Search
728 x 90

رئاسة المسيحيين للبنان في مأزق خطير

رئاسة المسيحيين للبنان في مأزق خطير

سبحة عوامل محلية واقليمية ولا سيما منها وضع لبنان في “حلف الأقليات”، يُخشى ان تؤدي الى زوال لبنان كما تم ارساؤه بصيغته التعددية القائمة على التوازنات الطوائفية والسياسية. فبات موقع الرئاسة المسيحي الاول والوحيد في المنطقة في خطر، مما قد يساهم في اصابة المسيحيين بعطل دائم.

حين جمع الامين العام لـ ” حزب الله” حسن نصرالله حليفين مسيحيين له هما رئيس التيار العوني الموالي لرئيس الجمهورية العماد ميشال عون جبران باسيل ورئيس تيار المردة سليمان فرنجيه الى مائدة افطار في 8 نيسان تحت عنوان قيل انه لرأب الصدع وتجميع الحلفاء قبل الانتخابات النيابية تفادياً لاعطاء فرصة للخصوم وعلى رأسهم رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، فإن جانباً آخر يتصل بالرئاسة الاولى لم يفت القوى السياسية والسفراء المعتمدين في لبنان. فهذان الحليفان هما افضل من يمكن ان يؤمن مصالح الحزب والمحور الذي يقوده في مرحلة ما بعد ميشال عون. بدا الأمر بمثابة وضع الحزب عَلَمه على موضوع الرئاسة ليس قبل الانتخابات النيابية فحسب بل ما قبل الزيارة المرتقبة للبابا فرنسيس الى لبنان في حزيران المقبل اي في المدة الفاصلة بين نتائج الانتخابات النيابية وانطلاق العد العكسي لانتخاب رئيس للجمهورية قبل 31 تشرين الاول المقبل.

تبدو الرئاسة الاولى المعقودة للمسيحيين وفقا للدستور اللبناني في ازمة فعلية بالنسبة الى ما تمثله للمسيحيين وما اضحت عليه وتداعيات ذلك على الوجود المسيحي وحتى فاعليته في لبنان والمنطقة. يتفق كثر على الطابع الكارثي لعهد الرئيس ميشال عون الذي لم يلعب عمره المتقدم العامل السلبي الوحيد والمؤذي بل ايضاً طموحه الى توريث المنصب الرئاسي الى صهره ورئيس تياره الذي حاول ان يتبنى مقاربات عمّه قبل الرئاسة وخلالها من دون اي نجاح يذكر نظراً الى اختلاف الظروف وتبدّل معطيات محلية وخارجية كثيرة.

ولكن هذين العاملين لم يكونا فقط المؤثرين الى الحد الحاسم الذي افشل العهد الذي وصفه تياره بـ  “العهد القوي” نسبة الى وصول رئيس اكبر كتلة نيابية واكثر من حصد شعبية مسيحية قبل عودته من منفاه الفرنسي على اثر اطاحته من النظام السوري في العام 1989 وبعد عودته ، بل لأن وصوله ارتبط بتفاهمات مسبقة هي التي لعبت دورها في وصوله الى الرئاسة الاولى هي التي قيّدته والغت الى حد كبير الدور الفاعل والرصين والحكيم لرئاسة مسيحية يفترض ان تبقي على لبنان توافقاً متوازناً بين دول المنطقة.

فالتفاهم مع النظام السوري بقيادة بشار الاسد والذي ادى الى عودة عون الى بيروت في العام 2005 على اثر الاغتيال المدمر للرئيس رفيق الحريري، ومن ثم التفاهم الذي عقده مع “حزب الله” في شباط 2006 وبعد الفوز الكاسح للقوى السيادية المناهضة لسوريا بالانتخابات النيابية والذي عرف بتفاهم مار مخايل، هما العاملان الحاسمان في شلل الرئاسة المسيحية ورهنها لمصالح واعتبارات هذين المتفاهمين المناهضين للمحور العربي.
في عهد اميل لحود الذي ضغط النظام السوري ايضاً من اجل انتخابه رئيساً للجمهورية، انهكت المحورية الذي دفع لبنان اليها والتي هي نفسها المحورية التي ذهب اليها لاحقاً ميشال عون بعد فترة، هدنة تمثلت في الجزء الثاني من رئاسة ميشال سليمان التي امتدت لست سنوات وكانت مرجحة للتوازن الاقليمي والدولي لبنان ايضاً. بات موقع الرئاسة المسيحي في مأزق اكثر من اي وقت مضى في حين ان هذا المسار ينعكس سلباً وعلى نحو كارثي على الوجود المسيحي. اذ ان ” قوّته” لم تعد متاحة الا عبر تفاهمات اسس لها هؤلاء الرؤساء على قاعدة منطق ما سمي “حلف الاقليات” اي التحالف الاقليمي بين الشيعة والعلويين والمسيحيين في عداء مطلق للطائفة السنية. وهو ما لا قبل للمسيحيين بتحمله بعدما باتت الهجرة المسيحية اقوى من اي وقت مضى تبعاً لانسحاق مسيحي تحت الرافعة الشيعية التي يمثلها “حزب الله”.

وقد ساهم في زيادة هذا الواقع مأسوية دمار القطاعات التي ساهم المسيحيون في ارساء ركائزها في لبنان باعتبارها نقطة قوة لوجودهم وحضورهم ليس في لبنان بل في المنطقة ككل. اذ ان انهيار القطاع المصرفي والمالي الذي كان المسيحيون عموده الفقري وكذلك الامر بالنسبة الى انهيار القطاع الصحي والتربوي والجامعي والذي خيض تحت عناوين تربط بين تغيير النظام اللبناني وتغيير الصيغة الطوائفية التي بني عليها لبنان منذ استقلاله عن الانتداب الفرنسي، بات من العوامل التي يخشى ان تؤدي الى زوال لبنان كما تم ارساؤه بصيغته التعددية القائمة على التوازنات الطوائفية والسياسية.
المأزق في الرئاسة الاولى ان تكرار “محوريتها” على قاعدة استمرارية التفاهمات التي عقدها ميشال عون وباتت تشكل الركيزة التي ينطلق منها الحزب ومعه النظام السوري في مقاربة موقع الرئاسة المسيحي الاول والوحيد في المنطقة قد يساهم في اصابة المسيحيين بعطل دائم. فكثر يخشون من ان ما يحصل لا ينفصل عن سياق اقليمي خطير اضعف الوجود المسيحي من فلسطين الى العراق فسوريا تحت اسباب واعتبارات مختلفة .

ولكن الخط البياني لهذه التطورات يرصد عدم امكان العودة في اي لحظة الى زمن مضى. وباتت الرئاسة المسيحية اكثر مدعاة للقلق من اي وقت سابق على قاعدة المخاوف من الا تعود تشكل الضمانة للمسيحيين نتيجة ارتهان شاغلها في العقدين السابقين على الاقل الى محاور اقليمية ضغطت او ساوم الطامحون من اجل الوصول اليها، على ثوابت البلد وركائزه ولا سيما مع عدم القدرة لا بل العجز الكامل في استعادة صلاحيات ما قبل اتفاق الطائف الذي اصبح دستوراً للبنان بعد انتهاء الحرب الاهلية. فالصراعات الداخلية التي قادها الرئيس ميشال عون وسعيه الى الاخلال بالتوازنات واطاحة خصومه في موازاة حلفه مع “حزب الله” المسلح والمستوي على بقية الطوائف، لم تساعده في استرداد اي من هذه الصلاحيات في مقابل التفاهمات التي عقدها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات