Search
728 x 90

سقوط الرهان على “الثورتين” … اشد سوءاً

سقوط الرهان على “الثورتين” … اشد سوءاً

قد تكون الخشية او بالأصح الخيبة من اخفاق الآمال والطموحات والرهانات على الحركة الاحتجاجية في لبنان، سواء سُميّت انتفاضة او ثورة او حراكاً ، صارت توازي الصدمة الهائلة التي مُني بها اللبنانيون جراء مصيرهم القاتم في ظل السلطة التي خرقت كل الأرقام والمعايير القياسية في الفساد والعجز والفشل والتبعية للخارج .

 ان احياء الذكرى الـ16 لانتفاضة 14 آذار الاستقلالية عام 2005 والتي أدت الى انسحاب القوات السورية من لبنان، تزامن مع اشتعال موجات جديدة من الاحتجاجات الشعبية على خلفية الانهيارات المالية والاقتصادية التي تعتصر الدورة الحياتية والمعيشية للبنانيين بأسوأ العذابات بما أدى واقعياً في الأسابيع الأخيرة الى استيقاظ ملموس لانتفاضة 17 تشرين الأول 2019 فكان ثمة تقاطع زمني ورمزي على الأقل في 14 آذار.
والحال ان هذا التزامن الزمني او الرمزي لن يتجاوز الاطار المعنوي الظرفي مع الأسف الشديد لأن لا تجربة الانتفاضة السيادية تحيي أي امل في امكان إعادة نفح الروح فيها مجدداً بعدما دفنها أصحابها في أخطاء استراتيجية ارتكبوها منفردين او مجتمعين، ولا الانتفاضة الاجتماعية الثانية كانت افضل حظاً مع جماعاتها ومجموعاتها ونخبها فتفرفطت وتناثرت طيلة السنة الماضية وساهم في تبددها الانتشار الوبائي الذي بدا افضل حليف للسلطة والقوى السياسية المناهضة لهذه الانتفاضة.
وفي ظل هذه المعادلة السلبية المزدوجة لا يبقى مكان لأوهام في امكان تزاوج او احياء خطّين ثورييّن في لبنان نظراً الى مجموعة عوامل قسرية يأتي في مقدمها ما أثبتته الأشهر السبعة الماضية تحديداً منذ انفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب من العام الماضي من ان اللبنانيين اُنهكوا بالأزمات المتعاقبة الى درجة فقدان الزخم المنتفض الكافي لاستكمال الشوط الحاسم والأخير والاهم في المسار الاحتجاجي . ونعني بذلك ان الظروف الدراماتيكية التي شهدها لبنان بعد الانفجار فاقت بخطورتها وفداحتها وحجم تداعياتها البشرية والإنسانية والمادية والمعنوية خسائر الحرب وتداعياتها، الامر الذي كان يفترض معه ان تجهز الحركة الاحتجاجية تماماً على كل الهيكلية السياسية الفاسدة والمهترئة والمتحكمة بمصير لبنان والمسؤولة عن أسوأ مصير قادته اليه . ومع ذلك تراجعت الانتفاضة وتلاشت واعادت الطبقة السياسية تجديد حضورها وتأثيرها وتسلّطها ولو ضمن منظومة فاشلة وفاسدة وتبعية وفاقدة أي احترام او صدقية على المستوى الخارجي.
أضاف هذا العامل عنصر احباط كبيراً جداً على احباط اقدم واعتق يعود الى بدايات التسوية السياسية التي جاءت بميشال عون رئيساً للجمهورية بثمن سياسي فادح قدّمه تحالف ما كان يسمى بقوى 14 آذار من خلال انفراط عقده تحت وطأة تفاهمات بين قوى أساسية فيه وعون على انتخابه وتقاسم السلطة معه.
أدى الفشل الخيالي للعهد الحالي في كل المجالات وانفجار التداعيات المتلاحقة للانهيارات المالية والاقتصادية والاجتماعية الى انفجار سياسي واكب استقالة سعد الحريري وحكومته عقب انتفاضة 17 تشرين الأول 2019 وكرت سلسلة المآسي مع حكومة حسان دياب الى زمننا هذا الذي يجرجر ذيول ازمة تأليف حكومة سعد الحريري العتيدة منذ خمسة اشهر دونما افق لحل وشيك من شأنه ان يستولد الحكومة التي يطالب بها ويلح عليها كل العالم.
ولعله لا مغالاة في القول ان المشهد الأسوأ من سلطة وطبقة سياسية تعجز بل تحكم مصالحها الخاصة امام انزلاق لبنان نحو الجحيم الحقيقي لا الرمزي والمعنوي، هو مشهد القصور الشعبي أيضاً عن تسديد الضربة القاضية لهذه السلطة وفرض وتنظيم البديل السريع العاجل الانتقالي الذي ينقل لبنان من ضفة الى ضفة بل من القعر المخيف الى بداية الإنقاذ.
لبنان الذي يجتاز مصيراً لم يعرف بخطورته منذ نشأته كان يستحق ثورة تجمع البعدين السيادي والإصلاحي بل لا خلاص له الا بثورة مماثلة، ويبدو ان هذا الرهان أيضاً قد انهار .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات