Search
728 x 90

“حقوق المسيحيين” نحو الانقلاب على الدستور!

“حقوق المسيحيين” نحو الانقلاب على الدستور!

هل فقد شعار استعادة او الدفاع عن حقوق المسيحيين وهجه بعدما استنفذ اهدافه ولم يعد يجد صدى له في الداخل او في الخارج؟ وما هو أقصى ما يمكن ان يستعيده المسيحيون من حقوق؟

دعمت غالبية مسيحية كبيرة العماد ميشال عون حين عاد من باريس بعد نفي لـ 15 عاماً مطالباً باستعادة الحقوق المسيحية في السلطة التي كان يتحكم بها النظام السوري الذي كان وصياً على لبنان بحكم واقع نفي عون الى فرنسا بعد اطاحته من قصر بعبدا في 1990 وبعد محاكمة لرئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع سُجن على اثرها لمدة 11 عاما.

تحكّم الوصّي السوري بمن يمثل المسيحيين كما تحكم بسائر مفاصل الحياة اللبنانية والقرار السياسي وكان مطلب المسيحيين محق من جانبين على الاقل:

الاول هو ترك المسيحيين كما سائر اللبنانيين يقررون من يريدون انتخابهم وليس انتخابهم بالتعيين من خلال انتخابات كانت تمنع ترشح غير المختارين من سوريا .

والثاني هو تحقيق المناصفة التي اقرّها اتفاق الطائف بين المسيحيين والمسلمين على صعيد التمثيل النيابي ووظائف الفئة الاولى فعلاً لا قولاً. ويمكن القول ان هذين الهدفين تحققا مع ارجحية كبيرة تمثلت في انتخاب العماد عون للرئاسة الاولة في العام 2016 والضغط من اجل قانون انتخابي ساهم في تحقيق ما يصبو اليه مع افرقاء مسيحيين آخرين لجهة انتخاب النواب المسيحيين من ناخبيهم المسيحيين في شكل اساسي وليس من الناخبين المسلمين. فحظي التيار العوني بكتلة نيابية كبيرة سمحت له بأن يكون الكتلة الاكبر مع تحالفات صغيرة اخرى كما حظي حزب القوات اللبنانية على حصة نيابية كبيرة ما ادى الى ضعف الكتل النيابية من الطوائف الاخرى.

واستطاع رئيس الجمهورية ان يمنع ليس فقط حصر المناصفة الطائفية بموظفي الفئة الاولى فحسب بل ان تعطيله الدائم لكل التعيينات الا على اساس المناصفة، ساهم في ضرب الدستور ايضاً. كان تيار عون رفع شعاراً بعد اتفاق الدوحة في العام 2008 ملأ به الشوارع في المناطق المسيحية يقول فيه ” اعدنا الحق لأصحابه” في اشارة الى استعادته الحقوق المسيحية . ولكن وبعد اربع سنوات ونصف السنة على وجود عون في موقع الرئاسة الاولى، لا يزال يخوض معركة تأليف الحكومة تحت عنوان ” حقوق المسيحيين” الذي بدأ فيه معركته السياسية الداخلية بعد عودته من باريس في 2005. وتعثّر تأليف حكومة جديدة في لبنان منذ ما بعد انفجار المرفأ في 4 آب من العام 2020 تحت عنوان سعي رئيس الجمهورية وفريقه الى الدفاع عن حقوق المسيحيين في وجه سعي رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري تأليف حكومة من الاختصاصيين بعيداً من تسمية الاحزاب والقوى السياسية لهم فيما يرفض رئيس الجمهورية ذلك تحت شعار الحقوق المسيحية ويطالب بحصّة تعطيه اكثر من ثلث الحكومة التي ينوي الحريري تأليفها من 18 وزيراً وذلك من اجل ان يتمكن عون وفريقه من الاحتفاظ بالقدرة على التحكم بالحكومة وقراراتها وامكان تعطيلها ايضاً.
وفقد شعار استعادة او الدفاع عن حقوق المسيحيين وهجه بعدما استنفذ اهدافه ولم يعد يجد صدى له في الداخل او في الخارج الذي يعتقد انه خضع للضغوط في العام 2016 من اجل انتخاب العماد عون تحت هاجس تعرّض المسيحيين في المنطقة للتهجير ولا سيما بعد ظهور ما سمّي تنظيم الدولة الاسلامية او داعش في كل من العراق وسوريا ما ادى جنباً الى جنب مع الحرب الاهلية في كلا البلدين الى هجرة مسيحية كبيرة .

والقول بأنه خضع للضغوط مردّه الى ان موقع رئاسة الجمهورية ، وهو موقع مخصص للطائفة المارونية بما يجعل الرئيس اللبناني الرئيس المسيحي الوحيد في المنطقة، بقي شاغراً لمدة عامين ونصف بضغط من عون و” حزب الله” من اجل انتخاب رئيس التيار العوني لرئاسة الجمهورية. فكان ذلك سبباً اضافياً عززه واقع ان عون كان الزعيم المسيحي الابرز ويصعب دحض رغبته في الرئاسة في حال حصوله على دعم داخلي، وهو ما تأمن له.

ولكن مرور اكثر من ثلثي الولاية الرئاسية وفي ظل ممارسة لم تمنع البلد من الانزلاق الى انهيار اقتصادي ومالي تاريخي، بات الكلام على استعادة حقوق المسيحيين ممجوجاً ومن دون معنى ولا سيما في ظل استهانة بالغة بحقوق اللبنانيين بأدنى مقومات العيش الكريم. بات الكلام على حقوق المسيحيين او المطالبة بها بمثابة اهانة للبنانيين بعد سبعة اشهر من تعطيل تأليف الحكومة تحت هذا الشعار علماً انه مطلب حق يراد به باطل لان الكنيسة المارونية نأت بنفسها عن مطالب لم تعد في محلها ولا في وقتها في ظل مخاطر محدقة بالبلد ووجوده ونظامه. وهي ازمة استشعر بها الكرسي الرسولي ايضاً، فاعتبر البابا فرانسيس ان الازمة في لبنان هي ازمة وجود في طريق عودته من زيارة تاريخية للعراق رغب فيها في بلسمة جراح العراقيين ومساعدة من تبقى من المسيحيين فيه للتثبت في ارضهم وعدم الهجرة من خلال دعوته الى العيش معاً بين جميع الطوائف.
ومن المرجح ان يحصل رئيس الجمهورية على الحصة المسيحية في الحكومة العتيدة اياً تكن ما لم يوضع النظام اللبناني برمّته على الطاولة ويخضع لإعادة النظر في مضمونه. اذ برزت دعوات حتى من فريق رئيس الجمهورية الى تطوير صيغة النظام، وهو ما تصدى له البطريرك الماروني خشية منه على الارجح من ان اي اعادة بالدستور قد تنعكس سلباً وبقوة على الحصة المسيحية في السلطة في ظل نزف مسيحي كبير يتخطى النزف من الطوائف الاخرى عبر هجرة شبابية كثيفة الى الخارج.

ويعتقد مراقبون معنيّون ان اقصى ما يمكن ان يستعيده المسيحيّون قد تحقق ولكن لن يتحقق اي امر ابعد من ذلك لأن سعي رئيس الجمهورية ضمناً الى تعديل صلاحياته بالممارسة وتجاوزها الى التعدّي على صلاحيات رئيس الحكومة لن يكون مقبولاً بها ولن يسمح بتخطيها فتنسف اتفاق الطائف عملانياً. فهذه هي حدود ما يمكن ان يتاح داخلياً وخارجياً، ولن يُسمح بالعودة الى ما قبل اتفاق الطائف الذي لم يوافق عليه العماد عون حين كان رئيساً للحكومة العسكرية العام 1989 .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات