Search
728 x 90

فتنة الروبل

فتنة الروبل

انها “فتنة الروبل” التي تهدد وحدة الاتحاد الاوروبي.
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اعلن ربط توريد الغاز الروسي الى ما وصفه بالدول “غير الصديقة” بالعملة الروسية بدلاً من اليورو والدولار، وهما العملتان اللتان يجب تسديد بهما ثمن الطاقة الروسية وفق العقود الموقعة بين شركة “غازبروم” ومن ورائها موسكو، والدول المستفيدة.
القرار الروسي جاء رداً على العقوبات الغربية بحق موسكو اثر غزوها اوكرانيا، ومن بينها فصل المصارف الروسية عن نظام “سويفت” المالي العالمي.
لماذا؟ وبماذا تستفيد روسيا؟

لم تمض ايام معدودة على اعلان فلاديمير بوتين قراره الذي يطال “الدول غير الصديقة” في الاتحاد الاوروبي وصولاً الى الولايات المتحدة الاميركية وبريطانيا وكندا واليابان والنروج وأستراليا وسويسرا وتايوان وكوريا الجنوبية، فارضاً عليها ضرورة الدفع بالروبل مقابل الغاز الروسي حتى بدأت الوحدة الاوروبية تتزعزع بعدما كانت صفاً متراصاً حيال الحرب الروسية على اوكرانيا.
اكثر من 10 شركات أوروبية بينها “إيني” الإيطالية و”ميونيبر” الألمانية، اعلنت قرارها الدفع بالروبل الروسي خشية من انقطاع الغاز عنها. فارتأت الالتفاف على العقوبات الغربية عبر تسديد ثمن الطاقة الروسية باليورو الذي يتم تحويله إلى الروبل عبر حساب جديد يفتح بالعملة الروسية في مصرف “غازبروم بنك”.
وجاءت هذه القرارات غداة اعلان روسيا قطع الغاز عن بولندا وبلغاريا فيما اعتبرته الكثير من الدول الاوروبية “هز عصا ” لها، خصوصاً ان نسبة الغاز الروسي التي تستوردها بولندا لا تتعدى الـ 10 بليون متر مكعب سنوياً فيما مجموع الواردات الاوروبية منه تتجاوز الـ 155 بليون متر مكعب سنوياً.
ولم ينفع اجتماع وزراء طاقة الاتحاد الاوروبي في رص الصفوف حيال التشدد الروسي، لا بل بدا الشرخ يكبر بشكل مضطرد بين دول الاتحاد الـ 28، رغم تأكيد المفوضة الأوروبية للطاقة كادري سيمسون في 2 ايار بعد اختتام الاجتماع “رفض التكتل الأوروبي التسديد بالروبل مقابل الغاز الروسي، معتبرة مطالب روسيا انتهاكاً للعقود الموقعة”. وقالت إن كلا من بولندا وبلغاريا تحصلان على إمدادات الغاز من ألمانيا، بعد قطع الإمدادات الروسية. وأشارت إلى العمل على تعزيز استقلالية الاتحاد الأوروبي في مسألة الطاقة، مضيفة أن مستوى تخزين الغاز في أوروبا بلغ 32%.
ولم يؤثر موقف اليونان القائل بأن “ابتزاز موسكو الأخير في ملف الغاز يجعل التعاون ضرورياً” قيد انملة في وحدة الموقف الاوروبي. فعلى سبيل المثال لا الحصر، اعلن المجر رفضه التصويت لصالح حظر إمدادات النفط والغاز من روسيا. سلوفاكيا طالبت بفترة انتقالية لمدة 3 سنوات لتفعيل أي قرار بحظر النفط الروسي، هنغاريا وارمينيا (والأخيرة وقعت عقد شراكة كاملة مع الاتحاد الاوروبي) قررتا الانصياع للقرار الروسي، رومانيا أيّدت خطة فرض حظر تدريجي على واردات النفط الروسية خلال الأشهر الستة المقبلة، لاتفيا وجمهورية التشيك رفضتا دفع ثمن الغاز الروسي بالروبل. كما اعلن رئيس الوزراء الإيطالي ان “إيطاليا ودول جنوبي أوروبا يمكنها استيراد منتجات الطاقة من الشرق الأوسط وإفريقيا” فيما اكدت الخزانة الأميركية ان “التحرك الأوروبي لقطع واردات النفط الروسي سيدفع أسعار الخام للارتفاع.”
ويبقى الموقف الأبرز من وزير الاقتصاد الألماني روبرت هابيك الذي أكد ان تسديد “المدفوعات باليورو ثم تحوَيلها بواسطة غازبروم بنك إلى حساب بالروبل، هو المسار الذي أوضحته لنا أوروبا، وهو متوافق مع العقوبات ومتوافق مع العقود المبرمة”، مشيراً إلى أن “خطر قطع موسكو للإمداد يجب أن يؤخذ على محمل الجد”، علماً ان المانيا هي اكبر المستهلكين الاوروبيين للغاز الروسي، تليها فرنسا.
وإذ كشف المستشار النمساوي كارل نيهامر إن شركة الطاقة النمساوية “أو إم في”، “قبلت شروط الدفع التي فرضتها موسكو، معتبراً أنها متوافقة مع العقوبات، بات العديد من الشركات الأوروبية يواجه مهلة نهائية لسداد ثمن الغاز في 20 ايار 2022 فيما الموقف الاوروبي الموحد ضبابي حيال امكان استمرار الشركات في شراء الوقود من دون انتهاك عقوبات الاتحاد الأوروبي ضد روسيا.

لماذا قرار الدفع بالروبل؟
اذاً، كيف استطاع فلاديمير بوتين قلب العقوبات الغربية ضده وزعزعة الوحدة الاوروبية فيما عزز سعر صرف الروبل مقابل الدولار، اذ ارتفع الأول الى نسبة 73 روبلاً لكل دولار واحد في ما يقارب مستوياته السابقة قبل 24 شباط 2022، تاريخ غزوه اوكرانيا؟ علماً ان الروبل كان خسر نصف قيمته في غضون أيام من عزل البنوك الروسية الرئيسية عن شبكة المعاملات المالية الدولية (سويفت)، وشل الجزء الأكبر من احتياطي النقد الأجنبي الخاص بالبنك المركزي الروسي البالغ 630 مليار دولار. وهذا كان سيعني ان الصادرات الروسية لن تجلب الاموال الكافية لدعم الخدمات الحكومية وتمويل الحرب.
فروسيا، وفق التقارير المتخصصة، تملك احتياطيات من النفط قد تكفي لمدة 30 عاماً على الأقل، فيما احتياطياتها من الغاز تكفي لمدة 50 عاماً، مما يسمح لها بالتحكم بسهولة بأسواق الطاقة، اذ ان أوروبا تحصل على حوالي 40% من احتياجاتها من الغاز من روسيا ، حيث تدفع بين 200 مليون و 800 مليون يورو (880 مليون دولار) يوميًا، فيتم دفع حوالي 58% باليورو ، و 39% بالدولار الأميركي و 3% بالجنيه الاسترليني.
كما ان الدول الأوروبية لا تملك العملة الروسية بوفرة، اذ ان هذه الأخيرة لا تستعمل كعملة احتياطية، مما سيجبرها على شراء الروبل بالدولار أو اليورو وهو ما سيؤدي إلى الرفع من قيمة الروبل… وهذا ما حصل فعلاً.
ثم ان موسكو ترغم المصدّرين بما فيهم مجموعة “غازبروم ” على تحويل 80% من إيراداتها إلى الروبل، مما ادى الى انعاش العملة الروسية في موازاة رفع معدل الفائدة الرئيسية إلى 20%.
ويجب عدم اغفال ان توافر الدولار واليورو في روسيا لن يفيد السلطة الروسية ابداً، اذ ان كل المعاملات المالية الخارجية مقفلة في وجهها بفعل العقوبات، علماً ان عامل الفخر الوطني يلعب دوره عبر اجبار دول كبرى الانصياع للشروط الروسية والتعامل بعملة موسكو التي هزت عرش احادية الدولار واليورو.
وفي الموازاة، سمح القرار الروسي بما يسمى اقتصادياً “تجزئة السوق”، بحيث ان الشركات المنافسة الاحتكارية (مثل غازبروم) استطاعت تشغيل استراتيجيات التسعير إلى السوق من خلال اختيار عملة التسعير في المعاملات الدولية لكل سوق مجزأ على حدة… وهنا كان الروبل بالنسبة الى “الدول غير الصديقة لروسيا”.
ثم ان تحسن سعر الروبل مقابل اليورو والدولار على المديين المتوسط والطويل سيؤدي إلى ارتفاع تكاليف الطاقة التي يتم استيرادها، كما سيتحمل المشتري أو المستورد مخاطر تقلبات سعر الصرف، ناهيك عن تعزيز الطلب على الروبل في أسواق forex الدولية، مما يمهد له الطريق لكسب مكانة أكثر بروزاً كاحتياطي أو كعملة دولية.
الا ان الخوف الاوروبي… كل الخوف يكمن في شمول الخطة الروسية صادرات النفط والحبوب والأسمدة والفحم والمعادن وغيرها من السلع الرئيسية الروسية.
وعلى سبيل المثال، ان 40% من معدن البلاديوم المعروض عالمياً يأتي من روسيا، ويستخدم 90% من الانتاج الروسي في صناعة المحولات الحفازة للسيارات. فإذا اشترطت موسكو شراءه بالروبل… او البحث عن مصادر أخرى. سيتكرر حتماً سيناريو الغاز الاوروبي… او ستضطر مصانع السيارات الى اقفال ابوابها.
هل هذا يفتح باب قلق امام الولايات المتحدة في شكل خاص لجهة تهديد الدولار الاميركي من جهة واضعاف العقوبات الغربية على روسيا من جهة اخرى؟
من المرجح ان ذلك ما سيكون عليه الوضع مع الخطورة الكامنة في مساعي دول اخرى الى تجاوز التعاملات الدولية بالدولار الاميركي على غرار الاتفاقات بين ايران والصين مثلا والكلام على توجه سعودي الى التعامل مع الصين بعملتها الوطنية . اذ اثير في اذار المنصرم امكان أن تنتقل المملكة العربية السعودية إلى استخدام اليوان الصيني بدل الدولار الأميركي، في تعاملاتها مع بكين، على أساس عدد من المعطيات التي قد “تُفرض” على المملكة بحكم الحاجة إلى تقوية علاقاتها مع المشترين لنفطها وفي الضغط على واشنطن . ولكن ذلك لم يحصل حتى الان فيما ان مسار الحرب الروسية على اوكرانيا يتعثر عسكرياً نتيجة التدمير الذي تلحقه روسيا بجارتها من دون القدرة حتى الان على حسم المعركة لصالحها، وذلك في الوقت الذي تعترض بقوة على الدعم العسكري الغربي لاوكرانيا بالعتاد والاسلحة. وليس واضحاً حتى الان مآل الحرب وتداعياتها والتي يشكل الجانب الاقتصادي والتجاري جزءاً اساسياً منها ولا سيما على صعيد الطاقة ، ولكن الامور ستكون رهناً بمدى الارادة والقدرة لوقف الحرب لدى الاطراف المعنية ولا سيما روسيا والوقت الذي قد يستغرقه ذلك .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات