Search
728 x 90

حبوب اوكرانيا سلاح موسكو الجديد؟

حبوب اوكرانيا سلاح موسكو الجديد؟

بين اتهام روسيا بسرقة مخزون الحبوب في اوكرانيا – وهذا ما نفته موسكو التي اشترطت رفع العقوبات الغربية عنها للسماح بشحن الحبوب الاوكرانية بحراً – وبين تأكيد الاتحاد الاوروبي ان العقوبات الغربية على روسيا لا تستهدف الغذاء، يبقى العالم اسير الخوف من مواجهة ازمة غذاء اذ ان كييف تُعدّ رابع أكبر مصدر للحبوب في العالم فيما الممرات البحرية رهن الألغام التي زرعتها روسيا من جهة، واوكرانيا من أخرى لحماية نفسها من اي هجوم بحري روسي محتمل، في وقت تبدو الممرات البرّية غير ملائمة لنقل اطنان الحبوب الاوكرانية التي كانت دول كثيرة تستوردها من كييف.
فهل العالم امام ازمة غذاء؟

الازمة العالمية للغذاء على الأبواب اذا بقيت الحرب الروسية- الاوكرانية على حالها، حابسة الحبوب الاوكرانية داخل صوامعها، وجاعلة الانتاج والتصدير الاوكرانيين يتراجعان بشكل دراماتيكي.
وإذ اعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ان 75 مليون طن من الحبوب قد تكون عالقة في أوكرانيا بحلول الخريف، لم ينفك اكثر من مسؤول اوروبي يبدي قلقه من اتخاذ الحصار الروسي على اوكرانيا منحى خطيراً يترافق مع تحذير الأمم المتحدة من تفاقم ازمة الغذاء عالمياً، حتى ان مدير برنامج الأغذية العالمي الفاو، ديفيد بيسلي، اتهم “روسيا بشن حرب على الأمن الغذائي في العالم.”
لذا، لا تبدو ابداً مستغربة المعادلة التي طرحتها موسكو: تصدير الحبوب الاوكرانية الى العالم مقابل رفع العقوبات الغربية عنها… وهذا ما وصفه وزير الخارجية الأوكرانية دميترو كوليبا بـ “الابتزاز” فيما لا يبدو الغرب متحمساً ظاهرياً للطرح الروسي.
وقد ذهبت روسيا الى ابعد من ذلك طارحة ايجاد ممرات بحرية آمنة التي طرحها وزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف خلال زيارته الى تركيا حيث بحث في “أزمة تصدير الحبوب من أوكرانيا، وضرورة ايجاد خطة لسفن شحن الحبوب الأوكرانية وتطبيقها”.

فما الذي يثير خوف العالم من أزمة الغذاء هذه؟
قد تكون الحبوب الاوكرانية السلاح الروسي الجديد بعد الغاز في وجه العقوبات الغربية، اذ اتهم رئيس المجلس الأوروبي تشارلز ميشيل، روسيا “باستخدام الإمدادات الغذائية كصاروخ خفي ضد الدول النامية”.
ويزيد الوضع تعقيداً اعتماد دول كثيرة على الحبوب الاوكرانية لتأمين ميزانها الغذائي الداخلي.
فأوكرانيا كانت رابع أكبر مصدر للذرة في العالم في موسم2020-2021 وسادس أكبر مصدّر للقمح، وفقًا لبيانات مجلس الحبوب الدولي. وقد اوردت منظمة الاغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة النسبة المئوية من الصادرات العالمية العام 2019 وفق الآتي:
– زيت دوار الشمس 42%
– الذرة 16%
– الشعير 10%
– القمح 9%
ويجب عدم اغفال ان العديد من الدول تعتمد على اوكرانيا بشكل كبير لتأمين غذاءها. اذ ان في تفاصيل واردات الحبوب المستوردة من اوكرانيا وفق منظمة الاغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة 2020، اكبر الدول المستوردة تأتي بالتدريج وفق الآتي:
– مولدوفا 92%
– لبنان 81%
– قطر 64%
– تونس 49%
– ليبيا 48%
– باكستان 48%
– اندونيسيا 29%
– ماليزيا 26%
– مصر 26%
– بنغلاديش 25%
ومما يزيد الأزمة سوءاً اقتراب موسم الحصاد للحبوب الاوكرانية، مما يرفع رقم الكميات العالقة بشكل مضاعف ثلاث مرات مع استحالة تصديرها. وقد أفاد مسؤول في منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة FAO مطلع ايار 2022 بأن نحو 25 مليون طن من شحنات الحبوب عالقة في أوكرانيا وغير قادرة على مغادرة البلاد بسبب تحديات البنية التحتية وإغلاق موانئ البحر الأسود بما في ذلك ماريوبول.

وهل الحصار البحري الروسي على اوكرانيا غير قابل للتراجع عنه سريعاً؟
مما لا شك فيه ان روسيا لم تترك شبراً من المياه الاوكرانية الا وزرعتها ألغاماً لشد الخناق على اقتصاد اوكرانيا الذي يعتمد بشكل اساسي على تصدير الحبوب الى الخارج. كما ان اوكرانيا قصدت حماية موانئها على البحر الأسود، ولا سيما اوديسا وموانئ رئيسية اخرى، من اي هجوم روسي محتمل، بزرع الألغام على مشارفها، علماً ان روسيا سيطرت على معظم الساحل الأوكراني وحاصرت الموانئ الباقية بأسطول حربي قوامه نحو 20 سفينة اضافة الى 4 غواصات.
فقبل الحرب الروسية على اوكرانيا، كانت 90% من صادرات أوكرانيا تمر عبر موانئ عميقة في البحر الأسود وكان يجري فيها تحميل بواخر كبيرة تبحر إلى الصين والهند ومناطق اخرى كثيرة في العالم.
من هنا الزيارة الروسية الى انقرة، واعلان وزير الدفاع التركي خلوصي آكار إن حكومته “تحرز تقدماً مع الأمم المتحدة وروسيا وأوكرانيا بشأن إعادة فتح الموانئ الخاضعة للحصار الروسي في البحر الأسود”، على ان تؤمن السفن البحرية التركية حراسة آمنة للسفن التي تغادر الموانئ الأوكرانية، وفق ما افاد الكثير من المعلومات. الا ان هذا الطرح يثير مخاوف اوكرانيا، وفق ما اكد رئيسها، خشية استغلال موسكو الأمر لتوسيع هجومها على البلاد. فأكد زيلينسكي وجوب عدم السماح للسفن الروسية باستخدام الممرات الآمنة في مقابل تمسك موسكو بإبقاء هذه الممرات تحت سيطرتها للتأكد من عدم نقل السفن الاوكرانية الأسلحة.
وإذ دعا رئيس برنامج الأغذية العالمي ديفيد بيسلي المجتمع الدولي إلى تنظيم قافلة لكسر هذا الحصار، تجدر الاشارة الى ان قدرات اوكرانيا للتصدير باتت محدودة بفعل الحرب الروسية. ويكفي التذكير ان النائب الأول لوزير السياسة الزراعية والغذاء في أوكرانيا، تاراس فيسوتسكي كشف أن أوكرانيا قادرة حالياً على تصدير مليوني طن من الحبوب كحد أقصى شهرياً، مقارنة بـ 6 ملايين طن قبل الحرب الروسية.
فهل من الممكن اجبار روسيا على فتح ممرات بحرية آمنة في البحر الأسود؟
يقول محللون عسكريون ان الأمر يتطلب تعاون الدول الواقعة على البحر الأسود، مثل رومانيا وبلغاريا، وقدرتها العسكرية على مواجهة روسيا، ناهيك عن تدخل اعضاء من الناتو من خارج منطقة البحر الأسود… وهذا ما يُعتبر خطوة عسكرية متقدمة لا تعرف عواقبها.
وهذا ايضاً ما سيحرج تركيا التي تسيطر على المضيق المؤدي إلى البحر الأسود والتي تحاول عدم اغضاب موسكو مع استمالة اعضاء الناتو في آن.

لكن هل يمكن استبدال الشحن البحري بالشحن البرّي للحبوب؟
باستثناء البحر الأسود، لا تملك اوكرانيا سوى البر او مراكب عبر نهر الدانوب لإخراج حبوبها من البلاد.
ويقول اكثر من خبير في هذا المجال ان اوكرانيا تواجه صعوبات لوجستية عدة لتصدير حبوبها برّاً، بعدما فشلت في تصديرها عبر نهر الدانوب ايضاً، علماً ان انجع وسيلة قد تكون برّاً عبر بيلاروسيا الموالية لموسكو والمعادية بالتالي لأوكرانيا.
فخطوط سكك الحديد الاوكرانية- كما الروسية- تضم مساحات اوسع بين خطوطها لتتمكن من استيعاب شاحنات الشحن العملاقة. وهذا ما ليس موجوداً في السكك الحديد الاوروبية، ولا سيما البولندية المجاورة، بحيث يستلزم الأمر اعادة توزيع شحنات الحبوب في قطارات اخرى فور وصولها الى الحدود… مع كل ما يتطلب الأمر من تعقيدات لوجستية ومن استغراق اكبر للوقت.
وهذا ما أكده اكثر من ممثل للقطاع التجاري الاوكراني مطالباً بضرورة إنشاء نقاط عبور إضافية إلى الاتحاد الأوروبي، كما خطوط إضافية من سكك الحديد. وبالفعل، بدأت اوكرانيا بإيجاد مستودعات تخزين اضافية للحبوب على حدودها مع بولندا، اضافة الى الانكباب على البحث في بناء خطوط سكك حديد جديدة نحو اوروبا.
وقد أعلن الاتحاد الأوروبي أخيراً عن خطط للمساعدة من خلال استثمار مليارات اليورو في البنية التحتية الاوكرانية.
لكن يجب عدم الإغفال ان اوكرانيا، وهي من اكبر مصدّري القمح، تحجم في الوقت الحالي عن بيع هذا النوع من الحبوب، فيقتصر تصديرها اساساً على الذرة، خوفاً من مواجهة مجدداً تجربة هولودومور، يوم اتخذ ستالين تدابير اثارت مجاعة أودت بحياة ملايين الاوكرانيين العام 1932. ثم يجب عدم الإغفال ان موانئ بولندا ورومانيا غير مجهزة لتصدير كميات كبيرة من الحبوب فيما اوروبا مكتفية ذاتياً بشكل عام بالنسبة الى القمح. الا ان هذا الأمر يشكل سيف ذا حدين، نظراً الى ان استحالة بيع الموسم الحالي ستحول دون استطاعة المزارعين زرع اراضيهم للموسم المقبل، مما سيضاعف الأزمة الغذائية العام المقبل.
وفي الموازاة، ادت ازمة الحبوب في اوكرانيا الى ارتفاع اسعار الحبوب عالمياً بحيث ان أسعار فول الصويا سجلت أعلى مستوى لها منذ 2012، كما ان أسعار القمح بلغت أعلى مستوى لها منذ أكثر من 9 أعوام، في حين ارتفعت اسعار الذرة إلى أعلى مستوى في 8 أشهر.
وقد حذرت السفيرة الأميركية لدى الأمم المتحدة ليندا توماس-غرينفيلد من تداعيات خطيرة للأزمة على العالم النامي، لافتة الى ان “روسيا يمكنها أن تتسبّب بارتفاع أسعار المواد الغذائية وبجوع أكثر شدّة في أماكن مثل ليبيا واليمن ولبنان”.
وبالفعل، حَذَّر برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة من احتمال ارتفاع عدد الجياع في القرن الإفريقي من 15 مليوناً إلى 20 مليوناً في 2022.
ولم يقتصر الوضع على هذه الحال، لا بل كشف المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية ان اكثر من 19 دولة عمدت الى فَرض حَظر على صادرات الأغذية فيها حفاظاً على أمنها الغذائي في ظل الخوف من ازمة غذائية عالمية. وقد دَعَت الأمم المتحدة بكل متفرعاتها – من البنك الدولي، وصندوق النَقد الدولي، وبرنامج الأغذية العالمي، الى منظمة التجارة العالمية – الحكومات في مختلف أنحاء العالم إلى رَفع الحَظر والقيود المَفروضة على التصدير، والحفاظ على أسواق الغذاء والطاقة مفتوحة. فاستجابت مطلع ايار، 51 دولة من أصل 164 دولة عضو في منظمة التجارة العالمية، بما في ذلك المملكة المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، الا ان المُنتِجين المُهمين مثل الهند، وإندونيسيا، والبرازيل والأرجنتين أحجموا عن الأمر.
لذا، يبدو الأمن الغذائي العالمي امام معضلة مستعصية: إما رفع العقوبات الغربية عن روسيا لتفتح ممرات بحرية آمنة لنقل الحبوب الاوكرانية، وبالتالي غض النظر عن غزوها لأوكرانيا مما يشرّع الباب مستقبلاً لغزوات مماثلة من قبل دول أخرى، وإما مواجهة أزمة غذاء طاحنة سيدفع ثمنها مئات الملايين في العالم الثالث، نقصاً في المواد الغذائية وارتفاعاً جنونياً في أسعارها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات