Search
728 x 90

ذهول بانفصال المؤسسة السياسية اللبنانية عن الواقع

ذهول بانفصال المؤسسة السياسية اللبنانية عن الواقع

لن يمر بيان مقرر الامم المتحدة الخاص المعني بالفقر المدقع وحقوق الانسان اوليفيه دو شاتر مرور الكرام. فهو اتهم المسؤولين اللبنانيين بأنهم يعيشون في عالم خيالي، مبدياً ذهوله حيال التقصير في المسؤولية على اعلى مستوى القيادة السياسية.

على مدى عشرة ايام، جالس مقرر الامم المتحدة الخاص المعني بالفقر المدقع وحقوق الانسان اوليفيه دو شاتر عدداً من الوزراء والمسؤولين الذين وزعوا على الاثر اخبار استقباله وصوراً يظهرون فيها مبتسمين له من منطلق اظهر ان هؤلاء المسؤولين يجدون من يستقبلونهم من الزوار الاجانب ولا يتسلون وحسب بالزيارات المحلية والاجتماعات التافهة من دون نتائج.

لم يتأثر المسؤول الاممي بابتسامات هؤلاء ولا بشروحاتهم النظرية الفضفاضة والفارغة بل خرج من هذه الاجتماعات ليعلن انه لمس ان المسؤولين المفترضين عن ادارة الوضع اللبناني يعيشون في عالم خيالي. “من المذهل التقصير في المسؤولية على اعلى مستوى القيادة السياسية” قال دو شاتر. واضاف “وبينما التقيت بمسؤولين مخلصين على مستوى صغار الموظفين، صدمت بانفصال المؤسسة السياسية عن واقع الذين يعيشون في فقر على الأرض. فالأطفال يجبرون على ترك المدرسة والعمل في ظروف غير آمنة، واللاجئون واللبنانيون في المناطق الحضرية والريفية على حد سواء يفتقرون إلى مياه الشرب المأمونة والكهرباء، وموظفو المدارس والمستشفيات العامة يغادرون البلد بعد أن طالهم الفقر”.

وقد شكلت العبارات التي وردت في البيان الذي صدر عن الزيارة مضبطة اتهام تفوق بدرجات ما كان ذهب اليه المسؤولون الفرنسيون في شكل خاص في ادانتهم للطبقة السياسية ابان مراوحتهم في فرض الشروط ومنع تأليف حكومة بعد الانفجار الكبير الذي حصل في مرفأ بيروت في آب 2020.
كيف يمكن لمسؤولين مفترضين ان يتولوا انقاذ البلد مما هو فيه في حين انهم من تسبب في انهياره، فيما قد يشعر المرء في لبنان تبرير القاء تبعة كل طرف المسؤولية على الاخرين ويبرىء نفسه وان بعد سنتين من الانهيار وعلى عتبة انتخابات نيابية مرتقبة يفترض ان يظهر المسؤولون المعنيون بعض المسؤولية والارادة في معالجة بعض الازمات. يقول دو شاتر “ان ما قامت به السلطات اللبنانية من تدمير للعملة الوطنية وادخال البلد في مأزق سياسي وتعميق اوجه عدم المساواة الذي طال امده قد اغرق لبنان في فقر مدقع”.

البيان الذي ورد في ختام زيارة دو شاتر مهم جداً في كل كلمة وتحدد في الواقع المأساة الذي يواجهه اللبنانيون اليوم وهي ان من يدير لبنان ليس مؤهلاً ولا كفوءاً على كل المستويات لقيادته في هذه المرحلة الخطيرة. ورد في البيان” لبنان ليس دولة منهارة بعد، لكنه على شفير الانهيار، وحكومته تخذل شعبها”. “لقد كان ذات يوم منارة تسترشد بها المنطقة: مستويات عالية في التنمية البشرية وقدرات كبيرة. أدى تدمير الليرة اللبنانية إلى تخريب حياة الناس وإفقار الملايين. وتسبب تقاعس الحكومة عن مواجهة هذه الأزمة غير المسبوقة بحالة بؤس شديد لدى السكان، ولا سيما الأطفال والنساء وعديمي الجنسية والأفراد الذين لا يحملون وثائق، والأشخاص ذوي الإعاقة الذين كانوا مهمشين أصلا”.

وقال الخبير: “إن “الأزمة المصطنعة” تدمر حياة السكان، وتحكم على الكثيرين بفقر سيتوارثه الناس جيلاً بعد جيل”. وأضاف: “في حين يحاول السكان البقاء على قيد الحياة يوماً بعد يوم، تضيع الحكومة وقتاً ثميناً في التهرب من المساءلة وتجعل من اللاجئين كبش فداء لبقائها. وأوجه عدم المساواة في لبنان عند مستويات غير مقبولة منذ أعوام. وحتى قبل الأزمة، كانت فئة أغنى 10 في المائة من السكان تحصل على دخل يزيد خمس مرات عن فئة أفقر 50 في المائة منهم. وهذا المستوى الصارخ من عدم المساواة يعززه نظام ضريبي يكافئ القطاع المصرفي، ويشجع التهرب الضريبي، ويركز الثروة في أيدي قلة. وفي الوقت نفسه، يتكبد السكان ضرائب تنازلية تصيب أكثر ما تصيب أشد الناس فقراً. إنها كارثة من صنع الإنسان، استغرق صنعها وقتاً طويلاً.”

مقلق، يرى دو شاتر، كيف أن “القيادة السياسية تبدو غير راغبة في تبيان العلاقة بين الإصلاح الضريبي وتخفيف حدة الفقر، وتقلل من شأن ما يمكن أن تحققه أنظمة الحماية الاجتماعية من فوائد في إعادة بناء الاقتصاد، ولا سيما في أوقات الأزمات. وللأسف، ما من خطة موثوقة لتخفيف حدة الفقر أعلمتني بها الحكومة إلا وتعتمد على المانحين الدوليين والمنظمات غير الحكومية”.

ورأى دي شوتر أن الاعتماد على المعونة الدولية ليس مستداماً، وأنه في الواقع يضعف مؤسسات الدولة. وقال “التقيت خلال زيارتي بأشخاص يعتمدون على المنظمات الدولية وغير الحكومية للبقاء على قيد الحياة، وأطفال صغار حلمهم الوحيد أن يغادروا البلد في أقرب وقت ممكن، ونساء يتحملن العنف المنزلي ويقطتعن من وجباتهن لحماية أطفالهن، وشباب في مقتبل الحياة لا آفاق لحياتهم”. “يحتاج هؤلاء الناس اليوم إلى حلول موثوقة، ويساورني قلق عميق من أن الحكومة لا تأخذ محنتهم على محمل الجد”.

وأضاف: “معروف أن لبنان يتكبد مستويات عالية من الديون، لكن ارتفاع نسب الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي لا يؤدي بحد ذاته إلى أزمة ديون. “السؤال المطروح هو علام أنفق القادة السياسيون الموارد. على مدى عقود، تجاهل لبنان الحاجة إلى سياسات اجتماعية، من برامج قوية في الرعاية الاجتماعية وبنى أساسية للخدمة العامة، وركز بدلا من ذلك على القطاعات غير المنتجة مثل المصارف، مضاعفا الدين العام باستمرار، ومكرسا تلك الموارد لخدمته.

من المذهل التقصير في المسؤولية على أعلى مستويات القيادة السياسية. وبينما التقيت بمسؤولين مخلصين على مستوى صغار الموظفين، صدمت بانفصال المؤسسة السياسية عن واقع الذين يعيشون في فقر على الأرض. فالأطفال يجبرون على ترك المدرسة والعمل في ظروف غير آمنة، واللاجئون واللبنانيون في المناطق الحضرية والريفية على حد سواء يفتقرون إلى مياه الشرب المأمونة والكهرباء، وموظفو المدارس والمستشفيات العامة يغادرون البلد بعد أن طالهم الفقر.
لبنان لديه فرصة لإعادة النظر في نموذجه الاقتصادي. ولن يؤدي الاستمرار في تحفيز نموذج فاشل قائم على الريعية وعدم المساواة والطائفية إلا إلى إغراق السكان أكثر في العوز. وإلى أن يتم اقتراح خطة موثوقة لتحويل الاقتصاد، ومعالجة عدم المساواة، وضمان العدالة الضريبية، والحؤول دون المزيد من المآزق السياسية، لن يأخذ المجتمع الدولي الإصلاحات على محمل الجد”.
والجدير ذكره ان دو شاتر زار بيروت وطرابلس ومنطقة عكار ووادي البقاع فيما ان اياً من المسؤولين الكبار لم يتكبد عناء زيارة اي منطقة بما فيها العاصمة التي يبدو وسطها التجاري وكأن يعيش تدميراً كلياً نتيجة حرب مدمرة. واجتمع دو شاتر برئيس مجلس الوزراء نجيب ميقاتي وثمانية وزراء في الحكومة، وحاكم المصرف المركزي، ورئيس مجلس النواب، بعدما تحدث مع أشخاص يعانون من الفقر، ومع منظمات المجتمع المدني، ومجتمع المانحين، ووكالات الأمم المتحدة، والبلديات.
هل قرأ المسؤولون اللبنانيون ما ورد في هذا البيان المدين لهم وكيف يمكن ان تتابع الحكومة، علماً انها معطلة راهناً ليس لهذه الاسباب انما لتعطيل التحقيق في انفجار المرفأ فضلاً عن ازمة القطيعة المستجدة مع دول الخليج العربي؟

السؤال ينطلق من زاوية ان الادانة التي حملها البيان تؤكد من جهة على عدم امكان الثقة وهي مفقودة اصلاً بالطبقة السياسية بإمكان القيام بأي شيء ما يعني ان لبنان ينزلق اكثر الى المزيد من الانهيار بفعل عدم اهلية مسؤوليه. اذ ذكر دو شاتر انه بدأ صبر مجتمع المانحين ينفد مع الحكومة اللبنانية. بعد خسارة 240 مليون دولار أميركي نتيجة التلاعب بأسعار الصرف التعسفية، يجب أن يلمس المجتمع الدولي جدية الحكومة في تطبيق الشفافية والمساءلة. فيما ان سفراء من المجموعة الاوروبية كيف ان الكتل النيابية في مجلس النواب توقف مساعدات مقررة من البنك الدولي لمساعدة العائلات المحتاجة لعدم مطابقة التوزيع المقرر لهذه المساعدات مع الاجندات الطائفية والمذهبية غير المتناسبة مع استعدادتهم للانتخابات النيابية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات