Search
728 x 90

سد النهضة … قنبلة مائية

سد النهضة … قنبلة مائية

هل “سد النهضة” الذي بدأت اثيوبيا ببنائه على نهر النيل العام 2011 بهدف توليد الكهرباء وتوزيعها على الدول المجاورة، يشكل حقاً خطراً داهماً على مصر والسودان، خصوصاً ان اديس ابابا اعلنت بدء المرحلة الثانية من ملئه منتصف تموز 2021، علماً ان اكتمال ملء بحيرة السدّ سيستغرق بين 5 و15 عاماً، وفقاً للظروف الهيدرولوجية خلال فترة الملء.
ما هي اتفاقية سد النهضة التي وقعها الثلاثي اثيوبيا ومصر والسودان العام 2015؟ لماذا فشلت مفاوضات الاتحاد الافريقي بين الدول الثلاث؟ ما اهمية فترة ملء بحيرة السد، وهل تملك مصر والسودان اي وسيلة لوقف الملء الثاني الذي قد يشكل تهديداً كيانياً لاقتصادهما؟

“نهضة” ام “نكبة”؟

هل عرف، او لم يعرف، مكتب الاستصلاح الأميركي الذي حدد الموقع النهائي لسد النهضة الإثيوبي على مجرى النيل الأزرق، وعلى بعد 15 كلم من الحدود الاثيوبية – السودانية، بين عامي 1956 و 1964خلال فترة حكم الإمبراطور هيلا سيلاسي، ان السدّ سيهدد السلام في الاتحاد الافريقي؟
فالمشروع الذي توقف بسبب الانقلاب العسكري العام 1974 ، عاد الى النور ابتداء من تشرين الأول 2009 بعدما مسحت الحكومة الإثيوبية موقع السد، واثر تقديم جيمس كليستون تصميماً له في 2010.
ولم يكد رئيس وزراء إثيوبيا السابق ملس زيناوي يضع في نيسان 2011 حجر الاساس لسد النهضة الذي تغيّر اسمه 3 مرات ( المشروع إكس، سد الألفية ، سد النهضة الإثيوبي الكبير)، حتى بدأ القلق ينتاب مصر والسودان، وهما المعنيتان الأكثر بترددات تشييده، رغم ان اثيوبيا اعلنت بعد شهر واحد فقط انها ستتقاسم مخططات السد مع مصر حتى يمكن دراسة مدى تأثيره على المصب.
وفيما بدأت مفاوضات ثلاثية بين البلدان المعنية، افضت الى توقيع “وثيقة سد النهضة”، وهي كناية عن اتفاقية إعلان مبادئ بين مصر وإثيوپيا والسودان حول المشروع، تم التوقيع عليها في الخرطوم العام 2015 في قمة ثلاثية ضمت رؤساء الدول الثلاث، وبحضور ممثل البنك الدولي .
الاّ ان الاتفاقية التي وقعها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وتم الإقرار فيها بحق إثيوبيا في بناء السد، سلبت مصر سلاحاً قوياً كانت امتلكته على مدى عقود بصفتها “دولة المصبّ”، بفضل اتفاقيات سابقة وقعتها اعوام 1902 و1929 و1959 ، واعطتها حق الفيتو على إقامة أي سدود تؤثر على حصتها من مياه نهر النيل.
فصياغة اتفاقية 2015 “المطاطية” التي قضت بالاتفاق على ملء خزان السد على مراحل وبصورة “تعاونية”، لم تلزم اثيوبيا بأي فترة زمنية محددة لملء بحيرة السد التي تستوعب 74 مليار متر مكعب من المياه تقريباً، تريد اثيوبيا ملأها خلال فترة تمتد بين 4 و 7 اعوام فيما تشترط مصر فترة السنوات العشر لهذه الغاية، مع الاتفاق على منظومة قانونية تحكم إدارة التدفق المائي خلال سنوات الجفاف.
والمفاوضات على هذا الاساس بين القاهرة واديس ابابا والخرطوم امتدت على مدى اكثر من 6 اعوام… من دون ان تحقق اي تقدم، لا بل جعلت مطالب مصر تتقلص لتتحول اقراراً بالواقع ومن ثم سعياً لإقناع اثيوبيا بتمديد فترة الملء، الاولى ومن ثم الثانية… من دون جدوى، لا بل “خذلت” السودان مصر اخيراً، اذ اعلنت في حزيران، وقبل أيام من موعد الملء الثاني لسد النهضة في تموز 2021 ، أنها منفتحة على إبرام اتفاق جزئي مؤقت بشأن سد النهضة ولكن بشروط محددة، مما جعل اكثر من مراقب يعتبر هذا الاعلان تحولاً في الموقف السوداني الذي كان اكد مع مصر قبل اسابيع، على ضرورة أن يكون “الاتفاق شاملا”.
والإتفاق الجزئي هذا، سيزوّد السودان بكل المعلومات اللازمة أثناء الملء من دون ان يشمل اياً من النقاط الجذرية المتعلقة بوجود آلية قانونية تلزم إثيوبيا بتوفير المعلومات اللازمة عن الملء لدول المصب، أو الاتفاقات المستقبلية حول آلية الملء في سنوات الجفاف، وسبل حل النزاعات المستقبلية… مما جعل القاهرة تلجأ الى مجلس الامن اوائل تموز 2021 ولا سيما بعد فشل المفاوضات التي رعاها الاتحاد الأفريقي في نيسان 2021، بحيث طالبت مصر والسودان بتشكيل رباعية دولية، يقودها الاتحاد الأفريقي، وتشارك فيها جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما الولايات المتحدة الاميركية والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة… وهذا ما ترفضه أثيوبيا.
الا ان اتجاه مجلس الامن الدولي كان حثّ الاطراف الثلاثة، مصر والسودان واثيوبيا، الى العودة الى المفاوضات برعاية الاتحاد الأفريقي.

فردت مصر على لسان مندوبها  الدائم لدى الأمم المتحدة، محمد إدريس أن “ذهاب القاهرة لمجلس الأمن هو لتوضيح أن مسار الاتحاد الإفريقي لم يصل إلى نتيجة بعد عام كامل من المفاوضات، وأن العودة للمجلس ليست لإيجاد حل، لأن المجلس لا يرحب بالانخراط في مثل هذه القضايا”. وأوضح إدريس أن “العبرة ليست باتخاذ المجلس قرارًا، بل أن مجرد عرض القضية على المجلس يعد رفعا لمستوى الانخراط السياسي لدوله الأعضاء”.

وهنا تجدر الاشارة الى ان عملية ملء بحيرة سد النهضة ليست عملية يمكن التحكّم بها، وفق ما اكد لموقع “بي بي سي” محمد بشير، الاختصاصي في جامعة مانشستر الذي يقوم بدراسة حول سد النهضة. فالخزان الموجود خلف السد سيمتلئ بشكل طبيعي في النيل الأزرق خلال موسم الأمطار، الذي بدأ فعلياً وسيستمر حتى أيلول. اما من الناحية الهندسية والفيزيائية، فلا توجد طريقة لوقف الملء الآن قبل وصول منسوب المياه إلى قمة جدار السد، اذ ان كمية المياه التي تدخل موقع السد أكبر من حجم المياه التي يمكن أن تمر فعلياً عبر المنفذين المفتوحين في جدار السد (60-110 مليون متر مكعب في اليوم الواحد).
وفيما سرّعت إثيوبيا مسبقاً عملية ملء البحيرة بإغلاق ثلاثة من منافذ التحويل الأربعة في الجزء السفلي من جدار السد، اظهرت صور الأقمار الصناعية التي حللّتها اخيراً السودان، أن جدار السد لم يتم بناؤه على الارتفاع الذي خُطط له في البداية، مما يعني مرور المزيد من المياه عبره.

خوف مصر

لماذا تخاف مصر من تعبئة السد، وما تأثيره عليها؟
من المعروف ان مصر تستند الى النيل لتزويدها بـ 90% من المياه العذبة وبمساحات الري الواسعة لأراضيها الزراعية التي تشكل رافعة اقتصادها الى جانب السياحة.
فإثيوبيا، ستعمد فور انتهاء مرحلة ملء بحيرة السد الى تأمين كمية المياه الكافية لتشغيل ما سيصبح أكبر محطة للطاقة الكهرومائية في إفريقيا، من دون تأكيد كمية المياه التي سيتم ضخها الى خارج حدودها، مما سيخلق مشكلة كبيرة لمصر في فترات الجفاف الطويلة حيث ستبدأ مستويات السد العالي في اسوان بالإنخفاض اذا حبست اثيوبيا المياه في سد النهضة.
وقد أثبتت الدراسات في هذا الاطار التأثر المصري بفترات ملء سد النهضة بالأرقام. (1)
– الملء في فترة 10 اعوام: ازدياد العجز المائي في مصر بما يوازي 14% من موازنة مصر المائية الإجمالية السنوية، مما قد يؤدي الى خسارة مصر نحو 18% من مساحتها الزراعية اذا لم تغيّر طريقة الري. وهذا سيرفع معدل البطالة من 11% الى 17%.
– الملء في فترة 7 اعوام: ازدياد العجز المائي المصري بنحو 22% سنوياً، اي ان مصر ستخسر نحو 30% من اراضيها الزراعية، وسيرتفع معدل البطالة الى 20%.
– الملء في فترة 5 اعوام: ازدياد العجز المائي المصري بنحو 36% سنوياً، اي ان 50% من الاراضي الزراعية المصرية ستتصحّر، وسترتفع البطالة الى 27%.
– الملء في فترة 3 اعوام: ارتفاع العجز المائي المصري الى 50%، وخسارة مصر 67% من مساحتها الزراعية، مما سيرفع البطالة الى 34%.
اما أسوأ السيناريوهات وهو سيناريو الملء السريع فسيفقد قرابة 4 ملايين و750 ألف عامل بالزراعة مصدر دخلهم، اي ما يوازي ثلاثة أرباع العاملين في القطاع.
وكما في مصر في السودان ايضاً. فأي نقص في تدفق النيل الأزرق ستكون تبعاته خطيرة على السودان الذي يفتقد الى سدود تخزينية كبيرة، يستطيع بواسطتها تعويض هذا العجز. كما ان الملء الثاني يستلزم ضخ كميات مائية أكبر من طاقة السدود السودانية المقامة على النيل، ما قد ينذر بحدوث كوارث.
كما ان السودان تفاجأ العام 2020 بإغلاق اثيوبيا ثلاثة من منافذ تحويل المياه الأربعة في السد، مما ادى إلى انخفاض المستويات في اتجاه مجرى النهر وإلى تعطيل محطات الضخ المحلية للريّ وإمدادات المياه.

خطر الانهيار والزلازل

وجاءت الدراسات المائية لتكشف مدى خطر السد على كل من مصر والسودان، فارتفعت التحذيرات المصرية. وأعلن عضو وفد مصر في مفاوضات سد النهضة وأستاذ الهيدروليكا في كلية الهندسة في جامعة القاهرة د. هشام بخيت “إن سد النهضة صُنّف دولياً من المشاريع الأكثر خطورة، وأن احتمالات انهياره واردة بسبب الواقع الجيولوجي للمنطقة وعدم تحملها لأي إنشاءات خرسانية”.
بخيت استند الى تقرير لأستاذ الهندسة الميكانيكية في جامعة سانتياغو في كاليفورنيا أصفو بييني، ليؤكد ان “حجم السد كبير جداً، وارتفاعه يبلغ 145 متراً وعرضه 1850 م. وتمتد بحيرة التخزين فيه لمسافة تقترب من 246 كلم خلف السد، والسعة التخزينية له تبلغ 74 ملياراً على منسوب 640 متراً فوق مستوى سطح البحر فيما معامل الأمان فيه لا تتعدى 1,5 درجة بمقياس ريختر، بينما معامل الأمان للسد العالي 8 درجات.
ويضيف تقرير الخبير الاميركي انه ينبغي تقليص السد إلى ثلث مواصفاته الحالية لكي يصبح آمناً، اذ ان سعة بحيرته وحجمه مبالغ فيهما بما لا يقل عن 300%، على الاّ يزيد حجم التخزين فيه عن 14,5 مليار متر مكعب من المياه، كما يجب ألا يزيد ارتفاعه عن 85 متراً.”
اما بناء السد فإسمنتي، مما يجعله خطراً نسبة الى الاوضاع الجيولوجية للمنطقة التي يقام فيها حيث تحدث الفيضانات الجارفة 7 مرات كل 20 عاماً – والكلام لا يزال للخبير الاميركي – ناهيك عن خطر انزلاقات التربة، اذ ان الهضبة الإثيوبية مكوّنة من صخور بازلتية بركانية، تغطي نحو 75% من حوض النيل. ومن المعروف ان البازلت من أقل الصخور تحملاً للأحمال الكبيرة كالسدود.
وفي سياق مرتبط، يؤكد خبير الزلازل د. رشاد القبيصي ان ما يقارب 10 آلاف زلزال تفوق قوتها 4 درجات بمقياس ريختر، حدثت بالقرب من موقع السد بين عامي 1970 و2013.
ويذهب التشكيك المصري بفعالية السد الى حد اعتبار الخبير المصري زكي البحيري ان عمر السدّ لن يتعدى الخمسين عاماً بسبب تراكم الطمي امامه، كما انه من الصعب أن يولّد 6 آلاف ميغاوات كهرباء لوجود مشكلة في توربيناته التي تم تقليصها من 16 إلى 12 توربيناً.

تعزيز القدرات العسكرية

في أعقاب اعلان اثيوبيا بدء المرحلة الثانية من الملء في سد النهضة، صعّدت مصر من موقفها معتبرة “أن هذا التطور الخطير يكشف مجدداً سوء نية إثيوبيا واصرارها على اتخاذ إجراءات أحادية لفرض الأمر الواقع وملء وتشغيل سد النهضة من دون اتفاق يراعي مصالح الدول الثلاث ويحد من أضرار هذا السد على دولتي المصب”. فبات بالتالي السلام الافريقي على كف عفريت ولا سيما ان الخارجية المصرية رأت في الخطوة الاثيوبية خلقاً لوضع يهدد الأمن والسلم على الصعيدين الإقليمي والدولي.
ففي مقابل فشل المفاوضات الثلاثية بين مصر والسودان واثيبويا، سعت الاولى الى تعزيز تعاونها العسكري مع الدول المجاورة لإثيوبيا بهدف تشكيل نوع من الضغط على هذه الاخيرة لتتخلى عن تصلبها حيال ملء سد النهضة.
فوطّدت علاقاتها العسكرية مع كل من السودان وأوغندا وبوروندي وكينيا وجيبوتي في اقل من ثلاثة اشهر اوائل 2021. وبات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أول رئيس مصري يزور جيبوتي في التاريخ في ايار 2021.
وفي آذار 2021، وقعت مصر والسودان اتفاقية عسكرية، نفذتا على اثرها 3 تدريبات عسكرية مشتركة باسم “نسور النيل 1″ و”نسور النيل 2″ و”حماة النيل”. وهذه الاخيرة بالقرب من الحدود السودانية – الاثيوبية… الا ان التبدّل الأخير بالموقف السوداني حيال الموافقة على “اتفاق جزئي” مع اثيوبيا، قد يبقي مصر وحيدة في مواجهة تبعات الملء الثاني لسد النهضة بكل تشعباته… لأن لا عودة الى الوراء.

المراجع
(1) سيناريوهات ملء سد النهضة – موقع الجزيرة – 15 تموز 2020.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات