Search
728 x 90

حين يتحول “التوافق” عنوان تقويض النظام اللبناني

حين يتحول “التوافق” عنوان تقويض النظام اللبناني

  لم يكن غريباً ان تتوجس أوساط عديدة من النخب اللبنانية من “افتتاحية” مثيرة لكل الشكوك المريبة كتبها بالصوت الجهوري رئيس مجلس النواب نبيه بري في نهاية الجلسة الأولى التي عقدها المجلس لانتخاب رئيس الجمهورية وعنوانها العريض “لن يكون رئيس اذا لم يكن هناك توافق “.

القوى والكتل النيابية اللبنانية جميعها كانت تدرك ان الجلسة الأولى لن تفضي طبعاً الى انتخاب الرئيس الجديد نظراً الى توزع المجلس بعد انتخابات أيار النيابية على مجموعات يصعب معها على أي ائتلاف جمع 86 صوتاً لأي مرشح من الدورة الأولى او 65 صوتاً من الدورة الثانية كما ينص الدستور.

لكن ما أقدم عليه “تكتل النواب التغييريين” لجهة تفرّده بتسمية المرشح سليم اده وعدم اندماجهم مع كتل المعارضة الأخرى التي سمّت النائب ميشال معوض افقد المعارضة كلاً فرصة مهمة للغاية لتقديم مرشح واحد في مواجهة كتل المحور الآخر التي وان كانت كشفت عدم قدرتها بعد على التوحد وراء مرشح واحد فإنها ظهرت عددياً في مظهر كتلة متراصة عبر التصويت بأوراق بيضاء في رزمة من 63  صوتاً.

والواقع ان التشرذم في صفوف المعارضة صار يسأل عن تبعاته حصرا تكتل التغييريين لأنه بإمعانه في اظهار تمايزه عن القوى المعارضة الأخرى التي كانت تشكل سابقا تحالف قوى 14 اذار يقدّم ولو من حيث لا يقصد الخدمة الجلى لتحالف القوى الذي يقوده “حزب الله” الذي يعنيه ان تبقى المعارضة مشرذمة على هذا النحو. ومع ذلك لا تقف المعضلة الأساسية التي تواجه مسار انتخاب رئيس الجمهورية المقبل على هذه الناحية فقط بل ان الأخطر يتمثل في رهن الاستحقاق بما يسمى التوافق في حين يبدو واضحاً ان أي توافق عام واسع كالذي تحدث عنه بري في الجلسة بحيث يشمل سائر النواب هو من المستحيلات.

هذا الامر كشف ان التذرع بالتوافق يعني التبرير والتسويغ والتمهيد بصورة علنية فصيحة للفراغ الرئاسي بلا أي جدل . اذ ان اقتران الكتلة البيضاء التي شكلها تصويت سائر كتل “المحور الممانع” باشتراط التوافق يعني عند بداية الشهر الثاني من المهلة الدستورية لانتخاب رئيس الجمهورية ان الفريق الممانع لن يسمح بلعبة ديموقراطية في الحدود الدنيا منها بما يتيح مثلا مبارزة بين مرشحين او ثلاثة مرشحين وليفز من تتوافر له الأكثرية النسبية حينذاك.

يمسك بري واقعياً بأكثرية الثلثين في كل جلسة وفق اجتهاده الذي يؤيده فيه كثير من النواب ولا يعترضون عليه المفتاح الحاسم لمنع انتخاب رئيس لا يوافق عليه فريقه ومسألة الثلثين في كل جلسة تحتاج الى تدقيق دستوري أوسع بل هي اقرب الى اجتهاد “ميثاقي” لمراعاة الكثافة الطائفية في جلسات الانتخاب. ولذا لا يعترض عليها الا فقهاء القانون الدستوري فيما يلاحظ بكثير من الغرابة ان كتل المعارضة نفسها لا تعترض على اعتمادها خصوصاً ان هذه الكتل تتحسب بدورها لأن تتمكن كتل خصومها من تمرير انتخاب رئيس بأكثرية النصف زائد واحد في لحظة غير محسوبة ولذا تفضل ان تبقى هي أيضاً ممسكة بالجانب الآخر من نصاب الثلثين لإسقاطه لدى شعورها بالخطر. بذلك يتحول النصاب مرة جديدة سلاحاً ذا حدين لكن اخطر تداعياته تتمثل في فتح الاستحقاق لاحتمال الشغور الرئاسي كأبرز الاحتمالات ما دام الرئيس لن يولد الا من توافق عريض تبدو فرص احتمالاته الآن عند نقطة الصفر.

انه باختصار قدر صنعه ميزان قوى مختل لا علاقة للأصول الديموقراطية به ولو ان عنوان التوافق يعكس ظاهراً اتجاهاً إيجابياً بل ان الخشية ستكبر كلما اقترب موعد نهاية المهلة الدستورية وظهر معها ان لبنان ينزلق مجدداً الى متاهة فراغ قد يقضي نهائياً هذه المرة على كل بقايا انتظام الأصول الدستورية فيه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات