Search
728 x 90

رصاصة قضت على الأمل

رصاصة قضت على الأمل

برمشة عين عادت الذاكرة 46 عاماً الى الوراء. وكأن لا سلام حلّ، ولا حياة عادية مرّت، ولا يوميات “طبيعية” قطعت: ازيز رصاص، صوت “بي سفن”، اولاد يصرخون، اهالي يهرعون الى المدارس، اتصالات للإطمئنان على الأحباء والأقارب: اين انت؟ اخرج الآن من بيروت.

لم تعد مهمة التحقيقات في انفجار مرفأ بيروت، ولا الحملة على المحقق العدلي القاضي طارق بيطار لمحاولة عزله او دفعه الى التنحي، ولا تماسك الحكومة المترجرج، ولا مفاوضات صندوق النقد الدولي، ولا اموال المودعين المحجوزة في المصارف، ولا طوابير السيارات على محطات المحروقات، ولا فقدان الدواء، ولا غلاء الخبز، ولا رفوف السوبرماركت الفارغة، ولا الراتب الذي يتبخر فور وصوله الى اليد… ولا الأمل الذي قضت عليه الرصاصة الأولى التي اُطلقت.
المهم ان يجتمع جميع افراد العائلة في المنزل فوراً، والا يكون ايّ منهم محاصراً بالرصاص فيقضي لأنه “صودف مروره” في محلة الاشتباكات.
غريبة هذه الذاكرة التي نعتقد انها طمرت في طياتها كل مآسي الحرب وتجاربها المرة. فيكفي صوت كلاشنيكوف واحد، وصورة مسلح راكع وسط الشارع ليصوّب بندقيته “نحو الآخر”، وملثم يحمل على كتفه “بي سفن”، وهجمة شباب يصرخون بين المباني… لتعود كل ردات الفعل التلقائية لتطفو على سطح الذهن: من المناطق غير الآمنة الى خطوط التماس، الى ردود الفعل الغرائزية بالإختباء كما الفأر في الجحر.
لا يهم من بدأ الاشتباك، ولا يهم من افتعله، وإذا كان مقصوداً ام غير مقصود، وإذا كان الهدف منه حرف الأنظار عن مذكرة التوقيف الغيابية الصادرة بحق نائب من كتلة رئيس المجلس النيابي ام لا. المهم ان هذا الاشتباك قضى على آخر أمل بأن لبنان قد يصبح يوماً ما وطناً لجميع ابنائه من دون أي تمييز طائفي او عددي.
فحوادث الطيونة وعين الرمانة أثبتت لمن لا يزال يشك، ان الحرب لم تعلّمنا شيئاً ولم نتعّظ من اي من دروسها، وان الطائفية لا تزال تعشعش في ذهن غالبية اللبنانيين، وان شريعة الغاب هي السائدة من دون أي جدل، وإن فائض القوة من هذه الجهة او تلك يتحكّم بالحاضر والمستقبل، وان التعايش كذبة ابتدعها السياسيون لشراء بعض الوقت ريثما تتبدل المعطيات المحلية والاقليمية والدولية لصالحهم.
هل سنخنق بعضنا من شدة العناق، كما قال رئيس الحكومة المرحوم صائب سلام يوماً؟ طبعاً لا. فمن صرخ “شيعة، شيعة” ومن قال انه يدافع عن مناطقه هم شباب لم يتعدّوا الخامسة والعشرين. لم يعرفوا الحرب ولا مبدئياً الحقد تجاه الآخر. لم تحمل ذاكرتهم صوراً بشعة عن مجازر تجعلهم يخشون الآخر. لم يمرّوا على حواجز تدقق في هوياتهم، لم يحملوا حياتهم على كف يدهم للإنتقال من منطقة الى أخرى، لم يختبروا صوت القذائف التي تمر فوق رؤوسهم فيتنفسون الصعداء متى سمعوا أزيز انطلاقها ومرورها لأن هذا يعني انها لن تسقط بالقرب منهم.
كيف لهؤلاء ان يحملوا كل هذا الحقد الأعمى والجارف؟ كيف للحياة ان تعود الى طبيعتها بعد رؤية كل هذه الفيديوهات البشعة وقراءة كل هذه التعليقات الأبشع على وسائل التواصل الاجتماعي؟ كيف يمكننا الثقة بأن هكذا حوادث لن تتكرر غداً او بعد غد في هذه المنطقة او تلك؟
ماذا نقول لأولادنا الذي يحلمون بالعودة الى وطنهم، وللآخرين الذي بدأوا بتحضير حقائبهم للهجرة؟ هل نقول لهم ان هذه الرصاصة الأولى اعادت صورة “البوسطة” الى الحياة؟ انها الحافز الأكيد لحمل جوازات سفرهم والبحث عن حياة كريمة في وطن آخر يحترمهم كإنسان. لا يرميهم في أتون النار من دون محاولة السعي للبحث عن المسؤول او المسؤولين عن “جهنم” حياتهم.
انها الرصاصة التي قضت على آخر أمل، مهما كان ضعيفاً، بوطن. فرغم الأجندات الخارجية التي تتحكم بسياسة السياسيين المتجذرين في اماكنهم، رغم امعانهم في إهمال ابسط مسؤولياتهم، رغم محاربتهم المستشرسة للحفاظ على كرسي اليوم، او حجز كرسي لقريب او صهر، رغم تجاهلهم فصل السلطات وفرض سيطرتهم على كل مفاصل الدولة وصولاً الى القضاء، رغم سرقتهم اموال الدولة والعباد… كان الحلم لا يزال حيّاً بأن شيئاً ما قد يتبدل يوماً ما… الى ان أتت هذه الرصاصة اللعينة فخنقت الأمل والحلم في آن. ولم يبق سوى وطن آخر نصب العينين، حقيبة السفر في يد وجواز السفر في أخرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات