Search
728 x 90

سياسات لا سياسة: ما يتعين على ممثلي التغيير اعتماده

سياسات لا سياسة: ما يتعين على ممثلي التغيير اعتماده

في مناظرة على احدى محطات التلفزة اللبنانية ، وضع ممثل عن حركة التغيير في مواجهة ضد ممثل من النظام. وسرعان ما بدت واضحة نقاط القوة والضعف في كل من مواقفهما.

فمن ناحية ، وجد ممثل النظام صعوبة في الدفاع عن سجله. أجاب على معظم الأسئلة بإجابات مختبئة وراء المصطلحات والأعذار السياسية، مثل “النظام السياسي المنهار لم يسمح لنا”، أو “هناك الكثير من الفساد” ، أو “نحن إصلاحيون بالفعل ونقف إلى جانب التغيير”. ليس من الصعب معرفة السبب. الكوارث المتعددة التي شهدها لبنان في السنوات القليلة الماضية اصبحت واضحة: كارثة اقتصادية شهدت انخفاض الناتج الاقتصادي بأكثر من 50٪ والعملة بأكثر من 90٪ ، سرعان ما أعقبها انهيار مالي أدى إلى إفلاس القطاع المصرفي بأكمله. مع عدم قدرة المودعين على سحب أموالهم.

وقد تسبب هذا بدوره في تدهور اجتماعي حيث وقع أكثر من 80٪ من السكان في براثن الفقر، وهاجر مئات الآلاف إلى شواطئ أكثر أمانًا. وكأن ذلك لم يكن كافيًا ، دمر انفجار بحجم نووي ثلث العاصمة بيروت، مما أسفر عن مقتل المئات وتدمير عشرات الآلاف من المنازل، ومرّت هذه الجريمة من دون عقاب ومن دون تحميل أي مسؤول في النظام اي مسؤولية. من الصعب جداً الدفاع عن هكذا سجل ولذلك يبدو أن التكتيك الذي يتتبعه النظام في المناظرة يتركز على تسييس أي نقاش وضرب الجماهير بمراوغات شديدة من كل الانواع لتفادي أي شكل من الأشكال الكلام عن السياسات التي اتبعت والسجل الفاشل.

من جهته حاول ممثل التغيير أن يجادل باستخدام القليل من التاريخ السياسي وجرعة خفيفة إلى حد ما من السياسة. بدت استراتيجية ممثل التغيير في بعض الأحيان خجولة وفي أحيان أخرى مهذبة للغاية، تارة يخوض من دون داعٍ في الأيديولوجية في العلوم السياسية (اليسار مقابل اليمين) وهو غير ذي صلة مباشرة بالحاضر البراغماتيكي المؤسف، وتارة اخرى وقع في فخ الكلام عن الفروقات داخل الثورة بدل الخوض في استعراض واضح وموجز للسياسات التي تميز مواقف التغييريين عن النظام ولبناء الثقة مع الجمهور. وفعلياً لم يقم ممثل التغيير في أي وقت بمهاجمة ممثل النظام على سجله.

في النهاية ، بدا النقاش برمته غير مفيد أو ذات صلة بالنسبة الى حاجات الناس اليومية والتي قد تؤثر مباشرة في الانتخابات. قد يُغفر للذين استخلصوا استنتاجات سلبية ازاء الطرفين معاً. بهذا المعنى، يجب أن يُنظر إلى الفائز في النقاش على أنه النظام الحالي، ليس بسبب فوزه في النقاش فحسب، بل لأنه بعد ما نجح في جرّ ممثل التغيير إلى مستنقعه الموحل، لم يخسر النقاش.

يمكن استخلاص درس مهم هنا: إذا كان للتغيير أي حظوظ للفوز في الانتخابات او على الاقل لتحقيق اختراق فيها، يجب أن يكون ممثلوهم أكثر استعدادًا لمواجهة الاستراتيجية السياسية للنظام وذلك من خلال ثلاثة تكتيكات يجب اتباعها في المناظرة مع التأكد في الوقت نفسه من تكتيك تجنّب بأي ثمن اي امر يمكن ان يصب في مصلحة النظام. فما هي هذه التكتيكات الثلاثة؟

التكتيك الأول هو مهاجمة النظام على سجله. لا يوجد صانع سياسة على هذه الأرض قادر على الدفاع عن الحال الكارثية للنظام الحالي، والفساد المستشرس، وعدم وجود الكفاءة وانهيار الدولة. الأعذار السياسية الشائعة لسجل مماثل ليس لديها مفعول على الناخبين الذين يكافحون ويحتاجون إلى سماع الحلول وليس الأعذار. السياسات الفاشلة المخفية وراء المصطلحات السياسية “ما بتطعمي خبز”، ويحتاج ممثلو التغيير إلى إبراز ذلك بوضوح ومن دون خشية. يجب اعتبار هذا التكتيك “ثماراً متدلية” ، وكل ما هو مطلوب هو الاستعداد للحصول على نقاط محددة في النقاش والانضباط للبقاء على الرسالة.

التكتيك الثاني يتناول تقديم برنامج وخطة واضحة وموجزة ومتسقة وقابلة للتحقيق. ليست هناك حاجة إلى المبالغة في الوعود. يعرف اللبنانيون جيداً أن مشاكل لبنان الاقتصادية والاجتماعية لا يمكن حلها بين عشية وضحاها. ولذلك يجب أن يكون التمسك بالسياسات التي تركز على الأكثر أهمية والأكثر قابلية للتنفيذ من اجل منفعة الناخبين. إن تحقيق توازن بين الصراحة والتفاؤل سيؤثر على الناخبين بعيداً من شاغلي المناصب الذين كانوا يعدّون لعقود من الزمان ولم يحققوا وعودهم.

التكتيك الثالث هو تجنب الانخراط في ساحة معركة من الواضح أنها لصالح النظام – وهي السياسة الداخلية الحالية اللبنانية. بالنظر إلى أن البلاد تحت حكم نفس الزمرة الحالية لأكثر من 30 عاماً ، فمن غير المعقول أن يتوقع أي ممثل او مرشح جديد أن يتمكن من التغلب على هؤلاء السياسيين الراسخين في لعبتهم المجربة والمختبرة – على سبيل المثال المناورات السياسية الطائفية. بدلاً من ذلك، يجب أن يكون التكتيك هنا هو تجنب أي مشاركة من هذا القبيل، وإعادة التركيز على التكتيكين الأولين، بمعنى التشكيك في السجل وتقديم سياسات بديلة. الوقوع في فخ الجدل السياسي الدائري اللامتناهي لا طائل من ورائه ، ولا يقدم أي فوائد لحركة التغيير.

وبالتالي يمكن التفكير في الإستراتيجية مجمعة على أنها “مهاجمة سجل النظام” و”تقديم السياسات القابلة للتحقيق” و”تجنب الغرق في جدل سياسي بيزنطي”. لسوء الحظ، بعد الاستماع إلى المناظرة، فشل التغيير في كل هذه التكتيكات الثلاثة: أولاً ، لم يهاجم النظام بما فيه الكفاية في سجله، وثانياً لم يقدم بدائل من خلال سياسات واضحة وموجزة، وثالثًا وقع في الفخ السياسي المتشائم ضد نظام يتقنه لمدة 30 عاماً أو أكثر. النتيجة الصافية هي مناظرة خاسرة، أو على الأقل لم يتم الفوز بها.

مع احتدام موسم الانتخابات البرلمانية ، يجب على مرشحي التغيير تحسين آدائهم بسرعة واتباع استراتيجية رابحة من خلال تكتيكات أكثر ذكاءً وانضباطاَ تجعل الناخبين يرغبون في التغيير. ولكي يحدث ذلك، في النهاية، الناخبون يريدون سماع السياسات وليس السياسة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات