Search
728 x 90

رئيسي لخلافة خامنئي؟

رئيسي لخلافة خامنئي؟

قد يعتقد كثيرون ان نسبة المشاركة المتدنية في الانتخابات الرئاسية الايرانية، وهي الأدنى في تاريخ الجمهورية الاسلامية الايرانية منذ العام 1979، تعود الى التضييق السياسي الرسمي على الحريات العامة والى الأوضاع الاقتصادية المتردية جداً التي خنقت الايرانيين في السنوات الأخيرة في ظل العقوبات الاميركية والاوروبية الصارمة. الا ان نسبة مشاركة ما دون الخمسين بالمئة تعود الى ابعد من ذلك، وقد تشكل مشكلة مشروعية لنظام الجمهورية الاسلامية الايرانية.

صحيح ان تردّي الوضع الاقتصادي نتيجة العقوبات الاميركية من جهة وسوء ادارة البلاد داخلياً من جهة ثانية، كان له التأثير الكبير على إحجام عدد كبير من الايرانيين عن المشاركة في التصويت ولا سيما بعدما شهدت مدن إيرانية عدة احتجاجات على خلفية اقتصادية في وتشرين الثاني 2019 وشتاء 2017-2018 . فقد بلغت نسبة المشاركة 48.8% وفق ما اعلن وزير الداخلية الإيرانية عبد الرضا رحماني فضلي، اي ان تدنيّها تخطى ادنى مشاركة في انتخابات رئاسية بلغت 50,6 % في العام 1993 بعدما شهدت الانتخابات التشريعية في شباط 2020، نسبة امتناع قياسية بلغت 57 % . هذا، في ظل اعتبار وسائل إعلام إيرانية عدة أن السلطات مددت التصويت في الانتخابات 3 مرات بواقع ساعتين لكل مرة بعد تدني الإقبال بشكل ملحوظ، اذ لم تتخطّ النسبة 23% بحلول الخامسة عصراً رغم دعوة مرشد الثورة الاسلامية علي خامنئي بنفسه الى التصويت بكثافة. ويجب عدم إغفال ان اسماء سياسية بارزة قاطعت المشاركة في الانتخابات، مثال الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، والإصلاحي مهدي كروبي، الذي يخضع للإقامة الجبرية منذ احتجاجات الحركة الخضراء المؤيدة للديمقراطية العام 2009، كما الرئيس السابق محمد خاتمي الذي اعلن “هذا غير مقبول. كيف يتوافق هذا مع كوننا جمهورية أو إسلامية؟”
وصحيح ايضاً ان قرارات مجلس صيانة الدستور في طريقة اختيار مرشحي الرئاسة (600 مرشح لم تتم الموافقة سوى على 7 منهم، مع استبعاد مرشحين بارزين مثال علي لاريجاني الذي تولى رئاسة مجلس الشورى 12 عاما، والنائب الأول لرئيس الجمهورية إسحاق جهانغيري)، كان لها الأثر الكبير في القرار الايراني الشعبي بالمشاركة. لكن الصحيح ايضاً ان معرفة نتيجة الانتخابات قبل موعدها وحسم فوز المرشح ابراهيم رئيسي قبل موعد فتح صناديق الاقتراع دفع بالكثيرين الى الاحجام عن المشاركة، اذ ما النفع من التصويت طالما ان الرئيس معروف سلفاً، وان الاسم لن يبدل شيئاً في حقيقة انه لن يكون الحاكم بأمره انما الكلمة الفصل لمرشد الجمهورية الاسلامية وللحرس الثوري الايراني الذي بات يمسك بكامل زمام الأمور في البلاد بعدما احكم سيطرته على مجلس الشورى العام الماضي.
فالإيرانيون مقتنعون، يؤكد اكثر من مراقب، ان اسم الرئيس او انتماءه السياسي، لن يبدل قيد انملة في النتيجة على الأرض، لا اقتصادياً ولا اجتماعياً، ولا في الحريات العامة والشخصية.
فالموضوع يعود الى اعمق من ذلك، الى ازمة ثقة شعبية والى شك بمشروعية الدولة الاسلامية بين صفوف الشعب رغم تأكيد المرشد الأعلى علي خامنئي بعد اعلان نتائج الانتخابات “إن هذه المشاركة تعكس دعماً لمؤسسة الجمهورية الإسلامية”، واصفاً نسب المشاركة الشعبية في بيان رسمي “بالملحمية”، اي انه استعمل “المنطق المعكوس” مركزاً على دعم 48% من الشعب للجمهورية الاسلامية من دون ان يأتي على ذكر الـ 52% الآخرين المقاطعين.
ولعلّ ابرز دليل على تراجع الدعم الشعبي هو “هاشتاغ” “لا للجمهورية الإسلامية” الذي انتشر على “تويتر” قبل اسبوع او اكثر من موعد الانتخابات الرئاسية في الداخل الايراني وفي خارجه. من هنا سعي القضاء الايراني برئاسة إبراهيم رئيسي – الذي فاز بالرئاسة- الى محاولة حجب تطبيق “إنستغرام” وتشديد القيود على بعض التطبيقات الأخرى مثل “غوغل بلاي” وبرامج رفع الحجب، وفق “رسالة سرية للغاية” بتاريخ 15 ايار 2021، وقعها مساعد رئيس المحكمة العليا لمحافظة طهران جواد جاويدنيا، وأحالها الى القائد العام للحرس الثوري حسين سلامي، ورئيس استخبارات الحرس حسين طائب، والمساعد الثقافي للحرس الثوري مجيد بذرافكن ، ومساعد منسق الحرس الثوري محمد رضا نقدي، وقائد مقر ثار الله حسين نجات، وذلك من اجل ضمان تنفيذ مضمونها الذي كشفته الباحثة على الإنترنت نريمان غريب.
من هنا، قول متابعي السياسة الايرانية الداخلية ان المرشد الأعلى يسعى لتحقيق “المرحلة الثالثة من حكومة اسلامية”، اي في “تنقية القيادة الايرانية العليا” عبر استبعاد كل الشخصيات التي تميل الى الغرب او التي تدعو الى الانفتاح عليه، مثل رئيس البرلمان السابق علي لاريجاني الذي رأى ان ” العلاقات مع الغرب تشكل ثقلا موازناً ضرورياً للاعتماد على روسيا والصين”.
وتجدر الاشارة الى ان الرئيس المنتخب ابراهيم رئيسي شكل سابقة في تاريخ الرئاسة الايرانية، اذ هو اول رئيس للجمهورية الاسلامية يدخل الى الحكم مثقلاً بعقوبات اميركية “بسبب سجله في مجال حقوق الإنسان” على خلفية مسؤوليته في اعدامات جماعية لسجناء سياسيين العام 1988.
من هنا اعتبار كثيرين ان عملية انتخابه تصبو الى “غسل سجله ” بحيث يضع الغرب امام حتمية التعامل معه، رغم كل الاتهامات التي ترافقه، اذ انه بات اعلى سلطة رسمية وُجب التعامل معها خارجياً… والموعد الأقرب هو الاتفاق النووي في حال وصول مفاوضات فيينا الى خواتيمها السعيدة، رغم بعض التحليلات التي تشير الى ان خامنئي قد يفضل ابرام الاتفاق قبل تسلّم رئيسي مهامه الرئاسية بحيث يتم القاء اللوم على الرئيس المنتهية ولايته حسن روحاني في حال فشل الاتفاق مستقبلاً.
وبالفعل، سارعت الولايات المتحدة على لسان المتحدث باسم الخارجية الأميركية نيد برايس الى التأكيد إنها “ستواصل المفاوضات حول البرنامج النووي الايراني، والعمل إلى جانب حلفائها وشركائها في هذا الصدد، مع أسفها لحرمان الإيرانيين من عملية انتخابية حرة ونزيهة”.
ويقع انتخاب رئيسي في خانة الأهمية نظراً الى ان ولايته الرئاسية الاولى (4 سنوات)، والثانية المرتقبة ايضاً ستضعه في سدة المسؤولية في حال وفاة مرشد الثورة الايرانية علي خامنئي البالغ من العمر 82 عاماً، مما يجعله المرشح الأوفر حظاً لخلافة خامنئي، الى جانب نجل هذا الأخير مجتبى.
ثم ان انتخاب رئيسي سيطوي صفحة الجيل السابق من الإصلاحيين مثل محمد خاتمي، اذ ان هذا الانتخاب سيمنحه المزيد من السلطة، لأنه مقرب جداً من خامنئي ويتمتع بثقة كاملة من المؤسسة، مما يرجّح توصله إلى اتفاق مع الولايات المتحدة في مفاوضات فيينا من ضمن صفقة تضع الاتفاق النووي في كفّة والسياسة الايرانية الخارجية الداعمة للحوثيين في اليمن، والحشد الشعبي في العراق، وحزب الله في لبنان … في كفّة أخرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات