Search
728 x 90

حملوا حقيبتهم ومشوا…

حملوا حقيبتهم ومشوا…

انها موجة ثالثة من الهجرة الجماعية في لبنان. قد تغيّر وجهه الديموغرافي في ظل ظروف سياسية محلية واقليمية خطرة وفي ضوء وجود أكثر من مليون لاجئ سوري على أرضه، منذرة بفراغه من فئته الشابة لتحوّله الى مجتمع هرم، وفق دراسة لمرصد الأزمة في الجامعة الأميركية في بيروت، بإشراف الدكتور ناصر ياسين.
وهذا سينعكس حتماً على وجه لبنان السياسي المستقبلي، وهو على ابواب انتخابات نيابية – إن حصلت – سيكون لها الأثر الكبير في المديين المتوسط والطويل.

  3 مؤشرات

دراسة “مرصد الأزمة” (1) جاءت بعنوان “ثلاثة مؤشرات مقلقة تُنذِر بموجة هجرة كبيرة من لبنان”.
أكدت الدراسة ان لبنان يشهد منذ اشهر ارتفاعًا ملحوظًا في معدلات الهجرة والساعين اليها يجعلنا ندخل في بداية موجة هجرة جماعية (Exodus) هي الثالثة بعد الموجة الكبيرة الاولى في اواخر القرن التاسع عشر امتدادًا حتى فترة الحرب الكونية الاولى (1965 – 1916) حيث يُقدر ان 330.000 شخصًا هاجر من جبل لبنان آنذاك، والموجة الكبيرة الثانية اثناء الحرب الاهلية اللبنانية (1975 – 1990) حيث تُقدّر اعداد المهاجرين في تلك الفترة بحوالي 990.000 شخصًا.
الدكتور ناصر ياسين يؤكد لموقع beirutinsights ان الهجرة الكثيفة تأتي في صفوف المتخصصين والمهنيين، ولا سيما الطاقم التمريضي والأطباء والأساتذة الذين يواجهون فجوة كبيرة في مداخليهم بعد انهيار الليرة اللبنانية في مقابل الدولار، اذ ان راتب الطبيب والأستاذ الأكاديمي بات يساوي نحو 5 أضعاف بالخارج مقارنة مع لبنان.
اما الطبقة الميسورة فهي تسعى للهجرة وفق قدرتها على التملك بالخارج أو لحيازتها جواز سفر ثانٍ إلى جانب الجواز اللبناني يسمح لها بالسفر وبتأمين حاجاتها الحياتية في الهجرة.
تبقى الطبقة الوسطى التي تبحث عن أي عمل بالخارج، ولو براتب متواضع نسبياً هرباً من ظروف الحياة اليومية اللبنانية ولعدم شعورها بالأمان في ظل انهيار البنى التحتية والمنظومة التعليمية والصحية برمّتها.
اما عن نسب المهاجرين في الطوائف، فيؤكد ياسين ان من المبكر تحديدها نظراً الى استمرار الهجرة وترجيح امتدادها الى السنوات المقبلة. فالدراسات تكشف ان 80% من موظفي القطاع العام، ما دون الثلاثين عاماً، يخططون او يصبون للهجرة، علماً ان نحو 45% من سكان لبنان هاجروا بين الحربين العالميتين الاولى والثانية، وتبعهم نحو مليون لبناني، اي ثلث السكان خلال الحرب اللبنانية.
اما وجهات الهجرة فيؤكد ياسين انه من المبكر ايضاً تحديدها، علماً ان الوجهات المعروفة الى اليوم هي اربيل العراقية واوروبا وكندا. والأخيرتان وجهتان تقليديتان في الهجرة اللبنانية السابقة. ويشير الى ان قبرص تشكل مقصداً ايضاً للمهاجرين اللبنانيين في اعادة لمشهدية الحرب اللبنانية حيث كانت وجهة هجرة الآلاف، الا انها تُعتبر هجرة مرحلية للطبقات الميسورة، لأن المقصد منها اليوم هو المدارس في ظل ضبابية مصير العام الدراسي في لبنان.
ياسين يستند الى دراسة “مرصد الأزمة” ليشير الى 3 مؤشرات مقلقة في ما يتعلق بالدخول في موجة هجرة جماعية والتي من المتوقع ان تمتد لسنوات:
1- ارتفاع فرص الهجرة عند الشباب اللبناني حيث اشار 77% منهم انهم يفكرون بالهجرة ويسعون اليها، وهذه النسبة هي الاعلى بين كل البلدان العربية حسب تقرير “استطلاع رأي الشباب العربي” الصادر العام الماضي. فالسعي للهجرة عند الاكثرية الساحقة من الشباب اللبناني هو نتيجة طبيعية لانحسار فرص العمل الكريم حيث يُقدر البنك الدولي ان شخصًا من كل خمسة فقد وظيفته منذ خريف الـ 2019 وان 61% من الشركات في لبنان قلّصت موظفيها الثابتين بمعدل 43%.
وفي الموازاة، تلفت اكثر من دراسة سيكولوجية الى وجوب عدم اغفال هنا العامل النفسي الذي يدفع الشباب الى عدم الشعور بالإنتماء الى وطن منظومته وتركيبته السياسية فاسدة وغير قابلة للإصلاح في المدى المنظور.
وهنا، تأتي احصاءات اخرى لتؤكد ارتفاع نسبة الاقبال على جوازات السفر العام 2020 نحو 83%.
وتعليقاً على ذلك، يؤكد ياسين ان هذا الاقبال لا يعني حتماً الهجرة، انما النيّة بالهجرة متى سنحت الفرصة المؤاتية، في مؤشر الى فقدان الثقة بمستقبل وحياة كريمة في لبنان.
2- الهجرة الكثيفة للمتخصصين والمهنيين خصوصاً من العاملين والعاملات في القطاع الصحي كأطباء وممرضين، وفي القطاع التعليمي من اساتذة جامعيين ومدرسيين بحثًا عن ظروف عمل ودخل افضل. فعلى سبيل المثال قدرت نقابة الممرضات والممرضين هجرة 1600 ممرض وممرضة منذ العام 2019. وكذلك افراد الجسم التعليمي الذي هاجر المئات منهم الى دول الخليج وشمال اميركا. ففي الجامعة الاميركية في بيروت وحدها سُجل خلال عام رحيل 190 استاذاً يشكلون حوالي 15% من الجسم التعليمي.
3- توقع طول امد الازمة اللبنانية، فالبنك الدولي يُقدر ان لبنان يحتاج بأحسن الاحوال الى 12 عامًا ليعود الى مستويات الناتج المحلي التي كانت العام 2017 وبأسوأ الاحوال الى 19 عامًا. ومع غياب القرار السياسي بمقاربة جدية للازمة اللبنانية مما يوشي بتعمد الانهيار، فمن غير المستبعد ان تتلاشى مؤسسات الدولة أكثر وأكثر والسقوط في دوامة مميتة تمتد لعقدين من الزمن، والذي سيشكل عاملًا ضاغطًا على مئات الآلاف للرحيل عن وطنهم سعيًا للاستثمار والعمل والدراسة والتقاعد.
وتضيف دراسة “مرصد الأزمة” “اذا اضفنا الى هذه المؤشرات الثلاثة “المحلية” عاملًا اخر هو الحاجة المتزايدة الى يد عاملة واصحاب اختصاص وفئات شابة في عدد كبير من الدول الاكثر تقدمًا في العالم والتي تشهد انخفاضًا في معدلات النمو السكاني وزيادة في نسبة المسنين، فيمكننا استنتاج موجة كبيرة من هجرة اللبنانيين في الاعوام المقبلة.”
“ان تأثيرات موجة الهجرة الثالثة المتوقعة ستكون وخيمة عبر خسارة يصعب تعويضها للرأسمال البشري اللبناني وهو المدماك الاساس في اعادة بناء الدولة والمجتمع والاقتصاد.”
وفي الموازاة، تأتي الانتخابات النيابية الوشيكة، ان حصلت حقاً بعد اقل من ثمانية اشهر، لتطرح اشكالية سياسية اخرى تتمثل بدور المغتربين واموالهم فيها بحيث سيكون لـ “المال الاغترابي” نكهة اخرى لم تتضح ملامحها بعد.
اما إذا أخذنا بالإعتبار ان طول امد الازمة اللبنانية سيسهم بشكل كبير في ارتفاع نسبة الهجرة، فإن أثره سيكون كارثياً على المدى الطويل.
ويؤكد الدكتور ياسين لموقع beirutinsights في هذا الاطار ان ارتفاع نسبة المعمّرين في المجتمع اللبناني سيكون حتمياً، مما يحوّله مجتمعاً هرماً سيكون له الأثر الكبير على قطاعي التأمين والضمان الصحي اللذين سيرزحان حتماً تحت تأثير كلفته الباهظة.
وهنا يبرز سؤال مشروع، من سيتولى القيام بنهضة لبنان اذا كانت غالبية فئاته الشابة هاجرت في ظل نمو سكاني سيكون شبه معدوم؟ وكيف سيكون التأثير على ديموغرافية النسيج اللبناني في ظل وجود اكثر من مليون لاجئ سوري… تسعى غالبيتهم على الأرجح للهجرة ايضاً، لكن في ظروف أصعب واكثر تعقيداً من تلك المتوافرة للبنانيين.
يبقى ان خاتمة دراسة “مرصد الأزمة” قد تكون ابرز دليل على مأساة اللبناني على مدى عقود. فهي تقول “لطالما شكلت نجاحات اللبنانيين في دول الاغتراب مادة في بناء سردية “اللبناني الشاطر” لكنها تُستّر الجانب المظلم من مجاعات وحروب ودمار في بلدهم الام. “

(1) مرصد الأزمة في الجامعة الاميركية في بيروت مبادرةٌ بحثيةٌ تحت اشراف د. ناصر ياسين تهدف إلى دراسة تداعيات الأزمات المتعدِّدة في لبنان وطرق مقاربتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات