Search
728 x 90

حقوق المرأة… وجهة نظر

حقوق المرأة… وجهة نظر

بين معاقبة المرأة الايرانية لخروجها من دون حجاب، او لمخالفتها قانون “الثياب اللائقة” وفق شريعة الدولة الاسلامية الايرانية… وبين حرمان المرأة الأميركية من حقها الدستوري في الإجهاض، اين تقع حقوق المرأة، وهل هذه الحقوق تشكل صيفاً وشتاء تحت السقف الواحد لحقوق الإنسان؟
وهل حماية حقوق المرأة وحريتها في التصرف بجسمها وشكلها الخارجي “وجهة نظر” وفق البلد الذي تنتمي اليه وتعيش فيه؟

لم يكد ينتشر خبر قضاء الشابة الايرانية الكردية مهسا أميني، ابنة الـ 22 عاماً تحت آثار الضرب الذي تعرضت له بعد توقيفها بثلاثة ايام من قبل شرطة الأخلاق الايرانية في طهران في 13 ايلول 2022 بحجة ارتدائها “ملابس غير محتشمة”، حتى عمّت التظاهرات والاحتجاجات مدنا ايرانية عدة حاصدة اكثر من 37 قتيلاً، ومرفقة بمقاطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي، تظهر ايرانيات يخلعن حجابهن في الشارع حيناً، ويقصصن شعرهن في العلن طوراً وهن يرددن No To Hijab. كل ذلك وسط شجب خارجي، ولا سيما غربي، لما اعتُبر “القمع العنيف للمتظاهرين الداعمين لمهسا أميني”، وفق ما أكدت الأمم المتحدة. وقد دعا وزير الخارجية الأميركية أنتوني بلينكن الحكومة الإيرانية “لإنهاء الاضطهاد الممنهج ضد النساء” فيما عبّر الرئيس الأميركي جو بايدن عن “تضامن الشعب الأميركي مع نساء إيران في احتجاجاتهن ضد انتهاك حقوقهن”.
المواقف الغربية الشاجبة اثارت رد فعل مباشراً من الرئيس الايراني ابراهيم رئيسي الذي حاصرته اسئلة مجموعة من خبراء السياسة الخارجية الأميركية في الأمم المتحدة، سائلة عن التطورات الايرانية، فأعلن ان “أولئك الذين يدّعون دعم حقوق الإنسان، لا يظهرون أي مسؤولية تجاه قتل الرجال والنساء في الدول الغربية والولايات المتحدة على يد الشرطة”.
وهو سجّل نقطة مهمة حيال المواقف الغربية – ولا سيما الأميركية منها – من حقوق المرأة، اذ كيف يفسّر الرئيس الاميركي الغاء المحكمة العليا الأميركية الحق الدستوري للمرأة في الإجهاض، الصادر منذ نحو 50 عاماً بحيث لا يُعتبر “انتهاكاً لحقوق المرأة”، غير آبه بعشرات التظاهرات التي خرجت منددة بالقرار… فيما التصرفات الايرانية هي انتهاك لحقوقها.
وإذا كانت المقارنة لا تجوز بين حرية المرأة في اميركا والفتات المسموح به منها في ايران، فإن الحالين تتشابهان مبدئياً من حيث سلب المرأة ابسط حقوقها في التحكم بجسمها.
صحيح ان ثورة الايرانيات على قانون الدولة الاسلامية الايرانية الذي حرمهن العام 1983حق الخروج من دون حجاب لم تبدأ اليوم، وإن أشعلها بقوة موت مهسا أميني. فمنذ ان “صنّف زعيم الثورة الايرانية الاسلامية آية الله الخميني “نساء الثورة وفق لباسهن” … وهنّ يخضعن لهذا النمط الاجتماعي الممنهج.
فالخميني قال يومها في مقابلة مع الصحافية الإيطالية أوريانا فالاتشي في شباط 1979: “ان النساء اللواتي ساهمن في الثورة كن ومازلن يلبسن ثياباً بسيطة فيما النساء الأنيقات المغناجات اللواتي يضعن الماكياج وينزلن إلى الشارع ويعرضن أعناقهن وشعرهن ومظاهر أجسامهن لم يناضلن ضد الشاه. لم يفعلن أبدا شيئاً إيجابياً. ولا يعرفن كيف يمكن أن يقدمن شيئاً إيجابياً لا على المستوى الاجتماعي ولا السياسي ولا المهني”… علماً ان شاه ايران، ورغم كل المآخذ على حكمه الاستبدادي، كان اعطى المرأة حقوقاً سياسية واجتماعية وعملية وتعليمية قانونية واسعة تمتعت بها منذ اوائل الستينيات.
الا ان نساء ايران لم يسكتن على فرض لباسهّن “القانوني” بالقوة منذ اندلاع الثورة الاسلامية، حتى قبل ان يصدر البرلمان الايراني قانوناً يقضي بمعاقبة اللواتي يظهرن في العلن من دون حجاب بـ 74 جلدة، لا بل خرج الآلاف منهن الى الشارع في 8 آذار 1979، احتجاجاً على فرض” اللباس الاسلامي الشرعي” في الأماكن العامة. وقد تعرضن للضرب والتوقيف بالعشرات.
وهن بدأن بثورة، وإن محدودة ومحددة شذبتها الظروف المعيشية الصعبة بفعل العقوبات الأميركية التي وضعت الأولويات الشعبية الاجتماعية في غير مكان. ففي العام 2014، أطلقت الناشطة الحقوقية مسيح علي نجاد حملة على “فيسبوك” عنوانها “حريتي الخفية”، نشرت فيها صوراً مرسلة اليها لإيرانيات غير محجبات. وفي العام 2017 أطلقت حملة لارتداء النساء حجاباً أبيض. وبعد عام واحد، نزلت الايرانيات إلى الشوارع وهن يرفعن الحجاب عن رأسهن، مما عرض الكثيرات منهن للسجن والضرب.
اما في ايار 2021 وحده، فأحصت المنظمات الحقوقية الايرانية تظاهرات نسائية بلغ عددها 127، منها 42 تظاهرات لإيرانيات طالبن بالعمل والعدالة في التوظيف العام من دون تمييز مع الرجال.
وقد أثمر التمرد النسائي الناشط تبديلاً مرناً في القوانين المجحفة بحق الايرانيات، اذ استغرق عشر سنوات “إنجاز” رفع سن الزواج من 9 إلى 13 سنة ، كما عادت محاكم الأسرة الى العمل، وإن بصلاحيات أضيق فيما لم تعد الأم الايرانية تحرم تلقائياً من حضانة اطفالها. وقد سمح للفتيات بدخول الجامعات وبالعمل كمحاميات… فيما القضاء ممنوع عليهن. كما دخل عدد لا بأس من النساء الى البرلمان… ورُفض ترشيح نساء الى الرئاسة لأسباب واهية.

فالتشدد بلغ أوجه منذ بدء فترة ابراهيم رئيسي الرئاسية العام 2021، هو المتشدد الآتي من أعلى هرم السُلطة القضائية في البلاد، والذي اتخذ سلسلة من القرارات المقوّضة لحق النساء الإيرانيات ونضالهن لنيل حقوقهن بحجة قمع “السلوك غير الأخلاقي” بعدما كنّ تمتعن ببعض الحرية في اللباس والحجاب غير الصارم. وقد كشفت منظمات حقوقية أخيراً ملاحقة مجموعة شاركت في فيديو دعائي لفتاة من دون حجاب، بدءاً من الايرانية غير المحجبة، وصولاً الى المصورين والمخرج والتقنيين الذين عملوا على الفيديو.
وفي تموز 2022، حث نشطاء حقوقيون إيرانيون النساء على خلع الحجاب في الأماكن العامة، احتجاجاً على “اليوم الوطني للحجاب والعفة” الذي اعلنته الدولة الاسلامية… الا ان وفاة الصبية الكردية اعاد خلط الأوراق لتعمّ التظاهرات والاحتجاجات اكثر من 37 مدينة ايرانية، بينها مدينة قم فيما مارست الشرطة الايرانية ابشع انواع القمع لتفريق المتظاهرين، علماً ان تظاهرات مقابلة انطلقت دعماً للحجاب وللباس الشرعي الاسلامي.
فهل تُخنق هذه الحركة التحررية في المهد كما سبق وحصل في اكثر من مرة في تاريخ الجمهورية الاسلامية الايرانية الحديثة، خصوصاً ان الاتهامات الداخلية تنطلق من ذريعة بأن الاحتجاجات تحركها اياد خارجية وتستغل هذه الذريعة من اجل ترهيب المتظاهرات والاعتداء عليهن بعنف فيما ايران تفاوض على ملفها النووي وترزح تحت العقوبات الغربية الخانقة بحقها؟ وهل سيسمح ابراهيم رئيسي المتشدد بتسجيل المعارضة نقطة – ولو صغيرة – في سجلها النضالي فيما الشائعات تحوم بكثرة حول صحة مرشد الجمهورية الاسلامية علي خامنئي ومن يخلفه في منصبه ذات التأثير الكبير؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات