Search
728 x 90

فاروشا… بيدق اردوغان الشرق الاوسطي

فاروشا… بيدق اردوغان الشرق الاوسطي

أكان اسمها “فاروشا” بالقبرصية، ام ” Maraş” بالتركية، ام ” Βαρώσια” باليونانية، فإنها كانت حتماً “لؤلؤة قبرص” و”درة تاجها”، و”الريفييرا الفرنسية في قبرص” قبل ان تتحول الى مدينة أشباح بعدما غزاها الجيش التركي العام 1974 مقسماً قبرص الى جزءين، تركي ويوناني في اعقاب محاولة انقلاب فاشلة سعت الى الوحدة بين قبرص واليونان.
فزنّرتها الأسياج الشائكة وأخلت فنادقها الفخمة وجعلت الصمت يسود شوارعها وشواطئها السياحية… قبل ان يقرر الرئيس التركي إعادة فتحها ليحّولها الى بيدق مطواع بين يديه في لعبة شطرنج القوة شرقي المتوسط وسط شجب دولي عام.

القصة بدأت في ذلك الصباح من 20 تموز 1974، يوم كانت فاروشا، وهي حيّ جنوبي في مدينة فاماغوستا، المنتجع الأكثر شهرة بين نجوم هوليوود بكيلومتراتها الستة المربعة، شمال شرق قبرص. من ريشارد بورتن الى اليزابيت تايلور وبريجيت باردو، جميعهم ادمنوا على شواطئ فاروشا وسهراتها الحامية. فكان عدد سكان تلك المنطقة الساحلية يلامس الـ 37 الف نسمة مع اكثر من 700 الف سائح سنوياً يرتادون فنادقها الخمسين.
يومها، وقبل 5 ايام، كانت مجموعة من الضباط القبارصة اليونانيين – بإيعاز من المجلس العسكري الذي كان يحكم اليونان آنذاك – فشلت في عملية انقلاب تهدف الى الوحدة مع اليونان، مما أسفر عن اجتياح تركي للجزيرة القبرصية وتقسيمها الى جزءين: جمهورية شمال قبرص التركية وقبرص، يفصل بينهما خط أخضر تحت سيطرة الأمم المتحدة، في وقت لم تعترف سوى تركيا بالجمهورية القبرصية – التركية. وباتت فاروشا منطقة عسكرية خالية من أي وجود مدني.
الإجتياح جعل سكان فاروشا يتركونها على عجل. بعضهم ترك طناجر الطعام على النار في المطبخ، البعض الآخر هرب بملابسه من دون ان يحمل حتى صورة زفافه او احبائه. المباني والفيلات والفنادق هُجرت في ساعات معدودة، كما المحلات التجارية الفخمة حيث لا تزال الفساتين ذات الماركات العالمية معلقة وراء الزجاج.
وعلى مر 47 عاماً، تغلبت الطبيعة على الحجر. فغزا العشب والشجيرات الصغيرة ارصفة الشوارع الفخمة. ونبت الأخضر داخل السيارات الصدئة المركونة الى جانب الطرقات فيما بدأت المباني الشاهقة بالتهاوي، حجراً تلو الآخر.
وقد تناول قراران لمجلس الأمن الدولي مشكلة فاروشا. وينص القرار رقم 550 العام 1984 على ان المجلس ” يعتبر محاولات توطين اشخاص من غير سكان فاروشا في أي جزء من المدينة، امراً غير مقبول”، داعياً الى نقل تلك المنطقة الى ادارة الامم المتحدة ” . كما أكد القرار 789 العام 1992 على هذا الموقف من جديد.
واصدرت محكمة حقوق الإنسان الأوروبية قراراً يقضي بإجبار تركيا على دفع تعويضات لسكان المدينة السابقين الذين انتزعت أملاكهم. وتم تقدير قيمة التعويضات لهم بأكثر من 5 مليارات دولار.
وفي العام 2003، تم تخفيف القيود على فاروشا بحيث سُمح للسكان وعائلاتهم بتفقد المنتجع… من دون السماح لهم بالسكن بشكل نهائي.
وعلى مدى السنوات الأخيرة، أجريت جولات تفاوض عدة حول مصير جزيرة قبرص، برعاية الأمم المتحدة باءت كلها بالفشل، وآخرها كان العام 2017 .
وفي 7 تشرين الأول 2020، اعلن رئيس الوزراء في جمهورية شمال قبرص التركية ارسين تتار – قبيل فوزه بالإنتخابات الرئاسية بدعم من اردوغان ضد الرئيس السابق مصطفى أكينغي المعارض للتدخل التركي – اعادة فتح الشاطئ الأساسي للمدينة امام الرواد الأتراك وسكان قبرص التركية، مما حدا بالإتحاد الاوروبي يومها، الى التحذير من تنامي التوتر بين الأتراك والقبارصة اليونانيين.
وتزامناً، في منصف تشرين الثاني 2020، قام الرئيس التركي رجب طيب اردوغان بزيارة الى المنطقة، أثارت ردود فعل شاجبة غربية، خصوصاً بعدما كرر مقولة “حل الدولتين” لقبرص… وهذا ما يرفضه الغرب وقبرص اليونانية في آن، اذ اعتبر الرئيس القبرصي نيكوس أناستاسيادس، ان الزيارة تمثل “استفزازاً غير مسبوق وتقوّض جهود الأمين العام للأمم المتحدة للدعوة إلى حوار خماسيّ غير رسمي بين القبارصة اليونانيين والأتراك وأثينا وأنقرة ولندن”.
وقد سبقت الزيارة تظاهرات ضد أردوغان لأول مرة في شمال قبرص، مما جعل أكثر من مراقب يعتبر ان أبناء شمال قبرص سئموا من التدخلات التركية في شؤون بلادهم، اذ ان غالبيتهم تريد الاتحاد مع الجمهورية القبرصية ونيل عضوية الاتحاد الأوروبي لما تتضمن من منافع.
وعاد أردوغان وكرر زيارته الى شمال قبرص في 20 تموز 2021، ذكرى غزو الجزيرة، في زيارة اعتبرتها أكثر من عاصمة غربية وعربية بأنها استفزازية، ولا سيما بعدما أعلن “بدء عهد جديد” في “ماراس”- الإسم التركي لفاروشا – “سيستفيد منه الجميع”، وذلك في اعقاب عرض عسكري للمناسبة، كشف خلاله الرئيس القبرصي التركي إرسين تتار اعادة فتح المدينة، ولا سيما قسم تبلغ مساحته 3.5 كيلومترات مربعة سيعود من “السيطرة العسكرية إلى السيطرة المدنية حتى يتمكن القبارصة اليونانيون من السعي لاستعادة ممتلكاتهم من خلال لجنة الممتلكات غير المنقولة”.
وهذا ما حدا بقبرص الى تقديم شكوى لمجلس الأمن، حول خطط تركيا لإعادة فتح فاروشا.

وبالفعل، وافق مجلس الأمن الدولي في 23 تموز 2021 على إعلان بالإجماع يدعو إلى تسوية النزاع القبرصي “على أساس نظام فيدرالي بمجتمعين ومنطقتين مع مساواة سياسية”. ودان “الأفعال الأحادية الجانب” للرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

50 عاماً اخرى

“ليس لدينا 50 عاما لنضيعها”.
قالها اردوغان من جمهورية شمال قبرص التركية في إشارة الى جولات المفاوضات العقيمة حيال فاروشا، بعدما تم اعلان تخطي القرارات الأممية وإعادة فتح المنتجع السياحي الذي كان حتى الامس القريب منطقة عسكرية مقفرة.
ما هي أهمية فاروشا بالنسبة الى انقرة؟ ولماذا قام اردوغان بهذه الخطوة الاستفزازية التي نسفت مساعيه الأخيرة للتقارب من واشنطن وبروكسل وباريس ولندن وأثينا، بحيث انه وضع نفسه في عزلة دولية كبيرة، خصوصاً ان مصر انضمت ايضاً الى الرفض الدولي. فأكدت الخارجية المصرية على “ضرورة الالتزام بقرارات مجلس الأمن، وتجنّب أي أعمال أحادية قد تؤدي إلى تعقيد الأوضاع وتُزيد من مقدار التوتر، مع ضرورة الالتزام الكامل بمسار التسوية الشاملة للقضية القبرصية وفقاً لقرارات الشرعية الدولية”.
الباحثة القبرصية المختصة في العلاقات اليونانية التركية ريفال بانسنيوسف، قالت في حديث صحافي ان اردوغان رسم خطاً استراتيجياً في مسألة فاروشا، يرتكز الى “سياسة قضم متتالي حثيث منذ 3 أعوام على الأقل، توصلاً الى ما يعتبره الجانب التركي الحل النهائي الوحيد، أي تقسيم الجزيرة إلى دولتين. فتتمكن تركيا من خلق مساومة ما مع الولايات المتحدة، مستفيدة من تناقضات دول الاتحاد الأوروبي، لتتحول تحركاتها وقراراتها إلى أمر واقع”.
والأكيد ان فاروشا هي ورقة مساومة في يد اردوغان، تفيده على جبهات عدة، داخلية وخارجية.
داخلياً، يسعى اردوغان الى شد العصب القومي التركي مع اقتراب موعد الانتخابات في 2023، وذلك عبر تحقيق مكسبين: الأول الإيحاء بأن تركيا تواجه أزمة سياسية خارجية كبرى تجعلها وحيدة في وجه كل الغرب المتكتّل ضدها. وهذا ما يجعله يكسب عطف الطبقات الشعبية التي تتأثر بالشعبوية القومية. اما الثاني، فتخوين المعارضة وإظهارها بأنها متعاطفة مع “الخارج” ضد القومية التركية الداخلية ومصالحها.
اما خارجياً، فتشكل فاروشا ورقة ضغط ومساومة مع كل من اوروبا واميركا لتحقيق مكاسب اقتصادية وتجارية، اذ ان التصلب التركي حيال التمسك بحل الدولتين بالنسبة الى قبرص، يجعل “ثمن” التراجع عنه مثمراً بالنسبة الى انقرة، بحيث تخلط الأوراق اوروبياً وتجمعها مع الاتحاد الاوروبي الى طاولة المفاوضات، أكان بالنسبة الى انضمامها الى الاتحاد الاوروبي أو الى إعادة صياغة “الاتحاد الجمركي” بينها وبين أوروبا ، اضافة الى التنقيب عن الغاز شرقي المتوسط، كما العلاقات التركية – اليونانية، ناهيك عن ملفات الشرق الاوسط، بدءاً بسوريا وليبيا وصولاً الى العراق وافغانستان.
واردوغان الذي يملك أكثر من ورقة في يده، سيسعى حتماً الى جذب اعتراف دول مجاورة لقبرص التركية، على مثال اذربيجان او غيرها، بهدف تشكيل جبهة مقابلة للجبهة المعارضة لأطماعه في الشرق الاوسط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات