Search
728 x 90

حياد او مؤتمر دولي… ما هو البديل عنهما؟

حياد او مؤتمر دولي… ما هو البديل عنهما؟

لم تكد بكركي تطرح وثيقة “الحياد الناشط” ومن ثم المؤتمر الدولي لمساعدة لبنان حتى انطلقت حملات بعض الأفرقاء، ولا سيما حزب الله ومن يدور في فلكه، ضدها.
فالطرحان يبعدان لبنان عن “محور الممانعة” وعن ابقائه ورقة مساومة في اي مفاوضات اميركية- ايرانية مرتقبة، كما قد يطرحان تورط الحزب المسلح في حروب اليمن وسوريا والعراق، اضافة الى الاستراتيجية الدفاعية التي سبق وطُرحت على طاولة الحوار العام 2006، وبالتالي قد يزيلان قبضة حزب الله عن مفاصل الحكم في لبنان، ناهيك عن كونهما يأتيان قبل اقل من سنة ونصف السنة على الانتخابات الرئاسية المقبلة، بحيث قد يحتّمان استبعاداً حتمياً للأسماء الرافضة لهما والمؤيدة للنهج السياسي الراهن.
فما هو الحياد والمؤتمر الدولي وانعكاسهما على الساحة السياسية برأي وزير الداخلية السابق المحامي زياد بارود والأمين العام للجنة الحوار الاسلامي – المسيحي الدكتور محمد السمّاك؟

“حياد ناشط”

إذا كانت وثيقة “الحياد الناشط” التي طرحها البطريرك الراعي اثارت في 17 آب 2020 ردود فعل مدينة فور خروجها الى العلن، فإن توضيح بكركي عن مفهوم هذا الحياد لم يغيّر قيد انملة في رفضه. فلا رئيس مجلس الاسلامي الشيعي الأعلى الشيخ عبد الامير قبلان بدّل حرفاً في ما قاله في الذكرى السنوية الـ 14 لعدوان تموز، معتبراً «ان السخافة والنذالة أن نجد من يتعاطف مع الخونة والعملاء تحت عناوين شتى تريد تشويه صورة لبنان المقاوم والمنتصر على العدو الصهيوني بغية إخراجه من دائرة الصراع مع عدو ظالم»، محذراً من «تضييع بوصلة المصلحة الوطنية والأخلاقية في ما يتعلق بموقع لبنان وكيفية إنقاذه وصولاً الى طرح حياد لبنان كمخرج من الازمات الحالية».
ولا الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله الذي استبق “وثيقة الحياد الناشط” بنحو سنة قائلاً في 11 ايلول 2019 في اليوم العاشر من محرّم، “أننا لن نكون على الحياد في معركة الحق والباطل”. ثم عاد وقال بعد ستة ايام على اطلاق وثيقة بكركي “ان الحدود الجغرافية لا تسقط المسؤولية، وان دعم الشعب الفلسطيني او الذهاب الى سوريا لمقاتلة الجماعات الارهابية، فيه مصلحة وطنية كبرى، مندداً بتدخل العديد من الدول العربية وغير العربية بالشأن اللبناني، في وقت تطالب فيه لبنان بالحياد”. وعاد وكرر في 29 آب من العام الماضي خلال إحياء الليلة العاشرة من ليالي عاشوراء “عندما تكون المعركة بين الحق والبطل لا حياد”، معتبراً أن “الواجب هو الوقوف إلى جانب الحق ورفض الباطل ومحاربته”.
وكانت الذروة في 23 شباط 2021 بقول نصر الله ان التهديد بتدويل أزمة لبنان أمميا هي “دعوة للحرب واستدعاء لقوات احتلال”، محذرا من أن ذلك “قد يصب في مصلحة إسرائيل”.
لا بل ذهبت الحملة الى حد تخوين الصرح البطريركي عبر مقالة “قناة العالم” الايرانية في 3 آذار 2020 تحت عنوان «إبن بطرس على خطى إبن سلمان وإبن زايد.. الى التطبيع دُر!». وقالت المقالة ان “هذا النهج العار يسير عليه اليوم خطوة بخطوة شخص البطريرك مار بشارة بطرس الراعي في لبنان، مدفوعاً بجماعات يمينية معروفة بعلاقاتها الوثيقة مع إسرائيل والسعودية والرجعية العربية يقودها القاتل سمير جعجع، حيث بدأ بذات الخطاب المكشوف حول حصر السلاح بيد الدولة، وعدم أخذ حزب الله قرار الحرب والسلم رهينة، وعدم الانخراط في سياسة المحاور، وضرورة اعتماد سياسة الحياد، وتدويل القضية اللبنانية لعجز أبنائها عن حلّ قضاياهم وهي مواقف حذّر من مخاطر مآلاتها، الخيّرون من أبناء لبنان، ومن بينهم تيار قوي ومؤثر من الطائف المارونية، الذي يزعم بشارة الراعي تمثيلها”.
التيار الوطني الحر من جهته، وضع “خريطة طريق” للحياد على لسان رئيسه الوزير السابق جبران باسيل. فقال ان «الحياد الذي هو تموضع استراتيجي وخيار اذا اتخذناه يجب التأكد من إمكان تطبيقه وملاءمته للواقع بثلاثة عوامل: التوافق الداخلي وإلا تسبّبنا بالانقسامات، وتأمين مظلة دولية ورعاية خارجية كاملة لتأمين احترام الحياد وتطبيقه من الدول وهذا يتطلب وضعية قانونية معترف بها من الأمم المتحدة، والأهمّ وجوب اعتراف الدول المجاورة بهذا المبدأ وتطبيقه عبر إخراج عناصر الخارج المتفجّرة بالداخل اللبناني ومنها احتلال الارض من اسرائيل، والارهاب المنظّم الموجود في لبنان من الخارج، وترسيم الحدود كي نستطيع العيش من دون خلافات مع الجوار، وموضوع النازحين السوريين والوجود الفلسطيني».
كما عمد باسيل اواخر شباط 2021 الى ارسال رسالة الى الفاتيكان باسم التيار الوطني الحر، اعتبر اكثر من مراقب انها “نوع من القوطبة” على طرح بكركي.

حياد ومؤتمر دولي

ما هو اذا الحياد الناشط” الذي اطلقت طرحه بكركي؟
وفق توصيف بكركي انه ذات “أبعاد ثلاثة مترابطة ببعضها ومتكاملة”:
– البعد الأول هو عدم دخول لبنان قطعياً في أحلاف وصراعات سياسية وحروب اقليمياً ودولياً وامتناع اي دولة عن التدخل في شؤونه أو الهيمنة عليه أو احتلاله.
– البعد الثاني هو تعاطف لبنان مع قضايا حقوق الانسان وحرية الشعوب وبخاصة الشؤون العربية التي يوجد حولها إجماع دولي وفي الامم المتحدة وبهذه الطريقة يواصل لبنان الدفاع عن حق الشعب الفلسطيني والفلسطينيين في لبنان”. فلبنان المحايد يستطيع القيام برسالته في المحيط العربي.
– البعد الثالث هو تعزيز الدولة اللبنانية لتكون دولة قوية بجيشها ومؤسساتها وعدالتها ووحدتها الداخلية كي تضمن أمنها الداخلي من جهة وتدافع عن نفسها تجاه اي اعتداء يأتي سواء من اسرائيل أو غيرها.

حياد سويسرا

لطالما تمّ التغني بلبنان – ايّام العزّ- بأنه سويسرا الشرق، اقتصادياً وجغرافياً وحرية… لكن من دون حيادها الذي لم يرق يوماً الى الاجماع الوطني حياله.
الأمين عام اللجنة الوطنية للحوار الإسلامي-المسيحي في لبنان د. محمد السماك يعتبر لموقع beirutinsights انه يتحتم دراسة التجربة السويسرية في ضوء الواقع اللبناني قبل الدعوة للإقتداء بها، حتى يكون لبنان سويسرا الشرق حقاً ، ليس بالمعنى الجمالي للطبيعة فقط ، ولكن بمعنى فك الارتباط بالانقسامات والصراعات الاقليمية والدولية ـ
فسويسرا بنَتْ حيادها على القواعد الآتية :

أولاً : القيام بدور لا تستطيع الدول الأوروبية الأخرى المتنافسة والمتصارعة أن تقوم به . وكان هذا الدور هو حماية الفاتيكان . ولا يزال الحرس السويسري يقوم بهذا الدور حتى اليوم . وهذا يعني ان الحياد لا يعني الانغلاق على الذات ، بل المبادرة خارج الصراعات .

ثانياً : الانفتاح على أصحاب الفكر الانساني في المجتمعات العربية ، ليس إيواءً فقط ، ولكن تشجيعاً أيضاً . فرسالة لبنان ليست إنغلاقية اختناقية ، ولكنها رسالة عيش مشترك تحترم كرامة الانسان وحق الجماعة –أيّ جماعة- في الاختلاف والتمايز .
وهذا ما سبق أن فعلته سويسرا عندما احتضنت المفكر والفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو ، على سبيل المثال .

ثالثاً : استقطاب مؤسسات دولية لاتخاذ لبنان مقراً لها . وهذا ما يتجسد في جنيف ؛ فالمؤسسة الدولية الوحيدة الموجودة في بيروت (الاسكوا) يجري التعامل معها وكأنها عبء ثقيل . أما في سويسرا فإن المؤسسات الدولية تتمتع بالرعاية والتشجيع مثل الصليب الأحمر الدولي ، ومنظمة العمل الدولية ، ومنظمة الصحة العالمية ..الخ. وبقدر ما يمثله وجود هذه المؤسسات الدولية من تأكيد وتعزيز للحياد السويسري ، فان الدولة السويسرية توفر لها كل ما تحتاج اليه من رعاية وحماية .

رابعاً : لا يكون الحياد إعلاناً من طرف واحد . فحتى يكون الحياد محترماً دولياً ، لا بد من إقراره دولياً ايضاً . فسويسرا بنت صرح حيادها على مواثيق دولية ، منها معاهدة باريس 1815، ومعاهدة لاهاي 1907 . وهذا يعني ان حياد لبنان يحتاج الى معاهدة مع جامعة الدول العربية ومع منظمة الأمم المتحدة ؛ وربما مع مؤسسات دولية اخرى مثل الاتحاد الأوروبي .
وهذا يعني انه لا يكفي أن يعلن لبنان حياده من جانب واحد . لا بد من أن يلتزم بهذا الحياد المجتمع الدولي . لقد أثبتت التجربة ان الحياد الذاتي كالحياد الذي اعتمدته إيرلندة 1937 أو الحياد النمساوي 1955 ، أو حتى الحياد المالطي 1980 ، يحتاج دائماً الى مظلة تحميه وتفرض احترامه.

خامساً : لا يعني الحياد الإنكفاء على الذات والانقطاع عن الدول العربية الأخرى . فالدول المحايدة (النمسا وإيرلندة ومالطة) أعضاء في الاتحاد الأوروبي . ولبنان المحايد يبقى عضواً في الجامعة العربية . فالذاتية اللبنانية أو الخاصية اللبنانية كانت موضع احترام عربي منذ تأسيس الجامعة، إذ أُعيد النظر في مشروع ميثاق الاسكندرية ليتوافق مع هذه الخاصية بعدم اتخاذ القرارات بالأغلبية بل بالإجماع . وهكذا عطّل لبنان اتخاذ أي قرار يعتبره تجاوزاً لخصوصيته القائمة على تركيبته المجتمعية المتعددة . وفعل ذلك من داخل النظام .
ولقد أثبتت الوقائع خلال العقود الأخيرة ان حياد لبنان ليس حاجة لبنانية فقط ، بل انه حاجة عربية ايضاً . فالصراع في لبنان هو في جوهره صراع على لبنان .
ومع الحياد يستطيع لبنان أن يؤدي دوره في الأسرة العربية أيام السلم وحتى أيام الحرب . وهذا ما كانت تفعله سويسرا وفي اطار حيادها مع المجموعة الأوروبية خلال الحرب العالمية الثانية. ولكن على العكس من ذلك جرى تحويل لبنان الى الجبهة العربية الوحيدة المفتوحة عسكرياً مع اسرائيل (قبل اتفاق القاهرة مع منظمة التحرير الفلسطينية وبعده ، واليوم ايضاً قبل وبعد معاهدات الصلح المصرية –كمب دافيد- ، والأردنية –وادي عربة- ، والفلسطينية –أوسلو- ، وحتى بعد تسارع دول عربية أخرى الى الاعتراف باسرائيل وتطبيع العلاقات معها ).
ويضيف الدكتور السماك ان التجربة السويسرية ليست هي التجربة الحيادية الوحيدة في أوروبا. اذ هناك تجارب بلجيكا وفنلندا والسويد خلال الحرب العالمية الثانية . ولكن لا ألمانيا احترمت حياد بلجيكا ، ولا روسيا احترمت حياد فنلندا . وحتى السويد اضطرت –أو أُكرهت- على تصدير مواد ضرورية للصناعات العسكرية الى كل من طرفي الحرب . وحتى سويسرا ذاتها لم تسلم من الضغوط والضغوط المعاكسة . ذلك انه أثناء الحروب تُستباح كل المحرمات . لأن الحروب هي مسألة حياة أو موت (بقاء أو فناء) بالنسبة للمتقاتلين . مع ذلك فإن تكريس حياد لبنان ، إن لم يوقف الصراع فيه ، فانه قادر على ان يضعه في اطار الصراع عليه . وبذلك يبقى الصراع خارجياً وبين الخارج ، وفي الخارج ، وتُطوى صفحة تحويل لبنان الى مسرح دامٍ ومدمر لصراعات الآخرين ، وتتوقف عملية استنزاف الدم اللبناني لإرواء عطش المتصارعين.

سادساً : إن الإلتزام بالحياد داخلياً وخارجياً ، يمكن ان يحوّل لبنان من مسرح للتقاتل التدميري، الى ملاذ آمن لرؤوس الأموال ولأصحابها ، كما سويسرا . وقد عرف لبنان شيئاً من ذلك في الخمسينيات من القرن الماضي بعد تهجير الشعب الفلسطيني من وطنه ، وعرفها في الستينيات بعد اجراءات التأميم التي اعتمدها بعض الدول العربية . فأقام أسس اقتصاده عليها . ولكن الانتقال بلبنان من الملاذ الآمن الى المسرح الدامي دمّر كل شيء ، وأعاده الى نقطة الصفر .. أو الى ما تحتها .
سابعاً : بين الارتباط بأحد المحاور المتصارعة في المنطقة ، والحياد عن هذا الصراع وفك الارتباط بالمتصارعين جملة وتفصيلاً ، يكون لبنان أو لا يكون .
لقد أثبتت التجارب العديدة التي مرّ بها لبنان منذ استقلاله ، ان انحيازه الى أي من المعسكرات المتصارعة في المنطقة كان بطاقة دخول الى جهنم . إذ سرعان ما يتحول لبنان ذاته الى مسرح لهذا الصراع . وربما الى المسرح الوحيد . حدث ذلك من خلال الصراعات :
• الفلسطينية – الاسرائيلية
• الفلسطينية – السورية
• الفلسطينية – الأردنية
• السورية – الاسرائيلية
• العراقية – السورية (صدام حسين – حافظ الأسد)
وهو يحدث اليوم أيضاً من خلال الصراع العربي – الإيراني .
الدكتور السماك يطرح السؤال: هل غير الحياد ينجّي لبنان من شرور ومآسي هذه السلسلة من الصراعات المتواصلة بصورة أو بأخرى ؟
فيقول، صحيح ان الحياد ليس مجرد أمنية وطنية سهلة الإنجاز، وان دون تحقيقه كمّ هائل من الصعوبات والعراقيل ، الا ان الصحيح أيضاً ان لبنان جرّب على مدى الخمسين عاماً الماضية كل أنواع الانحيازات لهذا الفريق أو ذلك ، وخسر فيها كل رهاناته . فلم تبقَ لديه ورقة يطرحها سوى ورقة فكّ الارتباط بصراعات المنطقة والحياد عن المتصارعين والتمسك برسالته اليهم جميعاً، رسالة العيش المشترك واحترام كرامة الانسان .
السماك يختم: في الاساس لا حياد بين الحق الفلسطيني والباطل الاسرائيلي . ولكن الحياد يكون بين من يحتكر الصواب والحق ويتنكر لحقوق ومصالح الآخرين في أن يكونوا آخرين وأصحاب وجهات نظر أخرى ، وبين من يعتبر رأيه قدساً مقدساً لا يحتمل أي شكل من اشكال المراجعة أو إعادة النظر، وكأنه تنزيل من عند ربّ العالمين . كلٌ يقاتل و يتقاتل بإسم الله والله من ذلك براء . فلماذا لا نكون نحن على الحياد بين المتقاتلين؟

… ومؤتمر دولي

واذا كانت القصة بدأت مع وثيقة “الحياد الناشط” التي اطلقتها بكركي، فإنها وصلت الى ذروتها مع مطالبة الصرح البطريركي بعقد مؤتمر دولي خاص بلبنان، وذلك في عظة قداس الأحد في 7 شباط 2021 حيث طالب البطريرك الراعي بـ “طرح قضية لبنان في مؤتمر دولي خاص برعاية الأمم المتحدة، يثبت لبنان في أطره الدستورية الحديثة التي ترتكز على وحدة الكيان وتوفير ضمانات دائمة للوجود اللبناني تمنع التعدي عليه والمس بشرعيته وتضع حداً لتعددية السلاح”…
وتم التصعيد من بكركي بعد يومين بعظة ثانية للبطريرك الراعي الذي تصاعدت لهجته بقوة قائلاً ان “اللبنانيين يعانون العذابات ويقدمون التضحيات، بينما دولتهم منشغلة بأمور صغيرة، ويتنافس المسؤولون على تطيير الحلول الداخلية، وتطيير الحلول الداخلية يدفعنا إلى التطلع نحو منظمة الأمم المتحدة للمساعدة على إنقاذ لبنان. من واجب هذه المنظمة أن تعكف على دراسة أفضل السبل لتأمين انعقاد مؤتمر دولي خاص بلبنان يعيد تثبيت وجوده ويمنع سقوطه”.
هذا الطرح الذي اعتبرته المكونات السياسية الرافضة له “تصعيدياً”، رأت فيه مصادر قريبة من الصرح البطريركي ان ” بكركي، وان كانت لا تمثل الدولة اللبنانية رسمياً، فإن من حقها ان تقوم باتصالات دبلوماسية وتتكلم مع دول صديقة ومع مجلس الامن”.
“نحن نريد التدويل وتنفيذ القرارات الدولية كما ان تصدر القرارات التي نفتقدها”، قالتها المصادر نفسها بالفم الملآن، علماً “ان الدول، اذا ارادت تدويل الملف اللبناني، فإنها لن تنتظر احداً، علماً ان هناك جواً ايجابياً لعقد مؤتمر دولي لكن يفترض العمل عليه”.
وهل يملك لبنان ترف الوقت لانتظار نضوج فكرة المؤتمر الدولي؟
ما هو الخيار الآخر المتاح؟ تقول مصادر بكركي. فهل المؤتمر الدولي يحول دون تأليف الحكومة او انقاذ الاقتصاد اللبناني او نزع السلاح او الوفاق اللبناني او ضبط الحدود او استكمال مفاوضات ترسيم الحدود؟

تدويل قانوني؟

وما هو مفهوم التدويل قانوناً؟
وزير الداخلية السابق المحامي زياد بارود يعتبر لموقع beirutinsights ان للتدويل اصوله. وفرق كبير بين التدويل بالمعنى السياسي والمعنى القانوني.
سياسياً، التدويل هو عندما يصبح الموضوع اللبناني محط اهتمام من اكثر من دولة اجنبية وليس من باب التدخل بشؤونه الداخلية اواحتلاله. فالتدويل يرادف الاهتمام الدولي بالملف اللبناني، وهو حصل في اتفاقي جنيف ولوزان، وفي اتفاقي الطائف والدوحة، ومؤتمرات باريس 1 و2 و3 وسيدر، من باب اهتمام اصدقاء لبنان به.
اما في القانون، فالتدويل يمر عبر الامم المتحدة او عبر اتفاقات ثنائية او هيئات تشبه الامم المتحدة مثل جامعة الدول العربية مثلاً. فالتدويل بمعنى تخطيه الاهتمام الدولي ووصوله الى اجراءات معينة برز في القرار 1757 الذي شهد انشاء المحكمة الدولية الخاصة بلبنان تحت الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة وبقرار من مجلس الامن. وهذا يعني ان التدويل يمكن ان يأخذ عدداً هائلاً من الأشكال.
لكن هل طرح البطريرك الراعي يعني الذهاب الى الفصل السابع؟
يؤكد بارود ان طرح البطريرك الراعي عن التدويل ليس المقصود به الذهاب الى الفصل السابع، وهو فصل يسمح لمجلس الامن باتخاذ تدابير عسكرية او غير عسكرية اي لا تستدعي استخدام القوة المسلحة، منها مثلاً وقف العلاقات الدبلوماسية او وقف الصلات الاقتصادية والمواصلات.
بارود يشير الى ان الأمم المتحدة يمكنها ان تشارك في اكثر من صيغة في مساعدة لبنان، بناء على طلب الدولة اللبنانية او كما حصل في محطات كثيرة سابقة لها علاقة بأمور انسانية، وذلك عبر المنظمات التي تعمل تحت جناحها مثل الـ UNDP او الـ UNICEF او غيرهما. فهل يعني ذلك التدويل؟
فالمقصود من كلام البطريرك، برأي بارود، كان له علاقة باحتضان دولي لمؤتمر يسعى الى مساعدة لبنان على الصعد المختلفة خصوصاً في ظل الحائط المسدود في السياسة كما الانهيار الاقتصادي الخطير وتداعياته على المستوى المعيشي. ومن الطبيعي ان يطلب كل لبناني من اصدقاء لبنان مساعدة في هذا المعنى، من دون اي اتنقاص من السيادة اللبنانية لأن طلب المساعدة من الصديق لا تعني التنازل عن السيادة بأي شكل من الأشكال.
بارود يؤكد ان لبنان ليس خارج المنظومة الدولية وهو جزء من ديناميات دولية مثل صندوق النقد الدولي كما هو عضو في جامعة الدول العربية وفي الأمم المتحدة.

اذاً، لماذ الخوف من التدويل ولا سيما من جهة حزب الله حيال سلاحه؟
المشكلة الاساسية، يؤكد بارود، تكمن في الاصطفافات السياسية او في الافكار المسبقة عن الطروحات هذه. فليس من الضرورة ان يطرح المؤتمر الدولي الاستراتيجية الدفاعية وبالتالي سلاح حزب الله.
ويضيف ان المطلوب اولا ان تحدد الجهة الداعية لهذا المؤتمر جدول اعماله، ولا سيما هل ان الدولة اللبنانية ستكون من ضمنه ام انها ستكون خارجه بمؤسساتها الدستورية.
وإذ يشير بارود الى ان على الدولة ان تكون شريكة في هذا المؤتمر وليس فقط مشاركة فيه، يؤكد ان المؤتمر ينجح قبل ان يبدأ بمعنى ان التحضير له من حيث المشاركة او جدول اعماله، سيحدد اذا كان يتجه الى نتائج ايجابية.

وهل هناك بوادر اي مؤتمر دولي في المدى المنظور؟
يشدد بارود على ان الاصطفاف السياسي بات يشمل ايضاً فكرة المؤتمر بحيث ان الذهاب اليه، إما يتم باتفاق الجميع للبحث عن الخلاص – كما حصل في اتفاقي الدوحة او الطائف – وإما سيكون هذا المؤتمر فاشلاً سلفاً. فالسؤال المطروح ليس مبدأ المؤتمر انما من سيشارك فيه، بأي نيّة وبأي قبول acceptability وبأي جدول أعمال؟
ان طرح بكركي، يضيف بارود، ينطلق من الحائط المسدود الذي وصل لبنان اليه بحيث ان بعض الافرقاء لا يتكلمون حتى مع بعضهم. وهو يبحث عن وسائل أخرى لحل النزاع وعلى الاتفاق على حد ادنى قد يؤدي الى تشكيل حكومة.
والسؤال الذي يجب طرحه، يقول بارود، هو عن ماهية الخيارات الأخرى المطروحة . الجميع يتمنى ان يكون هناك مؤتمر داخلي في لبنان، لكن الحقيقة ان البعض قدم قراءة سلبية لطرح المؤتمر بمجرد الدعوة اليه حتى قبل البحث في مضمونه. فمن مصلحة الجميع ان يناقشوا الفكرة لأن لا بديل عنها في الوقت الحاضر، يختم وزير الداخلية السابق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات