Search
728 x 90

” حزب الله” الضالع بالمأزق السياسي

” حزب الله” الضالع بالمأزق السياسي

لم تبهت بعد ذاكرة اللبنانيين مع ” المقاومة الفلسطينية” التي كانت تستخدم الجنوب من اجل تحرير فلسطين. طفح الكيل خصوصاً حين كان الفلسطينيون يستخدمون القرى اللبنانية قواعد لاطلاق صواريخهم فيأتي الرد الاسرائيلي مزلزلا على هذه القرى وابنائها مؤكداً للاسف الشديد ما يقوله المسؤولون الاسرائيليون عن تلطي او استخدام الحزب احياء القرى لتوجيه الصواريخ الى اسرائيل.

المأزق الذي يواجهه الحزب بغض النظر عن لململة تداعيات ما حصل في شويا يكمن في عدم قراءته هذا المسار ولا سيما في ظروف كارثية بكل المقاييس على اللبنانيين. فليس اهالي بلدة شويا من ” تمردوا” على استخدام بلدتهم فيما ان ابناء الطائفة الشيعية هلعوا بدورهم من امكان نشوء حرب ترتد عليهم في زمن صعب جداً، ولو تم التجييش لاحقاً للدفاع عن الحزب. اضطر الامين العام للحزب الى الاقرار بالتمييز بين بيئة شيعية موالية وبيئات اخرى جنوبية لديها تحفظاتها وهذا يُعد تراجعاً صريحاً عن مقولة الشعب الداعم لـ” المقاومة” في اي وقت وكل زمن. قال ” لو كنا نستطيع ان نطال تلك المنطقة من القرى الشيعية وبيوتنا لفعلنا”.

هذا المأزق السياسي الذي وجد الحزب نفسه فيه عبّر عنه السيد نصرالله في ظل تحوّل الحزب من مدافع عن السيادة الى دور المنخرط في استدراج حرب او توريط لبنان فيها. وهذا تحول كبير في المعايير الداخلية غير السياسية بل الشعبية. فنصرالله اعتبر ان حادث شويا ليس بسيطاً ولا عادياً وله دلالات خطيرة وهذا صحيح جداً انما ليس في اتجاه تخوين اهالي البلدة او تصنيفهم بل في استدراك ما بات عليه مزاج اللبنانيين وواقعهم في ضوء متغيرات انقلابية حصلت في لبنان وترفض غالبية الطبقة السياسية الاقرار بها وتقاتل من اجل الاعتراف بها. لن يودّ احد من اللبنانيين على الارجح اعطاء اوراق لاسرائيل ولكن لن يودّ كثر ايضاً اعطاء اوراق اضافية لايران في اعادة استدراج لان تكون ساحة الجنوب ساحة تبادل رسائل.
المحطات التي توقف عندها نصرالله في خطابه شكلت بالنسبة الى مراقبين سياسيين عناوين لمأزق متعدد الاوجه يواجهه. فانتقاداته للمرة الثانية في خطاباته للتحقيق الذي يقوده القاضي طارق البيطار على خلفية ان ” التحقيق القضائي مسيّس ويخضع للاستنسابية ” بعد يومين على استذكار انفجار المرفأ وفي ظل ضغوط دولية ومحلية من اجل المضي بالتحقيق قدماً يضع الحزب في مواجهة داخلية قبل ان تكون مواجهة مع الخارج الذي يعتبر كثر انه لم يعط التحقيق اولوية تسمح او تؤدي الى الكشف سريعاً عن ما تم اخفاؤه في مسألتي المسؤولية عن الجهة التي اتت بنيترات الامونيوم ومن استفاد منها والى اين تبخرت الكميات التي سُحبت من المرفأ.

الحملات التي يتولاها الامين العام للحزب شخصياً على التحقيق يخشى انها ستساهم في تعميق او تعزيز الاعتقاد بمسؤولية ما للحزب في ما جرى في المرفأ وليس في تبديد هذا الانطباع الذي يبقى مجرد انطباع وشعور وربما استنتاجات ما لم يكن مدعوما بالادلة التي لم تتوافر او لم يعلن عنها حتى الان، عن ضلوع الحزب ما لم يكن التحقيق، سيؤدي في معطياته الى هذه الخلاصة او الى اتهام النظام السوري بها وفق غالبية من الاستنتاجات . يضع الحزب نفسه في مواجهة اهالي الضحايا في شكل اساسي وجزء كبير من اللبنانيين يريدون الحقيقة في موضوع انفجار المرفأ ولو ان هذا الموضوع يخضع ايضا للتوظيف السياسي بجدارة. وفي ظل رفض التحقيق الدولي من رئيس الجمهورية اولاً ورفض التحقيق القضائي الداخلي، على رغم خشية كبيرة من تعطيله كما في موقف نصرالله، يبرز سؤال اذا كان المطلوب اعتبار الانفجار وتدمير بيروت حادث سير عرضياً ومضي اللبنانيين بحياتهم واغلاق هذه الصفحة المأسوية وذلك علماً ان كان ثمة انتظار لاضاءات يقدمها محققون دوليون ويعلن عنها على الاقل عن كيفية استخدام النيترات ولا يزال الانتظار قائماً.
المأزق الثالث هو ما تحدث عنه الامين العام للحزب في موضوع الحادث الامني الخطير مع عشائر خلدة من زاويتين : التطورات المأسوية التي اسفرت عن ” مجزرة ” كما وصفها و” قطع الطريق المؤدي الى الجنوب”. ومتابعة ردود الفعل على ما حصل والمطالبة من الحزب بالقضاء في هذا الاطار لم تشمل في الاصل الاساس الذي انطلق منه الاشكال الامني الذي تحول الى ثأر عشائري وتحميل المسؤولية للحزب في الدرجة الاولى. وذلك في حال اخذ الحادث في حيثياته المباشرة وليس تململاً او تمرداً على واقع استعلائي يعفي افرقاء من الخضوع لسلطة الدولة ويخضع الاخرين لها.
وثمة مأزق حيّد الحزب نفسه عنه ولا يزال وهو الموضوع الحكومي الذي يترك للكباش المتجدد والمتواصل بين الرئاسة الاولى والرئاسة الثالثة في حين ان كثراً يدرجونه على انه الصراع المكشوف الذي يخفي صراعاً صامتا ً بواجهة مسيحية نتيجة اعتبارات اقليمية تتصل باسترهان الحكومة في لعبة المفاوضات الايرانية مع الولايات المتحدة وتلازماً في السعي الى تأكيد مكتسبات اتفاق الدوحة وما تلاها من الامساك بكل مفاتيح السلطة.

فكيف ينتظر الحزب ” المحادثات ” بين رئيسي الجمهورية والحكومة تماماً كما تركت الامور لتسعة اشهر على المسار نفسه مع الرئيس سعد الحريري على قاعدة ان العلّة في العلاقات الشخصية غير الودية مع الاخير وانتهت بتكرار المعزوفة نفسها من العراقيل مع الرئيس نجيب ميقاتي. فهناك بيئات لصيقة بالاحزاب والتيارات تؤيد وتقتنع بكل من ادبيات هؤلاء ولكن الحقائق باتت اوضح وهي مغايرة في نظر غير المؤيدين والمناصرين وهم الغالبية اللبنانية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات