج بالمواطنة، ناهيك بإصرارٍ من بعض الجماعات الوافدة على احتراف مسارات تحدّي القانون وبُنية الهويّة الوطنيّة. من هنا تتأتّى حقيقة دور النُخب في رفع مستوى النقاش إلى القانونيّ من مثل القول بالبحث في تنظيم “الهجرة الاختياريّة إلى فرنسا”، ومترتّباتها، أي أبعد من المعضلة الوجدانيّة. هذه قوة ٌ معرفيّة وميكانيزم اجتماعي لا يُنهي المأزوميّة القوميّة، لكنه يصنع لها طُرقاً تسالميّة. فرنسا تحتاج إلى استعادة تنافس الأحزاب على برامج، ومن الواضح أنَّ تجربة ماكرون ستخضع لمُساءلةٍ دقيقة في صناديق الاقتراع. كلّ ما قام به الأخير يطرح علامات استفهام حول هل يكفي التصويت العقابيّ بحقّ التقليديّين أو المحافظين؟

في ألمانيا، بين الحزب الاشتراكي الديموقراطي ومرشحه أولاف شولتز، والاتحاد المسيحي الحاكم ومرشّحه أرمين لاشيت مع عرّابته وراسِمة نهج ألمانيا القوّة التّوازنيّة الأوروبيّة الفعّالة تجاه الولايات المتحدة الأميركيّة وروسيا والصين على حدّ سواء، مع حوكمةٍ استراتيجيّة وحضورٍ دوليّ مؤثِّر دون انفعالاتٍ أو إحراجات، في ألمانيا أيضاً بحثٌ هادئٌ في المعطى الحضاري لدور ألمانيا دولةً ورسالة. ليس صحيحاً أنَّ مسألة الهجرة – اللّجوء ذات تواجدٍ خافت في مُربَّع المعركة الانتخابيّة. هي في صميمها لكن في تمايزٍ عن فرنسا. في ألمانيا بحثٌ معمَّق في تحدّيات التلاقح الحضاري أكثر منه في الخطر على الهويّة القوميّة. في ألمانيا ثباتٌ في قِيَم الهويّة القوميّة، ورسوخٌ في تعبيراتها الوطنيّة، مع فهمٍ شديد التحسّس لتعقيدات الّلحظة الجيو-سياسيّة العالميّة. ألمانيا تبقى النموذج الوحيد على الخارطة الدوليّة الذي استطاع أن يُنتِج صيغة فذّة بعد انتكاساتٍ انتحاريّة تاريخيّة في المئة عاماً الأخيرة، أساسها أيديولوجيا مشوّهة. مشوّهة إنّما استقطابيّة. يصحّ في النموذج الألماني تَكرُّسه قُطباً توازنيّاً في عصر اختلال الأقطاب.

الهجرة – اللّجوء تتبدّى على كثيرٍ من التفاقم السّجاليّ، ولا بُدَّ من عودةٍ إلى مسبّباتها أكثر منه عوارضها. من هنا فإنَّ فرنسا المأزومة وألمانيا الثّابتة، وعلى تمايز بُنيويّ في تعاطيهما مع هذه الظاهرة، ما زالا أعجز من رفعها إلى مستوى البحث إلى مُربّع العلاقات الدّوليّة من باب علاقة هذه الظاهرة بأزمات الدّول المصدِّرة لها. المسألة جيو-سياسيّة دوليّة تحكي فشل الأمم المتّحدة، أكثر منه مسألة داخليّة لكلٍّ من دولِهما. وللبحث صلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات